Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأنهار في العالم العربي... "ينابيع الحياة" المهددة بالجفاف

من السودان إلى مصر وسوريا ولبنان مصادر المياه تئن تحت وطأة الملوثات والفساد

مجموعة مخاطر تهدد الأنهار في الوطن العربي (أ ف ب)

منذ القدم كانت الأنهار، ولا تزال، العمود الفقري لجميع الكائنات الحية، فالبشر يحتاجون إلى إمداد مستمر بالمياه للبقاء على قيد الحياة، واعتادوا العيش في أماكن قريبة من الأنهار التي تضمن إمدادات المياه العذبة، وتسهل السفر ونقل البضائع، إلا أن الإنسان وعلى مر الأجيال، أسهم بشكل مباشر، أو غير مباشر، بتلويث مصدر الحياة الأساسي للعيش، من خلال التعديات والإهمال. هذه التعديات الفردية تخطّتها أخرى سياسية بهدف المنفعة الذاتية بعيداً من المصلحة العامة.

فما أهمية الأنهار الصحية والبيئية والاقتصادية؟ وما المخاطر التي تهددها؟ وما أهم الأنهار في الوطن العربي؟

النيل... واهب الحياة ومنبع الأزمات

منذ آلاف السنين يشق نهر النيل الجانب الشرقي من القارة الأفريقية، مانحاً الحياة للملايين على ضفافه، فقد شهد قيام أقدم حضارات العالم، الحضارة الفرعونية، وحظي بعبادة قدماء المصريين، ولا يزال النهر يعد مقدساً لدى الشعوب الكثيرة التي تعتمد عليه في توفير احتياجاتها من المياه والزراعة وكوسيلة للانتقال، لكن تلك الفوائد جلبت أيضاً كثيراً من النزاعات على مدار التاريخ بين الدول المتشاطئة على ثاني أطول نهر في العالم.

ويجري نهر النيل في 11 دولة، هي مصر والسودان وإثيوبيا وجنوب السودان وبوروندي والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وإريتريا، حيث يمتد لمسافة نحو 6600 كيلومتر من المنابع إلى المصب، ويغطي مساحة تبلغ 3 ملايين كيلومتر مربع. كما تشكل مياه النهر مورداً مهماً لأكثر من 560 مليون شخص يعيشون على ضفافه.

تحديات بيئية

لكن واقع النهر الأهم في القارة الأفريقية يحتاج إلى دراسة كيفية معالجة عديد من التحديات، فعلى الصعيد البيئي يبرز عديد من المخاطر المرتبطة بالتلوث في نهر النيل، ففي جنوب السودان يعاني النهر الأكياس البلاستيكية التي تنجرف عادة للمياه خلال موسم الأمطار وتهدد الثروة السمكية، ما دفع الحكومة الجنوب سودانية إلى حظر استخدام تلك الأكياس عام 2015، إلا أن هناك تحديات عدة مرتبطة بتنفيذ القرار، بخاصة أن معظم احتياجات البلاد تستورد من الخارج. وبحسب خبراء البيئة يستغرق تحلل الأكياس البلاستيكية في المياه مئات وربما آلاف السنين.

وفي مصر، كشفت وزارة البيئة المصرية عام 2017 عن وصول كميات المخلفات الصلبة التي تصرف في النيل سنوياً إلى نحو 14 مليون طن، ومخلفات المستشفيات لنحو 120 ألف طن، منها 25 ألفاً من المواد شديدة الخطورة، إضافة إلى مخلفات الصرف الصحي، التي تصل إلى 5 مليارات متر مكعب يعالج منها  مليارا متر فقط، ويصرف الباقي في النهر، كما تبلغ الملوثات الصناعية المنصرفة في النهر والمجاري المائية نحو 270 طناً يومياً.

تغير المناخ

كما تتزايد المخاوف المرتبطة بالتغير المناخي، إذ تتزايد مواسم الجفاف والمواسم الحارة في جميع دول حوض النيل، وكشفت دراسة أجرتها كلية دارتموث الأميركية، أنه على الرغم من التوقعات بزيادة الأمطار في منابع النيل، إلا إن الزيادة المتوقعة في درجات الحرارة قد تزيد السنوات الحارة والجافة، ما قد يؤثر في إمدادات المياه والغذاء لمئات الملايين من الناس في منطقة أعالي النيل خلال العقود المقبلة. وأوضح جوستن اس مانكين، أستاذ الجغرافيا في كلية دارتموث المشارك في الدراسة، المتخصص في المناخ، أن "معدل السنوات الجافة والحارة سيتضاعف على الأقل من الآن حتى منتصف القرن"، مضيفاً في تصريحات صحافية أنه في "عام 2050 يعاني 45 في المئة من سكان دول منابع النيل من نقص في المياه"، كما ستنعكس مشكلات المياه في منابع النيل على دولتي المصب.

وهناك سيناريوهات أكثر تشاؤماً تحذر من إمكانية نقص الأمطار التي تهطل على الهضبة الإثيوبية، وتمثل أحد أهم مصادر مياه النيل، وفق تصريحات صحافية لمدير مشروع التغيرات المناخية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سمير طنطاوي، الذي أشار لسيناريوهات تفيد باحتمالية تغير مكان سقوط الأمطار إلى المحيط الهندي بدلاً من الهضبة الإثيوبية، بسبب تأثير تغير المناخ في "أحزمة المطر"، سواء من حيث كميات الأمطار أو أماكن سقوطها.

