Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متى تستأنف العلاقات المصرية - التركية بصورة رسمية؟

من المرجح أن قرار إنجاز المصالحة اتُّخذ داخل حزب العدالة والتنمية والباقي مجرد تفاصيل تتعلق بالوقت والشكل والأدوات

ما زال الجانب التركي هو المبادر بإطلاق التصريحات وتسريب أنباء ما يجري في مسار العلاقات المصرية - التركية (أ ف ب)

أرسلت تركيا طلباً لمصر عبر القنوات الدبلوماسية بمسعاها إلى تعيين سفير جديد لها في القاهرة لشغل المنصب الدبلوماسي، الذي بقي شاغراً منذ ما يقرب من 9 سنوات، وقدمت تركيا قائمة من ثلاثة أسماء كان على رأسها صالح موتلو شان، ممثل تركيا السابق لدى منظمة التعاون الإسلامي في الفترة ما بين 2015-2020، ويأتي هذا التطور الذي دخل في حالة جدال ما بين نفي، وتأكيد تركي، وصمت مصري لافت، متزامناً مع قرب إجراء الجولة الثالثة من المفاوضات التي تجاوزت المرحلة الاستكشافية إلى مضمون القضايا المحددة من قبل الجانبين.

واقعياً، ومنذ مطلع العام الماضي طرأ تحول جزئي في العلاقة بين الطرفين، وجاء ذلك في الوقت الذي اتجهت فيه دول الإقليم إلى تخفيف التوترات، وعلى رأسها تركيا، لحسابات داخلية، وأقدمت أنقرة على سلسلة من الخطوات للتقارب مع مصر، من بينها زيادة قيمة الصادرات، لتبلغ عام 2021 نحو 4.5 مليارات دولار، بزيادة 44.2 في المئة، مقارنة بـ2020، في حين بلغت قيمة وارداتها من مصر 2.2 مليار دولار بزيادة 28.4 في المئة.

يشار إلى أنه في مايو (أيار) 2021 كان وفد تركي برئاسة مساعد وزير الخارجية، سادات أونال، قد زار القاهرة، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ سنوات، وتلخصت مهامه بإحداث خرق أول على صعيد الدفع باتجاه المصالحة، فيما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتزام تركيا التقرب تدريجياً من إسرائيل ومصر بعد فتحها صفحة جديدة مع دول الخليج، وأعلن استعداده لتسمية السفراء وفق جدول زمني محدد عن اتخاذ هذا القرار، وإن اعتبر أن هذا الأمر سيتم تدريجياً في إطار مخطط أشمل، وهو ما أكده وزير الخارجية التركي مولود تشاويش وبنفس المعنى تقريباً.

الجانب التركي

ما زال الجانب التركي هو المبادر بإطلاق التصريحات، وتسريب أنباء ما يجري في مسار العلاقات المصرية - التركية، وتنوعت هذه التصريحات من الرئيس أردوغان إلى وزير الخارجية إلى قيادات في حزب العدالة والتنمية، التي تصب في إطار الرغبة الفعلية والحقيقية في استعادة العلاقات مع مصر، وإن كان الجديد في هذه المرة التي أطلق فيها الرئيس التركي تصريحاته تجاه مصر ربطها بالجانب الإسرائيلي، وحرص تركيا على الانفتاح على البلدين معاً، ولم يتضمن الإشارة إلى دول أخرى، في إشارة إلى تركيزه على القاهرة وتل أبيب، وهو ما يعني أن هذا الملف ما زال يحظى بدعم واهتمام رئاسي تركي، وقد كرر وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أخيراً ما طرحه الرئيس أردوغان، وفي السياق نفسه.

إن تقدير أنقرة أن الانفتاح التركي - الإماراتي قد يكون مدخلاً لعلاقات جيدة مع مصر، نظراً إلى خصوصية العلاقات المصرية الإماراتية في مستواها العام على الرغم من بعض التباينات الأخرى في بعض المواقف، كما أن العلاقات المصرية الإسرائيلية الجيدة تسمح بالاتجاه لبناء شراكة تركية حقيقية مع البلدين مصر وإسرائيل وفي سياق متصل.

سعي الجانب التركي لإقرار آلية العلاقات المقبلة مع مصر، فالرئيس أردوغان تحدث عن مرحلة تدريجية، وليست فورية، وتسمية السفراء والانتقال بالعلاقات إلى مستوى آخر، وهو ما يمكن أن يكون مطروحاً في الفترة المقبلة، بالتالي فإن انتقال العلاقات لمرحلة أخرى، سيفترض تصفية أزمة العلاقات في ملفاتها المتعددة التي يجري التفاوض بشأنها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتحرك الجانب التركي في الوقت الراهن تجاه مصر انطلاقاً من رؤية أكثر واقعية، بمعنى الاعتماد على التوصل لحلول في ملفات محددة، وترك بعض الملفات الأخرى، وهو نموذج يتبعه الجانب التركي في التعامل مع الجانب الإسرائيلي والأميركي، وهو ما يسمح للجانبين المصري والتركي بالتوصل لحلول لبعض الأزمات، وترك بعض الأزمات الأخرى، وهو ما سيكون مدخلاً لعلاقات أخرى في ملفات أخرى، وهي مقاربة تركية معروفة، سبق وأن جرى العمل بها مع الجانب الأميركي عقب أزمة الحصول على منظومة "s400".

