Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأوهام الأميركية في أوكرانيا

الصفقة السيئة أسوأ من عدم إبرام أية صفقة على الإطلاق

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع هاوتزر، قرب كوستيانتينيفكا، أوكرانيا، نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 (رويترز)

ملخص

ترمب يطارد وهماً دبلوماسياً يقوم على إمكانية إقناع بوتين بسلامٍ لا يريده، فيما تكشف معايير "السلام الروسي" أنها ليست سوى وصفة لاستسلام أوكرانيا وتقويض الاستراتيجية الأميركية. وبينما تتجه الحرب إلى استنزاف طويل يخسر فيه الطرفان، فإن أي تسوية متعجلة تمنح موسكو مكاسب استراتيجية مجانية وتشجع عدوانها بدلاً من ردعه.

في أغسطس (آب)، خاب أمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما لم يسفر اجتماعه في ألاسكا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أي تقدم في إنهاء حرب أوكرانيا. وأقر ترمب آنذاك "لم نصل إلى النتيجة المرجوة". ولم يُبدِ بوتين اهتماماً يذكر بالتنازل عن مطالبه القصوى، مما جعل التوصل إلى اتفاق سلام يبدو أمراً بعيد المنال. لكن فشل مغامرة ألاسكا، المتوقع تماماً، لم يثنِ ترمب على ما يبدو عن المحاولة مجدداً. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أدت خطة سلام تتألف من 28 نقطة، أعدها مسؤولون روس وأميركيون معاً، بحسب التقارير الإعلامية، إلى حال استياء في كييف وبين حلفاء أوكرانيا الأوروبيين لأنها كانت تنحاز بوضوح إلى المواقف الروسية حول الأراضي ومستقبل أوكرانيا. وخلال مفاوضات شاقة مع الولايات المتحدة، نجح الأوكرانيون في دحض كثير من هذه المواقف المائلة لمصلحة روسيا، وتوصلوا إلى خطة جديدة لم يوافق عليها بوتين بعد.

وسط هذا المشهد المتخم بالمقترحات والمفاوضات، لا يزال ترمب ماضياً خلف وهم سياسي. فالرئيس الأميركي يبدو غير مستعد للإقرار بأن نظيره الروسي لن ينهي الحرب ما لم يضمن استسلام أوكرانيا الكامل. ويواصل ترمب الاعتقاد بأن بوتين، إذا منح حوافز كافية أو وجهت له تهديدات بعقوبات جديدة، فقد يتخلى عن أهدافه بعيدة المدى مقابل تسوية معقولة تبقي على أوكرانيا منقوصة المساحة، لكنها محتفظة باستقلالها الأساسي وقادرة على الدفاع عن نفسها في وجه التعديات الروسية.

وبسبب استعجاله للحصول على نتائج ملموسة، أخفق ترمب حتى الآن في بناء عملية منهجية واحترافية تفضي إلى هذه النتائج. فاتسم نهجه في صناعة السلام بقدر غير معقول من الارتجال، وباستبعاد الخبرات الإقليمية، وما ترتب على ذلك من سطحية وانجراف نحو التصورات الوهمية. ولم تكُن الخطة المؤلفة من 28 نقطة استثناء، إذ أعدت من دون تشاور مع الحلفاء الأوروبيين، وسلمت على عجل إلى الأوكرانيين المرهقين، وكانت مليئة بالتناقضات والأخطاء الصريحة، مما اضطر المسؤولين إلى التراجع عنها بسرعة، وقوض صدقية الجهد بأكمله. وتسريب نصوص محادثات لمستشار ترمب، ستيف ويتكوف، وهو يوجه الروس حول كيفية مخاطبة الرئيس الأميركي، يسلط الضوء على مستوى مذهل من سوء التقدير لدى كبار المسؤولين المكلفين رعاية المصالح الوطنية الأميركية.

وعلى رغم أن ترمب يريد السلام بصدق، فإنه لم يفهم بعد كيف يتلاءم هذا السلام مع الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة. فمن خلال سعيه إلى إحلال السلام مهما كان الثمن، بما في ذلك تقديم تنازلات كبيرة لروسيا، تخاطر الولايات المتحدة بتقوية خصم لها والسماح لبوتين بانتزاع النصر من بين فكي هزيمة استراتيجية مؤكدة.