صراع مائي

ومن بين دول حوض النيل الـ11، تبدو مصر وإثيوبيا الأكثر اعتماداً على النهر، فالأولى تعول على النيل بنسبة 97 في المئة لتأمين احتياجات سكانها البالغ تعدادهم أكثر من 104 ملايين نسمة، أما الثانية فلطالما أعلنت خططاً لاستثمار طاقة النهر في توليد الكهرباء التي تحتاجها لتنمية الاقتصاد مع خطط لتصدير الطاقة، من خلال إنشاء سدود على مجرى النيل، أبرزها "سد النهضة" الذي أنهت أديس أبابا أكثر من 80 في المئة من إنشاءاته، بسعة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب، وستصل تكلفة المشروع عند اكتماله إلى خمسة مليارات دولار، ليصبح أكبر مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا بقدرة تصل إلى 5150 ميغاواط.

وخاضت مصر والسودان وإثيوبيا جولات من المباحثات والمفاوضات منذ إعلان إثيوبيا عن المشروع عام 2010، لكنها لم تفض إلى اتفاق قانوني ملزم مثلما تطالب القاهرة والخرطوم، بينما تصر أديس أبابا على أن المشروع لن يسبب ضرراً جسيماً لدولتي المصب، وكانت آخر جولات التفاوض في أبريل (نيسان) من العام الماضي فشلت بعد عقدها على مدى أيام في كينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية التي كانت تترأس في ذلك الوقت الاتحاد الأفريقي. وتبع فشل التفاوض عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي في يوليو (تموز) من العام نفسه، بطلب من مصر والسودان أفضت إلى إصدار بيان رئاسي من المجلس في سبتمبر (أيلول) دعا فيه الأطراف الثلاثة للعودة إلى المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بغرض الانتهاء سريعاً من صياغة نص اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة، وذلك في إطار زمني معقول.

إضافة لصراع مصر وإثيوبيا على المياه، تزخر منطقة حوض النيل بالصراعات السياسية، حيث يتنازع السودان وإثيوبيا على السيادة في منطقة "الفشقة" في ظل فشل محاولات عدة لإجراء ترسيم للحدود، كما تدهور الوضع الأمني خلال الأسابيع الأخيرة شرق الكونغو الديمقراطية وسط اشتباكات الجيش الكونغولي مع متمردي حركة "أم 23" المدعومة من جانب رواندا وفق اتهامات حكومة الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، التي تنفيها كيغالي.

آلية للتعاون

ويجمع دول حوض النيل اتفاقية إطارية تسمى بمبادرة دول حوض النيل، تم التوقيع عليها عام 1999 بهدف دعم التعاون الإقليمي والوصول إلى تنمية مستدامة في المجالين السياسي والاجتماعي، لكنها تحولت إلى ساحة للخلاف عام 2010 مع توقيع 5 دول على اتفاقية في مدينة عنتيبي الأوغندية تنهي عملياً العمل باتفاقية عام 1929 لتقاسم مياه النيل، ويلغي حصص المياه السابقة، وكذلك حق النقض الممنوح لدولة المصب (مصر) على المشاريع المائية في دول المنبع، كما أدخلت الاتفاقية للمرة الأولى مصطلح "الاستخدام العادل" للمياه، ما أثار اعتراض الخرطوم والقاهرة اللتين علقتا عضويتيهما في مبادرة حوض النيل. ووقعت الاتفاقية التي سميت إعلامياً باتفاقية عنتيبي، إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا، وبعد أشهر عدة تبعتهم بوروندي، لكن دون تصديق برلمانها على الاتفاق حتى الآن.

وفي عام 2015 شارك وزير الري المصري في اجتماع وزاري لمبادرة دول حوض النيل بهدف "تجاوز الخلافات"، وطلبت القاهرة في العام التالي بحث عودة مشاركتها في أعمال المبادرة، لكنها في نفس الوقت أعلنت في بيان لوزارة الري أن عدم مشاركة مصر في اتفاقية عنتيبي ترجع إلى "خلوها من البنود التي يمكن أن ترسل رسالة طمأنة للشعب المصري الذي يسعى للحفاظ على حقوقه المائية وضمان عدم تأثرها". وشارك الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في قمة رؤساء دول حوض النيل بأوغندا في يونيو (حزيران) 2017، وتزامن ذلك مع التأكيد على أن المشاركة لا تعني التراجع عن تجميد عضويتها في مبادرة حوض النيل، ولا تعني أيضاً أن مصر ستوقع على اتفاقية عنتيبى.

السودان بلد الأنهار الثمانية في مواجهة تحديات بيئية خطيرة

أما السودان فيتمتع بإمكانات مائية هائلة قوامها أكثر من 7 أنهار، فضلاً عن الأودية والخيرات الموسمية التي يغذي بعضها البعض والنيلين الأزرق والأبيض، الرافدين الرئيسين لنهر النيل الأم، الذي يمثل مع روافده عماد النشاط الزراعي والاقتصادي والمصدر الرئيس لمياه الشرب العذبة والنقية لكثير من المدن السودانية، لخلوها النسبي من الملوثات مقارنة ببعض المناطق والدول الأخرى.