لا يطرح الجانب التركي أية وساطة من قبل أي طرف في الوقت الراهن في إشارة إلى أن أنقرة لا تريد وساطة إماراتية مع مصر أو إسرائيل، نظراً لأن الجانبين مضيا في طريق التفاوض المباشر، وتجاوزا دور أي وسيط، وهو ما برز في الجولتين الأخيرتين في التفاوض بين مصر وتركيا، ويؤكد أن أنقرة لم تسعَ حقيقةً لدور خارجي، لا مع مصر أو إسرائيل.

إن التعامل مع مصر ربما يكون أعقد وأشمل، كما ترى تركيا، بخاصة أنه لا توجد أية مفاوضات تركية مع إسرائيل، ولم تُجرَ أية اتصالات تركية - إسرائيلية أخيراً، إلا في المجال العسكري، ولم تمتد إلى لقاءات سياسية، كما أن تركيا لا تريد مناكفة الحكومة الإسرائيلية الحالية في ملف غزة، وتسعى لتخفيف الضغوط عن الحكومة الإسرائيلية بعد أن ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لحال سبيله كما ترى تركيا.

ستظل تركيا تعمل على مسار مصلحي وتحقيق التهدئة مع مصر وإسرائيل سيؤدي لنتائج إيجابية لحدود الدور التركي في شرق المتوسط، كما أنه سيؤدي إلى التجاوب المصري المباشر في إلحاق تركيا في مفاوضات شرق المتوسط والمتعلقة بمنظمة غاز المتوسط، وهو الأمر الذي يسعى إليه الرئيس أردوغان منذ بدء التفاوض مع مصر، خصوصاً أن هذا الأمر سيكون مدخلاً لمفاوضات حقيقية ممكنة، كما أنه سيؤدي إلى التهدئة مع اليونان وقبرص، ويوقف الاستكشافات التركية الراهنة في محيط إقليم شرق المتوسط.

تتجاوب تركيا تدريجياً مع الطرح المصري في ملف جماعة الإخوان الإرهابية، ووقف المنصات المعادية، لكن هذا الملف مُتخم بتفاصيل عديدة أخرى بالحاصلين على الجنسية التركية والساعين للحصول عليها، ومن الذين يعملون رسمياً في مواقع متعددة في تركيا، وهؤلاء لن يستطيعوا الخروج من تركيا أو ترحيلهم، وقد تجاوبت تركيا فأوقفت بعض الإعلاميين.

موقف محدد

التزمت القاهرة الصمت، ولم تعقب على تصريحات الرئيس التركي، وهو نهج مُتّبع ومُكرّر من قبل مصر منذ بدء المفاوضات المصرية - التركية، وظل وزير الخارجية المصري، سامح شكري، وحده الذي يطلق تصريحاته وفي توقيتات محددة، التي كان بعضها في إطار الثناء على ما يجري، واعتبره مدخلاً جيداً في استمرار الحوار.

يُشار إلى أنه في عامي 2016 و2020، تنامى حجم الصادرات المصرية إلى تركيا بمعدل سنوي بلغ 7 في المئة، مقارنةً مع الواردات التركية إلى مصر التي ارتفعت بمعدل 2 في المئة، وشكل ذلك حافزاً للنظام المصري كي يحافظ على اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا.

ويستند موقف مصر على جملة من الاعتبارات بأن النموذج الذي جرى مع قطر، على سبيل المثال، لا يصلح أن يُعمل مع تركيا، لتشابك الموقف التركي إقليمياً وثنائياً، وهو ما برز في استمرار الخلاف بشأن ليبيا أصلاً، وعدم تنفيذ تركيا أي طرح بشأن إخراج المرتزقة من ليبيا، بل وتعمّد الجانب التركي على تنحية الموقف المصري والأوروبي بهذا الأمر على اعتبار أن إخراج المرتزقة لا ينطبق على الجانب التركي الذي يربطه اتفاق رسمي مع الحكومة التركية (حكومة السراج).

