Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وداعاً عوامات النيل في القاهرة بلياليها المقمرة وثرثراتها  

أعمال إزالتها انطلقت وروايات نجيب محفوظ شاهدة على عصرها الجميل 

مع بداية الأسبوع المقبل لن يكون نيل القاهرة كما كان من قبل، فسوف يفقد سكان العاصمة المصرية أحد أبرز ملامحه، عقب اكتمال خطة إزالة العوامات التاريخية التي ظلت راسية على ضفافه لأكثر من مئة عام، وكانت تمثل فضاء عمرانياً مميزاً تجلى في أعمال روائية وسينمائية كثيرة، مما دفع بالبعض إلى النظر إليها كـ"هوية معمارية" يجدر الاحتفاظ بها.

ومن داخل واحدة من هذه العوامات وجهت الروائية المصرية العالمية أهداف سويف نداء إلى أصحاب القرار، مطالبة بوقف أعمال الإزالة، مؤكدة أن "العوامة" التي تسكنها ستكون من بين العوامات المهددة، على الرغم من سلامة وضعها القانوني.

وقبل أيام نشر الباحث في شؤون عمارة القاهرة ميشيل حنا، ما يفيد بقيام أجهزة الدولة في مصر بإزالة ٣٢ عوامة، من بين أكثر من ٣٠٠ عوامة كانت تمثل جزءاً من هوية نهر النيل وتستقر حول شواطئ حي الكيت كات في منطقة إمبابة. ورأى حنا أن هذه العوامات جزء من تاريخ مصر المعماري، وعلامة على تنوعه وتميزه، فضلاً عن ارتباطها بتراث مصر الثقافي والفني.

ورصدت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي صوراً لأعمال الإزالة. وفي فيديو مصور بثته سويف على مواقع التواصل الاجتماعي قالت، "من المفترض انتهاء أعمال الإزالة في 4 يوليو (تموز)، ووصفت إجراءات الإزالة بأعمال التهجير القسري التي جرت بشكل مفاجئ". وقالت، "السكن في العوامة كان خياراً جمالياً وبيئياً لأجيال مختلفة من الفنانين والمثقفين".

وذكرت سويف أن أوضاع ملاك العوامات قانونية تماماً، ولديهم مستندات ملكية مسجلة، ومستندات تراخيص، ورفضت القبول بالآراء التي بررت قرارات الإزالة بـ"أنها جاءت بغرض الحفاظ على الشروط البيئية". وقالت سويف "يزعمون أن العوامات متهالكة، بينما يعلنون استعدادهم للتفاوض مع الملاك لتحويل بعضها إلى مطاعم وكافيهات، بعد الحصول على التراخيص اللازمة لذلك".

 واللافت أن قرارات سابقة تم اتخاذها في ستينيات القرن الماضي لإزالة العوامات، إلا أن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أوقفها بعد تلقي مناشدات من ملاكها.

وتردد وقتذاك أن رئيس حكومته زكريا محيي الدين نجح في عام 1966 في نقلها من منطقة الزمالك والعجوزة، إلى شاطئ الكيت كات. وأرجع البعض القرار لصالح زكريا، الذي كان يمارس رياضة التجديف في النيل، وشعر أن العوامات تشغل مسطحات كبيرة من مياه النيل، لذا لم يتردد في إصدار القرار الذي أغضب سكانها، فناشدوا جمال عبد الناصر للتدخل. ودافع محيي الدين عن قراره متذرعاً بصحة الصورة التي نقلها أدب نجيب محفوظ عما يحدث داخلها كفضاء للمجون.

ثلاثية محفوظ و"ثرثرة فوق النيل"

وتعرض "ثلاثية" نجيب محفوظ صوراً عن حياة صاخبة يعيشها البطل أحمد عبد الجواد مع الراقصات في العوامات. أما في رواية "ثرثرة فوق النيل" فتظهر العوامة كفضاء للتعبير السياسي الحر من قبل جماعة من متعاطي الحشيش يعبرون عن رفضهم مختلف أشكال القمع. ووصف محفوظ العوامة في روايته الشهيرة قائلاً، "استوت العوامة فوق مياه النيل الرصاصية، مألوفة الهيئة كوجه، بين فراغ إلى اليمين احتلته عوامة دهراً، قبل أن يجرفها التيار ذات يوم، ومصلى إلى اليسار مقام على لسان عريض من الشاطئ مطوق بسور من الطين الجاف ومفروش بحصيرة بالية".

وتشير مراجع حول السيرة الذاتية لصاحب "أولاد حارتنا" إلى أنه خبر الحياة في العوامات، إذ سكن عند زواجه في واحدة منها. غير أنه غادرها بعد أن تشاءمت زوجته منها، عقب سقوط طفلة من الجيران في النيل، وأصرت الزوجة على المغادرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن جهة أخرى أطلق نشطاء حملة تحت شعار "أنقذوا عوامات القاهرة" لكتابة تدوينات حول تراث العوامات، كشفت الكثير عن وقائع تاريخية وشخصيات ارتبطت ببعضها. فهناك عوامات امتلكها فنانون مثل بديعة مصابني ونجيب الريحاني ومنيرة المهدية... ونجوم آخرون مثل المطرب محمد عبد المطلب، والراقصة تحية كاريوكا وسمراء السينما سامية جمال. وعلم متابعو الحملة أن الشاعر حافظ إبراهيم سمي "شاعر النيل" لأنه ولد في إحداها.

وتضم حملة المدافعين عن "عوامات القاهرة" أسماء ثقافية واسعة التأثير، فذكرت المعمارية سهير زكي حواس الحاصلة على جائزة الدولة التقديرية في الفنون، أنها ولدت وعاشت في واحدة من هذه العوامات مع والدها المعماري الراحل زكي حواس.وتساءلت: لماذا تزال العوامات الآن؟ وبنبرة ساخرة  قالت، "أنا متفائلة لأن هذا القرار ربما هو تمهيد لأعمال إزالة جميع المخالفات والتعديات القائمة في كل مكان على النيل، من نوادٍ فئوية مبنية بارتفاعات تخطت كل القوانين وحجبت نهر النيل وصادرته، بدلاً من أن يكون مشهداً طبيعياً لكل الناس، أنعم الله به على المصريين كلهم. فإذا كان هذا هو الهدف فأسرعوا بإزالة كل جدار مبني على شاطئ النيل".

ووجه الرسام محمد عبلة دعوة إلى المصورين والتشكيليين لرصد أعمال الإزالة للحفاظ على ذاكرة معمارية خصبة حول الهوية العمرانية للقاهرة. وكتب تعليقات تحت عنوان "أنقذوا تراث القاهرة الحضاري". وأظهر على صفحته الشخصية العديد من أعماله التشكيلية التي رسمها للعوامات، هذه التي بدأت إزالتها بالفعل.

المزيد من ثقافة