حياة كاملة

يعتمد معظم المشاريع الزراعية الكبيرة مثل مشروع الجزيرة بمساحة نحو 2.2 مليون فدان، كأكبر المشاريع المروية بالقارة الأفريقية، إضافة إلى مشروعي حلفا والرهد الزراعيين، على الري الانسيابي من النيل، ما يجعله المصدر الأساسي للإنتاج الزراعي بالتالي الغذاء، ويزيد من أهميته، دوره في الحياة الاجتماعية والثقافية منذ مهد الحضارة السودانية القديمة التي ارتبطت بالنيل واحتفت وتفاءلت به.

الأزرق والأبيض

ويعتبر النيل الأزرق القادم من بحيرة تانا شمال غربي إثيوبيا من ارتفاع 1800 متر، ويتغير اسمه من أباي إلى النيل الأزرق فور عبوره الحدود السودانية، صاحب النصيب الأكبر في مياه نهر النيل بنسبة قد تصل إلى 90 في المئة عند الذروة و70 في المئة في الحالات الدنيا، وهو المتسبب في الفيضان السنوي له ولنهر النيل بسبب عنفوان جريانه وعمق مجراه وضيقه.

بخلاف طبيعة النيل الأزرق الملقب لدى السودانيين بـ"الأزرق العاتي" يتسم رصيفه النيل الأبيض الذي ينبع من بحيرة فيكتوريا الممتدة على الحدود بين يوغندا وتنزانيا وكينيا، في جريانه بالهدوء والثبات طوال فصول السنة، إلا أن مساهمته في رفد مياه نهر النيل تقدر بنسبة نحو 30 في المئة في أفضل الأحوال.

بعد مسيرتهما الطويلة من المنابع والتزود من الروافد الفرعية الموسمية والدائمة يلتقي كل من النيلين الأزرق والأبيض في العاصمة الخرطوم عند مقرن ليشكلا نهر النيل، الذي ينساب من هناك شمالاً، ليلتقي آخر روافده نهر عطبرة الموسمي، القادم أيضاً من الهضبة الإثيوبية مصطحباً معه مياه نهر سيتيت قبل أن يتجه غرباً نحو النيل.

روافد موسمية

أما نهر الرهد الموسمي المنحدر من الهضبة الإثيوبية، فهو من روافد النيل الأزرق يلتقيه عند مدينة ودمدني عاصمة ولاية الجزيرة وسط السودان. وكذلك رفيقه نهر الدندر المنحدر من هضاب مخترقاً سهول ولاية سنار السودانية، لينضم أيضاً إلى  النيل الأزرق في منطقة الربوة، التي اكتسبت بعداً سياحياً كمتنزه طبيعي يقصده السياح وأهالي المنطقة.

وفي شرق السودان يتسبب نهر القاش الموسمي العنيد القادم من المرتفعات الإرتيرية، في الكثير من الدمار بمدينة كسلا، وضواحيها لعنف جريانه في الخريف ولم تفلح كل محاولات السلطات في ترويضه على الرغم من الجهود التي تبذل سنوياً في مشروع الترويض، من خصائص هذا النهر أنه لا يصب في أي مسطح مائي، بل تنتهي مياهه إلى السهول الرملية، ويتحول في مواسم الجفاف إلى مجرد وادي واسع من الرمال.

تحديات ومهددات

على الرغم من الأهمية المتزايدة للنيل في حياة واقتصاد السودان، فإنه يواجه تحديات ومهددات بيئية كبيرة، أبرزها ظاهرة "الهدام" التي هي عبارة عن تجريف وتهدم الأرض على ضفاف النيل بفعل ضربات الأمواج، فضلاً عن تصنيع الطوب على الضفاف، التي تنضم إلى قائمة المهددات الكبيرة، إلى جانب تلوث المياه بالمواد السامة نتيجة الاستخدام المفرط للأسمدة والكيماويات في الزراعة على الضفاف، ما يؤثر في نوعية المياه وعلى الأحياء المائية والمصادر البيئية المجاورة.

ويشير الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بالخرطوم بشرى حامد إلى أن كل من الصرف الصحي والزراعي المباشر في كثير من المدن والمشاريع من دون معالجة يمثل تهديداً خطيراً قد يؤدي إلى تلوث كبير في مياه النيل وروافده على المدى البعيد، بخاصة مع تزايد عدد السكان واستمرار الأنشطة الزراعية بنفس سلوك التخلص من بقايا الأسمدة والمبيدات والنفايات في الأنهار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقرع حامد ناقوس الخطر مجدداً حول ظاهرة جديدة في غاية الخطورة ترتبط بتنقية بقايا التعدين الأهلي (الكرتة) على ضفاف النيل وبمياهه المليئة بعناصر السيانيد والزئبق السامة، فضلاً عن ظاهرة التلوث البلاستيكي الذي يؤثر بشكل كبير على الأحياء المائية ومجمل الحياة بالنيل، سواء في الزراعة وخلافها.

في المقابل، دعا أمين البيئة، إلى أهمية التصدي العاجل لتلك المهددات والمشكلات الكبيرة التي يجب الالتفات لها والتركيز عليها من خلال تفعيل والتشريعات واتباع منهج الحوكمة البيئية لتدارك تفاقم تلك المهددات قبل أن يستفحل أمرها أكثر.

