Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يهادن المثقفون العرب ولا يسعون إلى المواجهة؟

غالبا ما يجدون لأنفسهم مساحة آمنة ويتقاعسون في الرد على أسئلة مجتمعاتهم

لعبة التوازن كما يرسمها صلاح المر (صفحة الرسام على فيسبوك)

اختار يحيى بن الوليد في كتابه الجديد الصادر عن دار الفاصلة في طنجة، الحائز جائزة المغرب للكتاب في دورتها الأخيرة، أن يكون العنوان جملة استفهامية، "أين هم المثقفون العرب؟". وهي جملة تحمل من الدلالات ما يفتح على كثير من التأويل. السؤال هنا، وإن جاء في صيغة الاستفهام، فهو يروم المحاكمة. إنه سؤال عن مسؤولية المثقف العربي في ما يقع من تحولات في حياتنا الراهنة. ولعل العتبة التي اختارها يحيى بن الوليد للمفكر المغربي عبدلله العروي تضيء مضمون سؤال الكاتب، وتكشف مقصدية الكتاب. يقول العروي، "التهرب من الأسئلة الجوهرية قد يشجع على استبدالها بأخرى تافهة، وأحياناً تغليطية".

العروي: التهرب من الأسئلة الجوهرية قد يشجع على استبدالها بأخرى تافهة، وأحياناً تغليطية

من الصفحات الأولى في كتابه، يدعو بن الوليد المثقف العربي إلى مراجعة دوره، وينتقد ما سماه "تقاعس المثقفين على مستوى التشابك مع قضايا مجتمعاتهم"، لذلك بدا له أن ما عاشه المثقف العربي في العقود الأخيرة هو حالة استقالة من المجتمع، عبر قطع كل صلات أوأشكال التفاعل مع ما يشغله. وقد كانت أحداث الحراك العربي الذي انطلق قبل أكثر من عشر سنوات، حافزاً مهماً لإعادة طرح السؤال حول وظيفة المثقف ودوره داخل مجتمعه، وحول ما سماه الناقد المغربي "السلطة المعنوية" التي سُحبت منه، عبر تعاقب عوامل من داخل الحياة الثقافية ومن خارجها، كرست صورة المثقف المنقطع عن محيطه، ووضعت كل أشكال الالتزام الثقافي في إطار كلاسيكي.

الشعب حل مكان المثقف

وفي ظل انحسار أدوار المثقفين، حولت أحداث الحراك العربي الشعب إلى "مثقف عام" كان بمثابة فاعل حاسم في ما عرفه العالم العربي من تحولات. ويعود الفضل في ذلك إلى عاملين أساسيين، هما الشباب والإعلام الاجتماعي. لذلك عاد بن الوليد ليبحث عن دواعي هذا الحراك، في قراءة كرونولوجية لتحولات البلدان العربية منذ نهاية الفترة الكولونيالية إلى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة. لقد انتقل الاستعمار الخارجي إلى حالة داخلية كرستها أنظمة بدا لها أن المنحى الاستبدادي هو السبيل الأوحد لبسط النفوذ وإنجاح وظائف الحكم. لذلك جاء "الربيع العربي" نتيجة طبيعية لتراكم الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المواطن العربي.

لقد أسهم الربيع العربي، وفق بن الوليد، في وضع وظيفة المثقفين من جديد على كرسي المساءلة، لا سيما بعد أن "صاروا علامة على أنماط من الخيانة الجماعية المعاصرة"، وآثروا من خلال تدخلاتهم في الحياة العامة أن يركنوا إلى التحليل البارد تفادياً لأية مجازفة، وحرصاً منهم على البقاء في منطقة الأمان والحياد لا المواجهة.

ينتقد بن الوليد النمط الذي استطاع التحول في سرعة قياسية من أقصى الموالاة إلى أقصى المعارضة، في تستر وراء صفوف المتظاهرين، ومحاولة للركوب على مخرجات الحراك العربي. فبقي المثقف الذي كانت مواقفه مع السلطة محسومة قبل الربيع وبعده، بغض الطرف عن كل التحولات السياسية والاجتماعية، يشكل الأقلية.

مثقفون اختاروا المواجهة

لا يعمم الباحث المغربي خطابه النقدي على المجتمع الثقافي، لذلك ينتقل في كتابه الجديد إلى الحديث عن فئة المثقفين التي تقف في الضفة المقابلة، والتي اختارت الاصطفاف مع إرادة شعوبها في مرحلة بدت مفصلية في التاريخ العربي الحديث. وفي هذا الصدد يميز الناقد المغربي بين "المثقف النقدي" و"المثقف الشعبوي"، وكلاهما كان له حضور في مرحلة الحراك العربي. وإذا كان الأول يؤثر التفكيك والتحليل على إصدار أحكام قيمة متعجلة، فإن النوع الآخر كان يختار الصدامية والصراخ، خصوصاً في القنوات الفضائية التي تنتعش بهذا النوع من الخطاب الانفعالي الذي لا يملك حيزاً زمنياً للتفكير والتمعن والتدقيق.