عندما يتكبد الجانبان الخسائر

من الواضح لأي متابع قريب لهذا الصراع أن روسيا، بعد نحو أربعة أعوام على اندلاعه، باتت في وضع أسوأ بكثير مما كانت عليه في فبراير (شباط) 2022. فاقتصادها، على رغم ما أبداه من قدرة على الصمود، يمر اليوم بأزمة خانقة، إذ تدفع معدلات التضخم الجامح ومعدل سعر الفائدة البالغ 16.5 في المئة البلاد نحو ركود حتمي. وتعاني روسيا أيضاً نقصاً ملموساً في اليد العاملة، ولا سيما الكفاءات العالية، فضلاً عن عجز كبير في القوى البشرية اللازمة لآلة الحرب الروسية (وهو أمر غير مستغرب قياساً إلى الخسائر البشرية الهائلة التي قد تتجاوز المليون رجل). ويزيد انخفاض أسعار النفط من صعوبة سد العجز في موازنة الكرملين، مما يفرض خفضاً في الإنفاق على القطاعات غير المرتبطة مباشرة بالحرب مثل الصحة والتعليم. وفي خضم هذه الضغوط، أصبحت روسيا تعتمد أكثر فأكثر على الصين، سواء كمصدر للتقنيات الأساسية أو كسوق لصادراتها من النفط والغاز، مما يعرضها بدرجة كبيرة لتقلبات المزاج السياسي في بكين.

باختصار، جعلت هذه الحرب روسيا أفقر، وعجلت تراجعها كقوة كبرى محتملة. وعلى رغم أن مسارها نحو فقدان مكانتها بات جلياً، فإن سلوكها العدواني تجاه جيرانها (الذي يعد في بعض جوانبه دليلاً لا لبس فيه على يأس الكرملين) انتهى إلى خدمة مصالح الغرب. فخطاب بوتين المتعجرف وغير الواقعي، بما في ذلك ادعاؤه الاستعداد لخوض حرب مع أوروبا "على الفور"، أسهم في توجيه الأوروبيين نحو ضرورة وضع خطة طويلة الأمد لاحتواء روسيا. ومنذ عام 2022، توسع "الناتو" بسرعة وسلاسة، مع انضمام فنلندا والسويد وتعزيز الجناح الشمالي للحلف. وفي الوقت نفسه، أدت المخاوف من احتمال امتداد الحرب في أوكرانيا إلى شرق أوروبا - وهي مخاوف غذتها استفزازات موسكو الطائشة ونزعتها إلى الحرب الهجينة -إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعميق التعاون العسكري داخل الاتحاد الأوروبي. وكل ذلك يمثل تطورات شديدة السوء بالنسبة إلى روسيا التي لا تملك ببساطة القدرة على تحمل مواجهة طويلة الأمد مع أقوى تحالف في العالم.

ولا شك في أن أوكرانيا تواجه بدورها صعوبات هائلة. وتشمل هذه التحديات إيجاد ما يكفي من الرجال للقتال وتأمين التمويل الضروري للعمليات العسكرية. ويبرز داخل البلاد أيضاً استياء متنامٍ من أسلوب حكم الرئيس فولوديمير زيلينسكي، ومن مزاعم الفساد التي تطاول بعض معاونيه مثل أندريه يرماك، مدير مكتبه السابق. وعلى رغم أن القوات الروسية حققت بعض المكاسب الميدانية، فإنها ليست من النوع الذي يبرر حال التفاؤل التي يسعى بوتين إلى تسويقها بإلحاح. والحقيقة أن كلا البلدين يخسران هذه الحرب، والسؤال هو أيهما سيصل إلى نقطة الانهيار أولاً. فلا يوجد ما يشير إلى أن روسيا التي لا تزال عالقة في دونباس بعد أربعة أعوام، ستتمكن فجأة من تحقيق اختراقات ميدانية تفضي إلى استسلام كييف فوراً، بل إن مجمل المؤشرات تُنبئ بحرب استنزاف طويلة لا يمتلك أيّ من الطرفين القدرة على حسمها.

