Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تهاوي الدينار ينهك التونسيين والمؤشرات تزداد قتامة

محافظ البنك المركزي يتوقع 9.7 في المئة عجزاً بالموازنة ويحذر من تآكل احتياطات البلاد من النقد الأجنبي

يدرك التونسيون أن قيمة الدينار تشهد انحداراً كبيراً وبات الشأن المالي للبلاد شغلهم الشاغل (أ ف ب)

بات معظم التونسيين يلمسون جلياً خلال الأشهر الأخيرة تأثير تدني العملة الرئيسة (الدينار) أمام بقية العملات، بخاصة الدولار، من خلال الارتفاع الكبير لأسعار غالبية المواد، لا سيما المنتجات الاستهلاكية والأساسية. ويدرك التونسيون أن قيمة الدينار تشهد انحداراً كبيراً من خلال إنصاتهم المتواصل لمختلف التحاليل الاقتصادية ومتابعتهم للشأن المالي للبلاد، الذي أضحى شغلهم الشاغل.

ويشهد الدينار التونسي تراجعاً قياسياً أمام الدولار، الذي سجل في 19 مايو (أيار) الماضي 3 دنانير و128 مليماً، وهو أعلى مستوى له، إذ كان يساوي في الوقت ذاته من العام الماضي دينارين و761 مليماً. وانعكست هذه الوضعية على الحياة اليومية للتونسيين في مستوى التضخم.

ارتفاع فاتورة الواردات

المتخصص في الأسواق المالية، الاقتصادي معز حديدان أكد أن هذا الانخفاض في قيمة الدينار مقابل الدولار يفسر بالسياق الاقتصادي العالمي الذي اتسم بارتفاع العملة الأميركية أمام غالبية العملات في العالم، إذ يبيع المستثمرون اليورو لشراء العملة الخضراء باعتبارها الملاذ الآمن في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

وأوضح أن "هذه الزيادة في قيمة الدولار تأتي مدفوعة أيضاً بتغيير السياسة النقدية للبنك الاحتياطي الفيدرالي لمحاربة التضخم القياسي، إذ سينفذ البنك الأميركي زيادات متتالية في أسعار الفائدة، ما يشجع المستثمرين على تحويل اليورو إلى دولارات من أجل خفض قيمة الأول والعملات الأخرى في وقت لاحق".

وفي تعليقه على انحدار الدينار التونسي أمام الدولار، قال حديدان إن تونس شهدت في الأعوام العشرة الأخيرة هبوطاً للدينار، بخاصة بين سنوات 2015 و2018، إذ تراجع إلى أكثر من 30 في المئة. وفسر تهاوي قيمة الدينار بارتفاع فاتورة الواردات من الطاقة والحبوب، مؤكداً أن العجز في الطاقة ارتفع أكثر من 70 في المئة، كما صعد عجز الحبوب 1 مليار دينار (322 مليون دولار)، واصفاً هذا الرقم بالقياسي.

وعزا حديدان تراجع قيمة الدينار مقابل الدولار إلى أسباب خارجية أيضاً، تتمثل في توقعات بانخفاض النمو الاقتصادي في أوروبا على أثر الحرب الأوكرانية الروسية، إضافة إلى التوقعات برفع متسارع من الخزانة الأميركية في نسب الفائدة، ما جعل المضاربين ورجال الأعمال يبيعون اليورو لشراء الدولار.

قوة الدولار ستضاعف عجز الموازنة

كان محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي كشف الجمعة أن عجز الموازنة سيزيد إلى 9.7 في المئة هذا العام، بسبب قوة الدولار والزيادة الحادة في أسعار الحبوب. وأضاف في مؤتمر اقتصادي بمحافظة صفاقس (وسط) أن البلاد بحاجة إلى تمويل إضافي للموازنة يبلغ 5 مليارات دينار (1.6 مليار دولار) هذا العام بسبب آثار الحرب في أوكرانيا.

وقال العباسي إن من المتوقع أن يتسع عجز الحساب الجاري إلى نحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2022، مقابل 6.8 في المئة بحسب التوقعات الأولية، كما انخفض الدينار بنسبة 7 في المئة أمام الدولار.