الخلافات وتفاقمها

في عبوره لعشر دول من دول شمال وشرق أفريقيا، ارتبطت به مصالح معظم تلك الدول ما خلق بعداً سياسياً لمياه النيل دفع دول الحوض إلى البحث عن عدة صيغ للتعاون المشترك فيما بينها، وعلى الرغم من أنه سبق أن تم الاتفاق بين تلك الدول على تكوين مجلس وزاري من وزراء مياه لتحقيق وتعزيز التعاون لصالح شعوب دول الحوض، وحل أي نزاع مائي بينها بالطرق الودية دون اللجوء إلى استعمال القوة، فإنه في يوليو (تموز) 2009 اجتمع المجلس في دورته الـ17، وسعت دول المنبع إلى فرض تأسيس مفوضية لحوض النيل، بغض النظر عن مشاركة دولتي المصب (مصر والسودان).

يعتبر كثير من المراقبين أن مايو (أيار) 2010 شكل نقطة بداية تفاقم خلافات دول حوض النيل، حيث قررت ست من دول منابع النهر هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي التوقيع في مدينة عنتيبي الأوغندية على معاهدة جديدة لاقتسام موارده، تنتهي بموجبها الحصص التاريخية لمصر والسودان وفقاً لاتفاقيات 1929 و1959، ومنحت القاهرة والخرطوم مهلة عام واحد للانضمام إلى المعاهدة.

لكن القاهرة والخرطوم رفضتا الاتفاقية باعتبارها مخالفة للاتفاقيات الدولية، إلى أن برز إلى الوجود سد النهضة الإثيوبي ليضيف إلى ذلك الخلاف بعداً آخر على الرغم من اتفاق المبادئ الذي في شأن السد الذي وقعه رؤساء الدول الثلاث في 2015 كخطوة نحو تعاون أوثق في شأن الموارد المائية، لكن السودان ومصر اتهمتا إثيوبيا بالعمل على نحو أحادي منفرد مخالف للإعلان، وما زال الخلاف محتدماً بينما تتهيّأ إثيوبيا لتنفيذ الملء الثالث للسد في أغسطس (آب) المقبل.

متجاوزاً كل تلك الخلافات، يواصل نهر النيل، أطول أنهار العالم مشواره الطويل الممتد مسافة نحو 6671 كيلو متراً، ليصب أخيراً على شكل دلتا، عبر فرعي دمياط، ورشيد ليودع ويختفي في جوف البحر الأبيض المتوسط وتلاشى فيه كلياً.  

الجفاف يهدد أرض الرافدين

ويطلق على العراق تسمية "وادي الرافدين"، وذلك نظراً إلى ضمه نهرين كبيرين هما نهرا دجلة والفرات يشقان أراضيه من الشمال إلى الجنوب، كما يطلق عليه أسماء متعددة تدل على وفرة المياه وأراضيه الصالحة للزراعة، وهي "الأرض الخصبة" و"أرض السواد".

ويبلغ طول نهر الفرات من منبعه في تركيا حتى مصبه في شط العرب 2940 كيلومتراً، 1176 كيلومتراً منها في تركيا و610 كيلومترات في سوريا و1160 كيلومتراً في العراق. ويتراوح عرضه بين 200 وأكثر من 2000 متر عند المصب.

أما نهر دجلة، فينبع من جبال طوروس جنوب شرقي الأناضول في تركيا ويعبر الحدود السورية – التركية، ويسير داخل أراضي سوريا بطول 50 كيلومتراً تقريباً، ليدخل بعد ذلك أراضي العراق عند قرية فيشخابور.

ويبلغ طول مجرى النهر نحو 1718 كيلومتراً ومعظم مجراه داخل الأراضي العراقية بطول نحو 1400 كيلومتر. وتصب خمسة روافد فيه بعد دخوله الأراضي العراقية وهي: الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير والعظيم وديالى. وهذه الروافد تجلب إلى النهر ثلثي مياهه، أما الثلث الآخر، فيأتي من تركيا.

كارثة إنسانية

يبدو أن أزمة الجفاف العالمية والتصحر أثرت بشكل كبير في واردات المياه الآتية إلى النهرين الكبيرين خلال السنوات والأشهر الماضية، ما ينذر بكارثة إنسانية خلال الأعوام المقبلة، لا سيما في ظل التقارير التي تتحدث عن استمرار أزمة الجفاف العالمية. وفي حال لم تعمد السلطات العراقية إلى التعامل معها بجدية تضمن التخفيف من أضرارها، ستكون عواقبها كارثية تضاف إلى قائمة الأزمات التي تشهدها البلاد منذ عقود.

انخفاض كبير في المياه

ويعتمد المصدر الأساسي في تغذية هذين النهرين سنوياً على المياه الآتية من تركيا وإيران، خصوصاً في فصل الربيع، فضلاً عن الأمطار والثلوج داخل الأراضي العراقية، إلا أن الموسم الحالي شهد انخفاضاً كبيراً وغير مسبوق منذ أعوام.

تقليص الأراضي الزراعية

ونتيجة أزمة الجفاف، عمدت الجهات المتخصصة العراقية إلى تقليل المساحات الزراعية المروية بالمياه إلى النصف، فضلاً عن منع زراعة محصول "الأرز" وذلك لاستهلاكه كميات كبيرة من المياه، إذ يشتهر العراق بنوعيات جيدة وهي أرز "العنبر" الذي تزدهر زراعته في محافظات وسط العراق وجنوبه، لا سيما محافظة النجف الشهيرة بهذا الصنف.

