Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفرنكوفوني رشيد بن زين يقرأ الواقع المأزوم بعيني مومس

روايته "في عيني السماء" تقارب أسباب فشل الحراك العربي

الروائي المغربي الفرنكوفوني رشيد بن زين (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - دار سوي - باريس)

ثمّة روايات تفرض نفسها على كتّابها عن طريق أحداث كبرى يعايشونها من بعيد أو داخل محيطهم المباشر. وإلى هذا النوع من الأعمال تنتمي رواية الكاتب المغربي الفرنكوفوني رشيد بن زين، "في عينيّ السماء"، التي صدرت حديثاً عن دار "سوي" الباريسية، وتغوص بنا في حياة فتاة هوى خلال واحدة من انتفاضات ما سمي "الربيع العربي". رواية مشبعة بالإنسانية نتلقى سرديتها على لساب بطلتها وتبيّن، عبر تعريتها واقع عالمنا العربي المأزوم، لماذا لا تقود الثورات الشعبية المشروعة أحياناً إلى الحرية المنشودة.

في الأساس، رواية بن زين، مسرحية لاقت نجاحاً كبيراً لدى إخراجها في مهرجان "أفينيون" وعلى خشبة مسارح أوروبية عديدة. بالتالي، لدينا نسختان لسردية واحدة: نص مسرحي هو عبارة عن مونولوج لامرأة تدعى نور وتروي، بموازاة ممارستها أقدم مهنة في العالم، أحداث ثورة شعبية تقع تحت أنظارها، متوقّفة عند زبائنها الذين يشكلون خير مرآة لمجتمعها؛ ونص روائي يبقى صوت نور مركزياً فيه، لكننا نصغي أيضاً داخله إلى أصوات أخرى، أصوات الشخصيات التي تحيط بها أو تتفاعل معها.

قصة نور في الرواية تبدأ مع أمها القروية التي، ما أن وصلت إلى المدينة وحظيت بوظيفة، حتى تعرضت للاغتصاب على يد رب عملها. ولأنها لم تكن تعرف أحداً في المدينة، لم يكترث لمأساتها سوى مومسات احتضنّها وعلّمنها مهنتهن، فمارستها في جوار حامية عسكرية، متقبّلة من زبائنها الجنود والضباط كل شيء لكسب قوتها وتوفير مستقبل أفضل لابنتها، ما جعلها تحمل وتجهض في السر مرات عديدة، إلى أن أفضت واحدة من عمليات الإجهاض التي كانت تطلب من ابنتها الصغيرة إجرائها عليها، إلى موتها. وحين حضر رجال الشرطة لتحرير محضر بما حدث، لم يجدوا وسيلة أفضل لمواساة الفتاة نور سوى اغتصابها، الواحد تلو الآخر، وإجبارها على مزاولة مهنة أمها، وكانت في سن الثانية عشرة.

الأم وابتنها

في زمن الرواية، نور امرأة مستقلة بلغت سن الأربعين وما زالت تمارس المهنة نفسها لكن من دون أن تكون تحت رحمة قوّاد، فتستقبل زبائنها في استوديو صغير بعيداً عن منزلها من أجل حماية ابنتها سلمى وتوفير بيئة سليمة لها. وحده صديقها سليمان، وهو شاعر شاب ومثلي يمارس المهنة نفسها لكسب قوته، يعرف حقيقتها. بالتالي، نور بائعة هوى لكن هي التي تقرر متى وكيف ولمَن تبيع جسدها، على الرغم من حقيقة أن "جسد المرأة يبقى حصناً محاصَراً"، خصوصاً في عالمنا العربي. امرأة ترى، بفعل مهنتها، الجانب الآخر من الأقنعة التي أسقطتها الثورات الشعبية، ولا رجل يقدر على الكذب عليها لأنها تعرف كل حقائق الرجال، بما في ذلك تلك التي لا يجرؤون على البوح بها. امرأة تفرض احترامها لأنها لم تجعل من معاناتها هوية لها، بل درعاً لصون حياتها وروحانيتها وحبها للآخرين.