معايير السلام

لقد ادعى بوتين مراراً أن روسيا تريد السلام في أوكرانيا، غير أن كارل فون كلاوزفيتز عبّر عن هذه المفارقة في عبارته الشهيرة، إذ رأى أن المعتدي يكون "محباً للسلام دائماً" لأنه يفضل الغزو من دون مقاومة. وفي السياق نفسه، تحدث جوزيف ستالين عن أهمية رفع "راية السلام" كوسيلة لحشد الرأي العام العالمي لمصلحة القضية السوفياتية التي كانت تعني في حالته غالباً استمرار الحرب. ويندرج بوتين بوضوح ضمن هذا التقليد. لكن خطاباته المحبة للسلام التي تشترط بطبيعة الحال ضرورة استسلام أوكرانيا لمطالب روسيا، تؤثر في طريقة نظر كثرٍ في الغرب إلى الحرب في أوكرانيا. ومن المغري بديهياً الاعتقاد، كما يعتقد ترمب، بأن السلام قد يكون قاب قوسين أو أدنى إذا منح المسؤولون الغربيون الروس فرصة وقدموا لهم شيئاً ما.

ومع ذلك، فإن معايير السلام الروسي كانت واضحة منذ وقت طويل قبل أن تربك خطة الـ 28 نقطة عواصم الغرب في نوفمبر  الماضي. فمسودة الاتفاق المنبثقة من المحادثات الروسية- الأوكرانية في بيلاروس وإسطنبول في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) عام 2022، وتصريحات الكرملين اللاحقة (بما في ذلك المطالب التي قدمها الروس إلى أوكرانيا في النسخة الأحدث من محادثات إسطنبول في مايو (أيار) ويونيو (حزيران) الماضيين، تظهر منذ فترة طويلة ما الذي سيقبله الروس وما الذي سيرفضونه. في الواقع، تشمل شروط بوتين حياد أوكرانيا الدائم الذي من شأنه أن يحول دون انضمامها المحتمل إلى حلف شمال الأطلسي أو وجود قوات أجنبية على أراضيها؛ وقيوداً صارمة على الجيش الأوكراني، بما في ذلك تحديد أعداد القوات وأنواع الأسلحة التي يسمح لكييف بامتلاكها، فضلاً عن ضمانات أمنية ضعيفة تستطيع روسيا تعطيلها أو استخدام حق النقض ضدها إذا قررت غزو أوكرانيا مجدداً.

ولدى بوتين أهداف أكثر طموحاً. فهو يريد من أوكرانيا والدول الغربية قبول سيطرة روسيا على دونباس وخيرسون وزابوريجيا على رغم أن أجزاء كبيرة من هذه الأراضي لا تزال في قبضة الأوكرانيين، وقبول ضمه لشبه جزيرة القرم. ويطالب كذلك بانسحاب أوكرانيا من كامل إقليم دونيتسك الذي حاولت روسيا السيطرة عليه وفشلت. كذلك يريد رفع العقوبات المفروضة على روسيا، وأن تتخلى الدول عن أية محاولة لمحاسبة الكرملين، أو محاسبته هو شخصياً، على هذه الحرب. وعلاوة على ذلك، يريد من أوكرانيا تغيير قوانينها المتعلقة باللغة والذاكرة التاريخية بما يتوافق مع الرؤية الروسية لهوية أوكرانيا الوطنية والتاريخية.

 

وأخيراً، يريد بوتين إزاحة زيلينسكي من السلطة. وهو يبرر هذا المطلب - في مفارقة لافتة بالنسبة إلى مستبد يفتقر إلى الشرعية - بالإشارة إلى أن ولاية زيلينسكي انتهت (إذ امتنعت كييف في زمن الحرب عن إجراء الانتخابات الرئاسية التي آن أوانها). أما السبب الحقيقي، فهو بلا شك استياء بوتين من تحدي زيلينسكي لتنمره. ويريد رحيل الرئيس الأوكراني لإيصال رسالة ردعية إلى أي طامحين محتملين لمعارضته في جوار روسيا المباشر.