85 في المئة للزراعة

وبحسب وزارة الموارد المائية، فإن القطاع الزراعي يستهلك نحو 85 في المئة من مياه دجلة والفرات، وقال مدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية بالوزارة حاتم حميد في تصريح لوكالة الأنباء العراقية، إن "الحلول لمواجهة الأزمة المائية تتضمن مسارين: الأول هو خارجي والمعني بالتباحث مع دول الجوار للتوافق على حصة العراق المائية، والمسار الآخر داخلي وهو إلزام الوزارات القطاعية كافة المستخدمة للمياه وبخاصة الزراعة، ترشيد الاستهلاكات لغرض زراعة مساحات أكبر وزيادة الإنتاجية، مع استخدام التقنيات الحديثة في عمليات ري المزروعات".

وذكر أن "القطاع الزراعي يستهلك من 80 إلى 85 في المئة من المياه المطلقة في نهري دجلة والفرات"، مشيراً إلى أن "سوريا أطلقت كميات كبيرة من حصتها المائية إلى العراق".

35 في المئة

وعن الإيرادات المائية التي تصل العراق، ذكر حميد أن "الإيرادات المائية التي تردنا في دجلة والفرات لغاية مطلع الشهر الحالي تشكل نسبة 35 في المئة من المعدل العام".

جفاف البحيرات

وأدى انخفاض مستوى المياه إلى التأثير في الخزانات المائية والبحيرات، فبحيرة حمرين التي تعد من أهم البحيرات التي يعتمد عليها سكان محافظة ديالى شرق العراق، التي يبلغ مخزونها المائي أكثر من ملياري متر مكعب، وتعد المصدر المهم لري المزروعات وتأمين المياه الصالحة للشرب، والتي تتغذى من روافد عدة غالبيتها تأتي من إيران، باتت معرضة للجفاف بعد أن قطعت الأخيرة تلك الروافد وغيرت مسارها إلى داخل الأراضي الإيرانية.

وأكدت مديرية الموارد المائية في محافظة ديالى أن أمطار العام الحالي لم تعزز المخزون المائي لبحيرة حمرين.

وقال معاون مدير الموارد المائية في ديالى قاسم يحيى حمود في تصريح صحافي، إن "شح المياه لا يزال مستمراً في ديالى للعام الثاني نتيجة قلة الأمطار والغطاء الثلجي، إضافة إلى انعدام الواردات من خارج العراق التي تمثل 80 في المئة من نسبة المخزون المائي لبحيرة حمرين، بينما تشكل العيون والينابيع نسبة 20 في المئة المتبقية".

تأثيرات بيئية

ولعل سكان وسط العراق وجنوبه لا سيما محافظة البصرة، كانوا أكثر المتضررين كونهم يعتمدون على المياه الآتية من نهر الفرات، والتي بدورها تقطع مسافات كبيرة لتصل إليهم مياه محملة بنسب مرتفعة من الأملاح وغير صالحة للشرب، فضلاً عن تأثيراتها البيئية السيئة، ما جعل شط العرب وهو المصب الرئيس لنهري دجلة والفرات الذي يبلغ طوله 190 كيلومتراً، والذي تحول إلى مياه آسنة ملحية لا تصلح للزراعة بسبب نسب التلوث العالية، ما ينذر بمخاطر بيئية إذا لم تكن هناك معالجات جدية لتقليل نسبة الملوحة.

ويتقاسم كل من العراق وإيران الحدود البحرية في شط العرب، وفق اتفاق الجزائر عام 1975، يعرف بـ"خط التالوك"، وهو خط وهمي يمثل نقطة خط القعر، بحسب الاتفاقية.

ولا تزال اتفاقية الجزائر ملفاً من الملفات الخلافية الشائكة بين العراق وإيران، حتى بعد سقوط نظام صدام إثر غزو العراق.

التلوث والفساد يحاصران مصادر المياه في لبنان

ويُعدّ لبنان من أغنى الدول العربية من ناحية وجود الموارد المائية الطبيعية، إذ تتنوع مصادر المياه فيه، بفعل موقعه الجغرافي على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وتضاريسه الجبلية التي تصل إلى ارتفاع 3 ثلاثة آلاف متر. وفي لبنان نحو 40 نهراً أساسياً، 17 منها تصنف على أنها دائمة الجريان، ويقدر مجموع التدفق السنوي لهذه الأنهار مجتمعةً بنحو أربعة مليارات متر مكعب على مدار العام الواحد. ويحدث نحو ثلثي هذا التدفق بين شهري ديسمبر (كانون الأول) ومايو (أيار) من كل عام، بفعل نشاط حركة الأمطار في هذه الفترة. وتشكّل المياه الجوفية ما يقارب الـ50 في المئة من إمدادات المياه في لبنان، ويوجد في لبنان نحو 2000 ينبوع موسمي تُغذّي مختلف الجداول المائية في البلاد، وتُولّد هذه الينابيع نحو 1200 مليون متر مكعب من المياه سنوياً.

وعلى الرغم من غنى لبنان المائي، لم تستغل الدولة اللبنانية هذه الموارد المهمة بشكل صحيح، ما أسهم في إهدار هذه المقومات بشكل عبثي، وحرم الاقتصاد من قطاع فعال يمكن استخدامه كمدخل أساسي لتطوير عديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى، ومنها قطاعات الزراعة والكهرباء والسياحة.