رؤية مباشرة

ترى القاهرة أن تسمية السفير المصري في تركيا، والعكس، ستحتاج إلى مقاربة سياسية حقيقية للتوصل إلى حلول بشأن مجمل القضايا الأخرى، ومنها ما يجري من سلوك تركي في ملف شرق المتوسط، حيث تنظر القاهرة إلى حلفائها في شرق المتوسط، وعلى رأسها قبرص واليونان، ولا يمكن للقاهرة أن تضحي بالطرفين في مقابل التعامل مع تركيا، ولهذا تتحرك القاهرة في مساحة حذرة هائلة، ومن دون تعجُّل. كما أنها نقلت رسائل حقيقية للتطمينات للطرفين في حال التوصل إلى اتفاق مع تركيا، ولو بصورة مبدئية، ولعل الجانب التركي يفهم طبيعة التحرك المصري، ومسعاه لتخفيف أية تداعيات ممكنة، أو محتملة، حال استئناف الاتصالات رسمياً بين القاهرة وأنقرة.

وتتفهم القاهرة أن علاقاتها مع تركيا لن تكون على حساب أي طرف، بالتالي فإن علاقات مصر مع إسرائيل تسمح بمزيد من التحرك السياسي والاستراتيجي في مجالات متعددة، وتجاه الجميع، الأمر الذي قد يمثل هاجساً كبيراً لدى تركيا، وهو ما قد يكون في تقدير الرئيس التركي حينما أبدى استعداد بلاده لتحسين علاقاته مع القاهرة وتل أبيب، فهو يدرك أن التعاون المصري - الإسرائيلي الراهن، وتنمية وتطوير العلاقات، سيكون مدخلاً لمجالات تعاون في إقليم شرق المتوسط، الأمر الذي يمثل خطراً على الجانب التركي في إقليم شرق المتوسط، وهو ما قد يكون له تبعاته.

ولهذا، إذا تحسّنت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتركيا وإسرائيل، فإن هذا التحالف الثلاثي قد يغير من المعطيات الراهنة في الإقليم، وقد يؤدي إلى تبدُّل أجندة التعاملات الراهنة بما قد يؤثر على مسارات التحرك التركي، ليس في ليبيا، أو في إقليم شرق المتوسط، بل في الخليج العربي، وفي اتجاه باقي دول الاتحاد الأوروبي، وقد يمثل ذلك إزعاجاً حقيقياً للجانب الأميركي، بخاصة أن مساحات التباين، ولو شكلياً، بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس في الملف الإيراني، بل وفي ملفات ثنائية أخرى، قد تتسع.

تحرك إسرائيلي

تسعى إسرائيل لتأكيد شراكتها مع الدول الرئيسة في الإقليم، ومنها مصر وتركيا، والرسالة أن كل طرف له حساباته، كما أن القاهرة تريد أن تنقل رسالة بأنها الدولة التي تملك أوراقاً حقيقية وضاغطة، ويمكنها أن تعيد ترتيب حساباتها السياسية والاستراتيجية في مواجهة السياسة الأميركية التي لا تعطي وزناً حقيقياً لما يمكن أن تلعبه القاهرة في قضايا الإقليم، وليس فقط في ملف غزة، وهو ما قد يغير من وقائع ما يجري من حسابات حقيقية وتوازنات ممكنة يمكن أن تقوم بها مصر، وهذا ما يدركه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عندما يعلن أن بلاده تسعى لتطبيع العلاقات مع القاهرة وتل أبيب، بخاصة أن الرجل تجاوز انتقاده للسياسات المصرية والإسرائيلية، ولم يعد يطلق تصريحات قد تُفهم خطأً، كما أنه ترك القنوات الأمنية لتعمل في هدوء لتتواصل مع الجانب الدبلوماسي، وفي تقديره أن العمل معاً قد يؤدي لنتائج مهمة ومباشرة بصرف النظر عن أية مواقف من مصر أو من إسرائيل، ولعل هذا قد يدفع في اتجاهات إيجابية حقيقية للتحول نحو آليات استئناف الاتصالات الدبلوماسية رسمياً، ومن دون الدخول في تفاصيل يسعي الجانب التركي لعدم الخوض في تفاصيلها، مكتفياً بإطلاق تصريح مقتضب مقابل استمرار القاهرة في نهجها التفاوضي.

الخلاصات الأخيرة

إن تمكُّن مصر من قيادة وتوجيه السياسة العربية لمواجهة التدخلات الخارجية، أسهم في تعزيز الضغوط على تركيا لتحويل مسارات سياساتها التصعيدية من جانب، ومن جانب آخر إعلان رغبتها لفتح قنوات اتصال مع الدول العربية لتوفيق وجهات النظر، وإن كان ذلك سيكون وفقاً لقاعدة إجراءات بناء الثقة.

ومن المرجح أن القرار بإنجاز المصالحة قد اتُّخذ داخل حزب العدالة والتنمية بضرورة تطوير العلاقات مع الإمارات ومصر والسعودية، والباقي مجرد تفاصيل تتعلق بالوقت والشكل والأدوات. ومن الواضح أن أنقرة تعود إلى محيطها العربي عبر تغييرات كبيرة في سياستها الخارجية وانتهاج سياسة تقليل الأزمات من مصر والسعودية والإمارات.

المزيد من تحلیل