ومع ذلك، لا يخلو كل ما ورد في الخطة الأولية ذات الـ28 نقطة من نقاط تستحق النظر. فمثلاً، لا جدوى من التمسك بفكرة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وهي فكرة بات تحقيقها مستحيلاً. فخلال نحو أربعة أعوام من الحرب، لم تظهر الولايات المتحدة ولا أي من حلفائها الأوروبيين استعداداً لخوض حرب مع روسيا دفاعاً عن أوكرانيا. ولذلك ينبغي التخلي عن وهم انضمام كييف إلى "الناتو". ويمكن لأوكرانيا وحلفائها النظر في تلبية مطالب روسية أخرى مثل حماية حقوق الناطقين بالروسية في أوكرانيا، أو حتى السماح بعودة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي حظرتها كييف عام 2024.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن حتى لو كانت أوكرانيا مستعدة لمثل هذه التنازلات، فلن تقدم روسيا مقابلها شيئاً يذكر. فأية تسوية سلمية مبكرة تضعف فرص بقاء أوكرانيا دولة ذات سيادة، وتتيح لروسيا الإفلات من تبعات عدوانها الإقليمي، ستتناقض جذرياً مع المصالح الغربية - فضلاً عن مصالح أوكرانيا نفسها. ولهذا أثارت خطة ترمب ذات الـ28 نقطة ردود فعل غاضبة في العواصم الأوروبية وفي كييف على حد سواء، إذ إنها تبنت معظم مطالب الكرملين كنقطة انطلاق للمفاوضات، وطرحت سلاماً "مزعوماً" قد يكون في الواقع أسوأ بكثير على أوكرانيا والغرب من استمرار الحرب. فالحروب الدامية المرهقة مكلفة بشرياً ومادياً، لكن إذا كان البديل هو سلام يقوم على استسلام أوكرانيا لروسيا بوتين، فإن مثل هذا السلام يمكنه الانتظار.

مكاسب قليلة وخسائر فادحة

من ناحية المبدأ، يبدو أن ترمب يسعى إلى غاية مفهومة: فالسعي إلى إنهاء حرب حصدت مئات آلاف الأرواح هدف منطقي ومعقول. وأسفرت اتصالاته مع موسكو بالفعل عن بعض النتائج المهمة؛ فمثلاً خفف الكرملين من خطابه النووي التصعيدي. لكن في المقابل، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تظهر تلهفاً مبالغاً فيه للسلام، فذلك يمثل دوماً استراتيجية تفاوضية ضعيفة. فالإفراط في التلهف يكشف عادة عن موقع ضعف، بينما تقف الولايات المتحدة هنا في موقع قوة واضح، إذ تدعم قضية عادلة لبلد أصبح حليفاً فعلياً لها، بلد تستطيع واشنطن تحمل كلفة دعمه بلا سقف زمني. كما أن دعم المجهود الحربي الأوكراني يكلف الولايات المتحدة أقل بكثير مما كلفته حروبها الأخيرة في الشرق الأوسط.

والأهم من ذلك، وعلى رغم رغبة أوكرانيا في إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، فإنها ليست في موقع يائس يدفعها إلى الاستسلام للمعتدي. فأحد استطلاعات الرأي العام الأوكراني، على سبيل المثال التي أجراها معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع هذا الخريف، يكشف عن معارضة كاسحة لأي تنازل طوعي لروسيا في شأن أراضٍ لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية، ويظهر أيضاً أن غالبية واضحة من الأوكرانيين ترفض التخلي عن أية أراضٍ على الإطلاق.

ويسود داخل أوكرانيا إجماع راسخ على أن الحرب معركة بقاء وطنية. وما دام أن هذا الإجماع ظل قائماً، فلا تملك الولايات المتحدة سبباً مشروعاً لإجبار كييف على تقديم تنازلات واسعة للكرملين. ولو كانت هذه التنازلات تخدم المصالح الوطنية الأميركية، لكان الأمر مختلفاً. لكن الولايات المتحدة لا تجني شيئاً من استسلام أوكرانيا لروسيا – بل على العكس تماماً. فمن غير المقبول لواشنطن أن تسمح لدولة عدوانية تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، بأن تحقق نصراً في حرب أوروبية كبرى. ومن ثم، فإن خدمة المصالح الوطنية الأميركية تقتضي استمرار تقديم الاستخبارات والمعدات العسكرية لأوكرانيا، خصوصاً في ظل استعداد الحلفاء الأوروبيين لتمويل شراء الأسلحة الأميركية. ومن بين فوائد أخرى، من شأن هذا الالتزام أن يدفع موسكو إلى الاقتناع بأن هذه الحرب غير قابلة للربح، مما قد يفتح الباب أمام رغبة حقيقية في السلام واستعداد لتقديم التنازلات الضرورية.