من نعمة إلى نقمة

ويوضح المتخصص في المجال البيئي سمير سكاف، أن معظم الأنهار اللبنانية باتت مكبّات للنفايات والصرف الصحي، لا سيما أن معظم مجارير القرى تصبُّ فيها، ما يحولها إلى "مجارير كبرى"، كاشفاً عن أن نهر الليطاني، وهو الأكبر، "بدلاً من أن يكون اليوم نعمةً للبنانيين، بات نقمة كبيرة بسبب تلوثه وتحوله إلى مصدر للأمراض والأوبئة بسبب صبّ مجاري البقاع الملوثة فيه، وعدم فاعلية محطات التكرير قديمة العهد، والمعطلة في غالبيتها".

ويقول إن "نهر الليطاني الملوث بشكل كبير مصدر أساسي للمواطنين، وخصوصاً المزارعين منهم، إذ يستخدمونه لري المزروعات"، لافتاً إلى أن الكارثة الكبرى لا تتوقف عند هذا الحد، وإنما أيضاً نقل التلوث إلى الينابيع والوديان والتربة والمياه الجوفية، قبل أن تصبّ هذه الأنهار التي تحمل مجارير ونفايات المناطق في البحر، الأمر الذي حول نهر الليطاني الملوث إلى أكبر مجرور في الحوض الشرقي للمتوسط.

نفايات وتعديات

ويتحدث سكاف عن فضيحة النفايات، إذ باتت ضفاف الأنهار والينابيع مراكز لتكديسها ورميها في ظل غياب شبه تام للرقابة الرسمية في معظم المناطق، ما أدى إلى تحول الأنهار إلى مراكز أساسية لرمي النفايات، مثل تلك الموجودة في البقاع وعكار وطرابلس، مثل نهر أبو علي الذي تحول إلى بقعة مجارير كبيرة في الشمال تحتوي على مياه ملوثة ومُوحلة. والأمر نفسه يسري في الساحل، فمن المعروف أن بحر "كوستا-برافا" ملوث بسبب مكب النفايات، وحتى نهر غدير في بيروت.

ويوضح أن المعاناة التي يشهدها لبنان من انخفاض في مستوى الأنهار إلى حدّ جفافها في بعض الأحيان، ليست فقط نتيجة نقص مياه الأمطار، وإنما أيضاً بسبب الكسارات على ضفاف الأنهار، مثل تلك الموجودة في أنطلياس، ونهر الكلب، ما يتسبب في تلوث إضافي للمياه، إضافة إلى التعديات التي تشهدها الأنهار اللبنانية، مثل بناء المطاعم على حدود النهر أو عليه حتى، في الوزاني مثلاً والحاصباني، وهو ما يسبب مشكلات في حركة المياه ومجراها.

الكهرباء المهدورة

من جهة أخرى، يؤكد سكاف أن في لبنان نحو 2000 مجرى من المياه، إضافة إلى الأنهار، وهي المجاري الموجودة بين الوديان عندما يذوب الثلج، والتي من الممكن أن تنتج طاقة مائية، وهي الأقل تلويثاً للبيئة، إلا أن المشكلة أن الدراسة الموجودة لدى وزارة البيئة لم تُنفذ حتى اليوم، مشيراً إلى أنه "عند الحديث عن السدود المائية التي تلجأ إليها وزارة البيئة، يجب التمييز بين أهميتها والفساد القائم في هذا الملف، والذي أتى نتيجة سرقة الخرائط الأعمارية، أو تنفيذها بشكل غير قانوني ومُضرّ للبيئة".

ويشدد على أن "لبنان بعدد سكانه، بحاجة لتجميع المياه بالطرق كافة، والمشكلة أنه وصلنا إلى درجة شيطنة السدود بعد أن نفذت المشاريع، بشكل غير بيئي وغير قانوني بعيداً من إطار الاحترام للآثار البيئية، والدليل ما سببه كل من سد المسيلحة والليطاني والقرعون، التي أدت إلى مشكلات بيئية وتلوث خطير للمياه".

طوارئ مائية

ويجمع المتخصصون على ضرورة التنبيه المستمر للتلوث الذي يجتاح معظم مياه الأنهار والينابيع والآبار الجوفية، وتداعياتها السلبية على صحة الإنسان. وفي هذا السياق، حذر رئيس مصلحة الأبحاث الزراعية في لبنان ميشال أفرام من أن لبنان تخطى حافة الخطر وتجاوز الخط الأحمر، وقد يصل إلى نقطة اللاعودة، مشدداً على ضرورة معالجة مسببات التلوث وأبرزها مجاري الصرف الصحي، وأهمية إيجاد معالجات جدية لنقص المياه.

وأوضح أن مياه لبنان ملوثة بمعظمها بنسب متفاوتة، تلوثاً جرثومياً وكيماوياً وبالمعادن الثقيلة خصوصاً الزئبق. ولفت إلى أن مسح نوعية المياه في كل المناطق اللبنانية أظهر نتائج كارثية مع وصول التلوث إلى حدود 100 في المئة، معتبراً أن "كل فئات المجتمع اللبناني من الدولة إلى البلديات والشعب، معنية بإيجاد المعالجات للتلوث". ورأى أن هذه المشكلة لم تنتج عن تقصير الدولة فحسب، بل هناك مسؤولية على المواطنين بالامتناع عن رمي النفايات في الأنهار وتلويث مصادر المياه، مطالباً بإعلان حالة طوارئ مائية بيئية.