يشار إلى أن آخر بيان لمجلس إدارة البنك المركزي التونسي اعتبر أن انتقال الضغوط التضخمية المتأتية من الخارج إلى الأسعار المحلية من جهة، وتداعيات التعديلات المنتظرة على الأسعار المؤطرة في إطار إصلاح منظومة الدعم من جهة أخرى، من شأنها الإبقاء على التضخم في مستويات عالية، سواء خلال 2022 أو 2023. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى مستوى القطاع الخارجي، سجل المجلس اتساع العجز الجاري الذي بلغ 2.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2022 مقابل 1.7 في المئة خلال 2021، وذلك جراء تدهور الحاصل التجاري. 

في جانب آخر، بلغ مستوى احتياطيات الصرف 23.6 مليار دينار (7.6 مليار دولار)، أي ما يعادل 124 يوماً من التوريد في 16 مايو (أيار) 2022، مقابل 23.3 مليار دينار (7.5 مليار دولار)، ما يعادل 133 يوماً من التوريد في نهاية 2021. 

وأعرب المجلس عن عميق انشغاله إزاء المخاطر التصاعدية التي تحيط بآفاق تطور التضخم، مؤكداً على أهمية تنسيق السياسات الاقتصادية لتجنب أي انزلاق تضخمي قد يزيد من مواطن الضعف ويعيق انتعاشة النشاط الاقتصادي. 

وخلص البنك المركزي إلى التشديد على أن التحكم في العملة من شأنه أن يسهم في تحسين القدرة التنافسية للمؤسسات التونسية بالأسواق الداخلية والخارجية. وأكد أن تراجع العملة المحلية ينذر بتآكل الاحتياطيات من النقد الأجنبي خلال أزمة مالية حادة تواجهها البلاد حالياً.

مسار سلبي وتداعيات وخيمة

انطلق المسار السلبي للدينار التونسي أمام الدولار منذ 2011، فبعد أن كان الأخير لا يتجاوز 1.33 دينار في يناير (كانون الثاني) 2010، زاد إلى 1.51 دينار في مارس (آذار) 2012، ثم إلى 1.66 دينار في ديسمبر (كانون الأول) 2013، وصولاً إلى 1.72 دينار في يوليو (تموز) 2014، ليأخذ منعرجاً لافتاً منذ عام 2015، وصولاً إلى السعر التاريخي وهو 3.02 دينار في أبريل (نيسان) 2019، و3.1 دينار في الوقت الراهن.

وتتعرض تونس لضغوط من جانب المانحين بهدف تعويم الدينار من أجل تصحيح الخلل في ميزان المدفوعات، ويتمثل ذلك في إخضاع سعر الصرف لآليات السوق، ومنها العرض والطلب. لكن ذلك يؤدي آلياً إلى تهاوي العملة المحلية، لأن الطلب على العملة الأجنبية يفوق العرض في سوق الصرف التونسية، في حين أن عرض الدينار يفوق الطلب، ما أدى إلى انخفاض سعر الصرف.

من جانبه، قال عز الدين سعيدان، المتخصص في الشأن البنكي والمحلل الاقتصادي إن الانخفاض الكبير الذي شهده الدينار التونسي مقابل الدولار له انعكاس خطير وتداعيات سلبية على الاقتصاد، باعتبار أن كل الموارد الموردة بالدولار سترتفع، ما يغذي التضخم المالي.

وأشار إلى أن تراجع الدينار التونسي مقابل الدولار من شأنه أن يسهم في زيادة المديونية في تونس، بالتالي السير بالبلاد إلى طريق المخاطر، بحسب تعبيره. وعن تحديده أهم عوامل انحدار الدينار التونسي أمام الدولار، أشار إلى وجود أسباب داخلية وخارجية أدت إلى ذلك، منها ارتفاع قيمة العملات خارجياً على غرار الدولار واليورو والجنيه الاسترليني، إضافة إلى صعود قيمة السلع وزيادة كلفة الديون الخارجية لتونس وتواصل الاضطرابات الاجتماعية والأمنية، ما أسفر عن رفع نسبة التضخم في البلاد.

وأوضح سعيدان أن العملة مرآة تعكس كل ما يحصل من أوضاع وأحداث في مجتمع ما، معتبراً أن ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار التونسي سيزيد في نسبة التضخم المالي، أو ما يعرف بـ"التضخم المستورد"، كما أنه سيضعف القدرة الشرائية للمواطن التونسي ويضر بالتوازنات الاقتصادية والمالية بصفة عامة ويسهم في زيادة قيمة الدين العمومي بالدينار. وحذر من أن تونس لديها 15 في المئة من الدين العمومي الداخلي بالدولار الأميركي، وعندما يقفز سعر الدولار، سترتفع بالضرورة قيمة الدين العمومي.