يعود بن الوليد إلى سارتر وإدوارد سعيد وفيصل دراج وميشال فوكو وعبد الرحمن منيف وغيرهم، ليرسم صورة للمثقف الذي يناسب عصره ويتقاطع مع واقعه، بعيداً من تلك الصور الكلاسيكية التي تجعل منه نبياً أو بطلاً أو محارباً.

يستهل الناقد المغربي لائحة المثقفين الذين اختاروا المواجهة بصنع الله إبراهيم الذي تساءل في بداية الحراك عما إذا كان "فيسبوك" قادراً على صنع ثورة، ليعود بعد أيام قليلة بقناعة أزاحت هذا الشك. ويستشهد بن الوليد بنموذج الأنثربولوجي عبدالله حمودي الذي نزل إلى الشارع مشاركاً في تظاهرات المحتجين، بعدما كان يتخوف في البداية من التأثير السلبي الذي قد يطال الفئات الهشة في بعض البلدان العربية جراء هذا الحراك. ويستعرض بن الوليد تجربة علاء الأسواني الذي اشترك في الثورة المصرية ثم عبر عن خيبة آماله منها لاحقاً في روايته "جمهورية كأنّ". ويجرد بعد ذلك أسماء مثقفين مصريين نزلوا إلى ميدان التحرير منددين بما آلت إليه الأوضاع في بلدانهم مثل الإعلامي إبراهيم عيسى وعبد الحليم قنديل المعارض في حركة "كفاية"، فضلاً عن أسماء أساسية نزلت إلى الميدان على الرغم من وضعها الصحي مثل رضوى عاشور ونوال السعداوي التي كانت غامرت بحياتها وسط هجوم عليها في الميدان من طرف بلطجية النظام السابق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخارج مصر يستعرض بن الوليد مواقف مثقفين من سوريا، مثل صادق جلال العظم وبرهان غليون وصبحي حديدي وأدونيس وياسين الحاج صالح، وآخرين من لبنان مثل علي حرب الذي أصدر سنة 2011 كتابه "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي"، وفواز طرابلسي الذي أصدر في العام الموالي كتابه "الديمقراطية ثورة".

وإذا كان عدد من المثقفين آثروا مواكبة الثورات في بلدانهم بالكتابة والتحليل والتنظير، فإن آخرين وقفوا على خط النار. ويستحضر بن الوليد نماذج من هؤلاء المثقفين الذين أدوا ضريبة اختيارهم الوقوف في الصف الأمامي للمواجهة. لقد تم جز حنجرة الزجال الحموي إبراهيم الفاشوش وألقي بجثته في نهر العاصي، كما تم تكسير أصابع الرسام علي فرزات، وتعرض والدا الموسيقي مالك جندلي لاعتداء وحشي.

المثقف ضد الثبات والجمود

في بحثه عن أجوبة لسؤاله المتعلق بوضعية المثقفين العرب اليوم، يفرد يحيى بن الوليد فصلين لكل من إدوارد سعيد وفرانز فانون، في سياق تفكيك الخطاب ما بعد الكولونيالي، واستحضاراً للقضايا التي شغلت المثقفين في مرحلة معينة من التاريخ العربي، من قبيل التشكل الثقافي الوطني ومقاومة الإرث الاستعماري إلى مجابهة الأشكال الديكتاتوية المحلية وأشكال التحكم الخارجي.

وبعد إدوارد سعيد وفرانز فانون انتقل بن الوليد للحديث عن أطروحة المفكر المغربي محمد عابد الجابري "الكتلة التاريخية الديمقراطية"، متوقفاً عند المرحلة التي كان المثقف العربي يشكل فيها قوة اقتراحية قادرة على مخاطبة التيارات السياسية والفكرية المختلفة بحثاً عن وحدة ما.

يعود يحيى بن الوليد في الفصول الأخيرة من كتابه إلى مناقشة مسؤولية المثقفين في عصرنا الراهن، داعياً إياهم إلى الخروج من منطقة الأمان. فالحيز الأنسب للمثقف هو التوتر وعدم المهادنة. وهذا لا يعني أن الباحث المغربي يتبنى خطاباً تحريضياً، أو يبدي تحمساً مجانياً، بل يعبر عن قناعة مفادها أن أي تقدم فكري، بالتالي اجتماعي وسياسي، لا يتم في أجواء الثبات والجمود، وعليه فكل حركة تحررية هي بالضرورة خروج من وضع سابق وتطلع إلى وضع مغاير.

المزيد من ثقافة