فساد سياسي

من ناحيته، شدد رئيس الحركة البيئية في لبنان بول أبي راشد على أن الفساد السياسي هو المصدر الأساسي لكل المشكلات البيئية التي يعيشها لبنان، رافضاً اختصار الأسباب بتحويل ضفاف الأنهار إلى مكبّات للردم والنفايات، أو الصرف الصحي للمياه المبتذلة، إنما فشل الدولة في حماية البيئة.

ويستغرب على سبيل المثال التساهل وعدم توقف القوى الأمنية للمسببين بتلوث البيئة في لبنان عن أعمالهم الجرمية، إضافة إلى الخطط العشوائية التي تقوم بها الدولة، ومنها اقتراح تحويل "أبو ميزان" في المتن إلى مطمر للنفايات، في وقت يحتوي على هذا المكان على نهر يصب في البحر، بالتالي "سنشهد تلوثاً جديداً من الانجرافات للتربة والردميات والنفايات".

ويلفت إلى أن المشكلات البيئية التي تعانيها الأنهار في لبنان عمرها أكثر من 10 سنوات، إذ إن الأصوات المدافعة عن الثروات البيئية والأنهار بدأت قبل عام 2012، بعد أن تم تحويل مجرى نهر إبراهيم إلى مقالع كسارات، ما سبب بتلوث المياه، وهو الحال نفسه في الليطاني، إذ هناك معارك طاحنة في منطقة الريحان جراء تكاثر عدد المقالع فيها، في المقابل لا تتجاوب السلطات مع البيئيين والمتخصصين.

وعن مسألة السدود، يقول أبي راشد، "يتم تدشين السدود بطرق غير علمية، عبر تسكير جميع المنافذ المائية الحيوية للطبيعية، فضلاً عن تشويه المنفذين للطبيعة بتحويل الأراضي لكسارات، وهو ما يتسبب في تغيير جغرافي خطير، لأن إغلاق هذه المنافذ يتسبب بانقطاع الرواسب التي تؤمنها الأنهار للبحر، ما يؤدي مع مرور الوقت إلى اختفاء الشواطئ البحرية عن الخريطة اللبنانية".

ويؤكد أن كل هذه التعديات سببها الفساد السياسي، الذي أشعل حروباً متواصلة ضد الطبيعة، نسبة لغياب الدراسات البيئية والعلمية، وارتفاع نسبة الشجع لدى الطبقة السياسية التي تعمد على استغلال الثروات الطبيعية بالطرق كافة.

أزمة صامتة في "العاصي"

وبعيداً من الداخل، يواجه لبنان أزمات سياسية مع الأنهار التي تنبع من لبنان، وتصبّ خارجه، ولعل نهر العاصي الذي ينبع من جبال لبنان الشاهقة ويعبر البقاع الشمالي باتجاه الأراضي السورية، يعكس أزمة صامتة حالياً على توزيع مياهه بين لبنان وسوريا وتركيا، إضافة إلى حجم التلوث الكبير الذي أصابه منذ سنوات عدة أسوة بباقي الأنهار اللبنانية.

إلا أن هذه المرة تبدو أزمة التلوث أكثر خطورة، إذ يتصدر نهر العاصي المركز الأول لإنتاج سمك "الترويت" في لبنان بكميات تصل إلى 3 آلاف طن في السنة، ووجود نحو 150 متنزهاً تختلف أحجامها، ويختلف تأثيرها على النهر، بحيث يقوم مربو الأسماك وأصحاب المتنزهات والمطاعم والمقاهي بما في وسعهم لتحصيل الربح السريع، دونما أي مقاربة تأخذ بالاعتبار استدامة هذه الثروة اليتيمة في لبنان بعد تلوث كل أنهاره وموتها.

وقبل سنوات، قام فريق بيئي إيطالي متخصص بدراسات حول نوعية المياه ونسبة الأوكسجين فيها وحرارتها وجريان النهر ونظافته، وخلص إلى أنه من أنسب الأنهار في العالم لتربية سمك "الترويت"، إذ تبقى مياهه باردة حتى في عز الصيف، لكن الخبراء الإيطاليين حذروا الجميع ومن بينها بلديتا الهرمل والشواغير المعنيتان بالعاصي، من أنه "إذا استمر الوضع على ما هو عليه، ولم تتم حماية النهر، فلن تصمد هذه الثروة طويلاً".

ويعترف رئيس بلدية الشواغير التي تقع على كتف نهر العاصي، حسين الحاج حسن، بأن النهر في أسوأ حالاته، وأن هناك تعديات على حرم النهر، مشيراً إلى محاولات لإقناع أصحاب المسامك والمتنزهات بوضع آلية للتنظيم والترخيص، ولكنهم يتلكأون ويتذرعون بالأوضاع الاقتصادية.

ويرى أن تحوير مجرى النهر نحو المسامك ضرورة لمربي الأسماك، إذ لا يمكن أن تعيش الترويت في المياه الراكدة وغير المتجددة. ويقول إن البلدية غير قادرة على استيفاء الرسوم من المسامك والمرافق السياحية بسبب الأزمة الاقتصادية. ويوضح، "كنا نشرب من النهر حتى الحدود مع سوريا، وهذا كله انتهى بعد أن بات غالبية مربي الأسماك يغذونها من مصارين الدجاج الأمر الذي فاقم التلوث".