إدراكات متأخرة

لا تكون الصفقات مجدية إلا إذا خدمت هدفاً واضحاً ومحكماً. لذلك، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إلى سلام تعود مكاسبه على خصومها على حساب حلفائها - وعلى حسابها هي ذاتها، إذ لن تكسب واشنطن شيئاً من منح موسكو طوق نجاة عبر محادثات سلام برعاية أميركية ترغم أوكرانيا على استسلام فعلي وتلبي المطالب الجوهرية لبوتين.

وللتقريب، فإن التراجع أمام روسيا الآن يشبه، إلى حد كبير، لو أن الرئيس رونالد ريغان أجبر المعارضة الأفغانية عام 1983 على قبول المطالب السوفياتية. ما الهدف من ذلك؟ وكيف كان سيعود بالنفع على الولايات المتحدة؟ لم تكُن لدى ريغان أية نية لمثل هذا التنازل، بل واصل دعمه للمقاومة الأفغانية إلى أن اضطر السوفيات في نهاية المطاف إلى إعادة النظر في أهدافهم في أفغانستان. وفي الواقع، أدرك القادة السوفيات تقريباً منذ البداية أن غزوهم لأفغانستان كان خطأ - تماماً كما يدرك كثر في القيادة الروسية اليوم بلا شك حماقة غزو أوكرانيا. لكن الغطرسة والجمود أبقيا الاتحاد السوفياتي غارقاً في حرب لا يمكن كسبها لأعوام إضافية. وفي النهاية، وصف الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف أفغانستان بأنها "جرح نازف"، وقرر الانسحاب عام 1989 - وهو قرار ينظر إليه اليوم على أنه محطة مركزية في مسار التراجع السوفياتي الذي قاد في نهاية المطاف إلى انهيار الإمبراطورية السوفياتية. وما كان لذلك أن يحدث لو أن ريغان - على رغم رغبته العامة في السلام - سهل صفقة تبقي السوفيات راسخين في كابول.

على ترمب أن يدرك أنه على رغم فظائع الحرب، لا ينبغي أن يتسرع في فرض صفقة سيئة. فالأوروبيون، بوضوح، متحمسون للقيام بدور أكبر في هذا الصراع. وإذا واصلت أوروبا تمويل مشتريات الأسلحة الأميركية لأوكرانيا - مما ينبغي أن تفعله من منطلق تقاسم الأعباء، وهي بالفعل مستعدة للقيام به - فلا يزال هناك متسع من الوقت للتوصل إلى صفقة أفضل. ولا يتطلب الأمر كثيراً من الولايات المتحدة كي تتحلى بالصبر وتبقى إلى جانب الأوكرانيين وداعميهم الأوروبيين. وإذا تمكن ترمب من إقناع الرأي العام الأميركي بأن أوروبا هي التي تتحمل الجزء الأكبر من كلفة هذه الحرب، وليس الولايات المتحدة، فلن يجد نفسه تحت ضغط غير ضروري يدفعه إلى تسليم أوكرانيا لروسيا.

أفضل ما يمكن أن يحدث لروسيا هو أن تكتشف حدود طموحاتها الإمبريالية بالطريقة الصعبة، من خلال الانغماس والتورط في أوكرانيا. في المقابل، فإن الفوز في الحرب (مما يأمل بوتين في تحقيقه بوضوح، سواء في ساحة المعركة أو من خلال مفاوضات السلام) لن يؤدي إلا إلى تأجيج غطرسة بوتين وتشجيعه على مزيد من العدوان. على روسيا أن تواجه عواقب سياساتها الخاطئة، لا أن تكافأ على توسعها الإقليمي. وينبغي أن تدرك أن هناك طرقاً أفضل لبلوغ العظمة من غزو الدول المجاورة. وحرصاً على السلام، يجب ألا يضع ترمب عقبات جديدة أمام هذا الإدراك المتأخر.

 

مترجم عن فورين أفيرز 4 ديسمبر (كانون الأول) 2025

سيرغي رادشينكو هو أستاذ ويلسون إي. شميدت المتميز في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في أوروبا.

المزيد من آراء