وقد يبدو اختيار بن زين بائعة هوى لإسماع صوت شعوبنا العربية، وخصوصاً نساءنا، مفاجئاً وراديكالياً عند الوهلة الأولى، لكنه خيار صائب من منطلق أن المهمشين يشكلون غالباً مرآة مكبرة لما يحصل داخل مجتمع ما، فتكشف عذاباتهم بحدّة أكبر ظلمه وخبثه، وعذابات الناس، ويشكّل صراخهم نوعاً من مكبّر لصوت الآخرين وصراخهم. ولأنهم مهمشون، يتمايزون عن غيرهم فيبدون أكثر انقشاعاً، وبالتالي أكثر قدرة على كشف ما يسعى مجتمعهم إلى إخفائه من حقيقته.

طبقات اجتماعية

هكذا تكشف نور نفسها لمزاولة مهنتها، لكن بقيامها بذلك، تكشف أيضاً زبائنها الذين ينتمون إلى مختلف طبقات المجتمع، ومن بينها الطبقة المتسلطة، كما تعري مجتمعها الذي يدينها. أما لماذا اختار بن زين لها اسم "نور"، فبهدف "التلميح إلى احتمال حلول الفجر المنتظر حين يتم تأهيل وتقبل الأشخاص الذين مثلها". ومثل نور، سليمان هو أيضاً مرآة مجتمع يخضع أكثر لأحكامه المسبقة منه لرغباته، وتجسيد لشباب لا عقدة له ويرفض تأجيل مطالبه بالحرية. شاب منبوذ على يد مجتمع متزمّت أخلاقياً وعاجز عن تقبّل ما هو عليه وما يفعله. ونظراً إلى ميوله الجنسية وطبيعة عمله، يدينه هذا المجتمع بشكل مزدوج. لكن في الرواية، يصبح أحد وجوه الثورة الشعبية الدائرة. ولا عجب في ذلك، فلأنه شاب مجروح ومنبوذ، نراه متعطّشاً للتحرر ولانتزاع اعتراف الآخرين بهويته. شاب ليس لديه ما يخسره، ويجسّد شجاعة الحقيقة عن الذات وعن بيئته. ومثل صديقته نور، يكشف بطبيعته خبث مجتمعه، لأن من بين زبائنه رجالاً يشهرون كراهيتهم للمثليين، ويمسّنا في العمق برقته وسعيه المحموم والصادق عن الحب.

لكن على الرغم من أن نور وسليمان بائعا هوى، "في عينيّ السماء" ليست رواية عن الدعارة، بل هي، وفقاً لصاحبها، محاولة لإظهار "سلطة الكلمة المستعادة على النكران، ومقابلة الموت بالجسد الحيّ، والكراهية بالحب. إنها أيضاً استعارة سياسية تذكّرنا بعنف النزوات، بثمن الحرّية، بثقل الكلمات والخوف الذي ما زال يعتري جلد الكثيرين بيننا من الرغبات وفضاءاتها التي يتوجّب فتحها". إنها خصوصاً رواية عن الثورة والكفاح حتى الموت لانتزاع اعتراف بكرامة الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، وبحقوقه وخيارات حياته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إنها أخيراً سردية تعرّي ببصيرة رهانات مجتمعاتنا العربية المعاصرة وآفاتها ومكامن خللها، وتحديداً آليات القمع الفاعلة فيها. وفي هذا السياق، يفضح الكاتب داخلها الطبيعة الاستبدادية لأنظمتنا السياسية وفسادها، وفي الوقت نفسه، خطورة التيارات الدينية المتشددة التي تستخدم الدين للوصول إلى السلطة، وحين تنجح في ذلك، تفرض دكتاتورية سياسية وأخلاقية لا رحمة فيها، كما يحصل في نهاية روايته حيث يتمكن المتطرفون من كسب الانتخابات، بعد فرار الدكتاتور، فيمارسون السلطة بعنف أعمى يذهب ضحيته سليمان ونور على حد سواء.

يبقى أن نشير إلى أن بن زين تعمّد عدم تحديد أي مدينة كإطار جغرافي لروايته نظراً إلى إمكانية إسقاط أحداثها وشخصياتها في مدن عدة... أو حتى في أي مكان من العالم، إن غيّرنا أسماء أبطالها، ولأن الثورات الشعبية والثقافية التي شهدتها المدن المذكورة حملت جميعاً الآمال نفسها وانتهت في خيبة مريرة.

المزيد من ثقافة