حرب مائية

أما جنوباً، فيخوض لبنان حرباً مائية مع إسرائيل في ظل غياب خطة واضحة من الجانب اللبناني لاستثمار مياهه. ويقول المدير العام لمؤسسة مياه الجنوب وسيم ضاهر، إن استثمار حق لبنان من مياه نهري الحاصباني والوزاني يحتاج إلى قاعدة متينة تستطيع أن تؤمن دعماً سياسياً من جميع الأفرقاء، في ظل غياب أي قانون يتعلق بهذين النهرين ينظم آلية وسبل استثمار مياههما وكمياتها.

ويستذكر كيف اندلعت حرب شعواء عام 2002 ضد قرار الحكومة اللبنانية بضخ أربعة ملايين متر مكعب سنوياً من نبع الوزاني المجاور للحدود الإسرائيلية والسورية، مطالباً بوضع خطة تبدأ بضخ 12 مليون متر مكعب في السنة، ثم 80 مليوناً في سنوات لاحقة، وربما أكثر.

كارثة بيئية تتهدد الأمن الغذائي في الجزيرة السورية

أما في سوريا فيعد نهر الفرات أكبر الأنهار العابرة في أراضيها، علاوةً على كونه من الأنهار الكبيرة في جنوب غربي آسيا، إذ ينبع من تركيا شمال شرقي الأناضول ويدخل سوريا عند مدينة جرابلس وينضم إليه نهر البليخ ونهر الخابور، ويخترق بعدها مدينة الرقة، ومن ثم مدينة دير الزور ويخرج من مدينة البو كمال الحدودية مع العراق ويخترق أراضيه حتى يصل إلى مصبه في شط العرب.


واقع الفرات اليوم ينذر بكارثة جفاف وشح تتسع عاماً بعد عام، لا سيما بعد أن توسعت أنقرة في بناء السدود على مجراه، حيث خفضت من الحصص المائية للبلدان التي يمر بها الفرات، إضافة إلى المشكلات البيئية التي تتلخص في جفاف وشح وانخفاض المنسوب، لأسباب تتعلق بالمناخ والاحتباس الحراري، وتراجعه، الأمر الذي ترك تأثيراً سلبياً في آلاف الهكتارات من الأراضي المروية، ونقصاً في مياه الشرب للسكان المحليين، وخروج محطات توليد الطاقة الكهربائية عن الخدمة.
في هذه الأثناء، تتشاطر كل من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والمعارضة، والنظام، الأراضي التي يخترقها النهر، ولعل النزاعات العسكرية والسياسية في ما بينها لكسب الأرض قد تحولت إلى حرب مياه، بالتالي أدت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية التي ألمت بالأهالي في أعقاب تدني منسوب النهر، حيث يعتمد ما يناهز 80 في المئة من سكان أطراف النهر بشقيه الغربي والشرقي على الزراعة كالحبوب والقطن والتي تعد غلات استراتيجية وذات مردود عالٍ واستراتيجي، في حين تدنت الإنتاجية بسبب ما أصاب النهر من نضوب وما رافق ذلك من معارك ضارية على جانبيه خلال السنوات الماضية.

تقليص الكمية
وتشير المعلومات الواردة إلى قطع الجانب التركي المياه وانخفاض المنسوب بعد تقليص الكمية إلى النصف. ولعل المعاناة بدأت تظهر منذ العام الماضي، بعد وصول 200 متر مربع بالساعة إلى سوريا، من أصل 500 متر مربع، بحسب ما هو متفق عليه، وانخفاض بحيرة الفرات بمعدل أربعة سنتيمترات في اليوم.
في غضون ذلك، تناشد المجتمعات الأهلية والمحلية المنظمات القانونية ذات الصلة لإيجاد طريقة للضغط على تركيا لفك حبس مياه نهر الفرات وتوزيعها بالتساوي على البلدان التي يمر بها النهر.
وتحدث الباحث بالقانون الدولي، المحامي عواس الخليل في مستهل كلامه عن "واقع النهر وما نتج عنه من معاناة إنسانية بعد قلة مياه الشرب"، داعياً "الأمم المتحدة إلى إلزام تركيا ببنود الاتفاقية الدولية بالأنهار العابرة والتي وقعت بين الحكومتين السورية والتركية في عام 1997 والتي تلزم أنقرة بضخ ما لا يقل عن 500 متر مكعب بالثانية، بينما الواقع أنه انخفض لما دون نصف الكمية المقررة".
من جانبه، أطلق "المرصد السوري لحقوق الإنسان" نداءات بوجود "كارثة بيئية تتهدد الأمن الغذائي في الجزيرة السورية، إضافة إلى كارثة إنسانية تحدق بنحو مليونين ونصف المليون من السكان المستفيدين من نهر الفرات في مناطق متفرقة بالرقة والحسكة ودير الزور وريف حلب".
كما دعت هيئة الزراعة في محافظة الرقة المزارعين إلى اللجوء لخطة زراعية جديدة تفضي إلى زراعة 25 في المئة من مساحات الأراضي بالذرة الصفراء.

كل ذلك رافقه تدهور غير مسبوق بالثروة الحيوانية، مع زيادة نسبة تلوث مياه النهر، التي باتت مرتفعة، ولعل هذه الأزمات مجتمعةً وانخفاض كميات المياه قد أخرجت مساحات واسعة من إنتاج القمح، وعزوف المزارعين عن الزراعة المروية وتقليص إنتاجهم لأسباب تتعلق بشح المياه.