Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حل البرلمان التونسي بين دستورية القرار ودلالات التوقيت

دعوات إلى عقد حوار وطني وروزنامة انتخابية جديدة

بعد أكثر من ثمانية أشهر من وضع التجميد وتعليق الأشغال، أغلق البرلمان التونسي صفحة بإعلان رئيس الجمهورية قيس سعيد، رسمياً حلّ هذه المؤسّسة التشريعية، استناداً إلى الفصل 72 من الدستور.

وقوبل قرار حلّ البرلمان بردود أفعال متباينة، تراوحت بين الترحيب والتساؤل حول دستورية الإجراء، وأسباب التأخّر في اتخاذ القرار.

القرار جنّب البلاد صراع الشرعيات

ولئن اعتبر متابعون كثر أن قرار حلّ البرلمان قد جنّب البلاد الدخول في وضع خطير من خلال وجود سلطتين: واحدة رسمية تنفيذية متمثلة في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وأخرى موازية من خلال البرلمان المعلّقة أشغاله، والذي عقد جلسة افتراضية، وصادق على قرار يضع حدّاً للإجراءات الاستثنائية في البلاد، فإن قرار حل البرلمان أثار جدلاً سياسياً وقانونياً.

ويؤكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، خالد الدبابي، في تصريح أنّ حلّ البرلمان "استند إلى قراءة سياسية للوضع"، لافتاً إلى "وجود تناقض في استناد رئيس الجمهورية إلى الدستور، إذ قال في حديثه أمام مجلس الأمن القومي قبل أيام قليلة، إن الدستور لا يتيح حلّ البرلمان، ثم تراجع وقرّر حلّه، مستنداً إلى الدستور في فصله 72"، معتبراً أنّ "التمشي الذي انتهجه رئيس الجمهورية، منذ 25 يوليو (تموز)، فيه تعسّف على دستور 2014، الذي لا يسمح بالإجراءات التي اتخذها".

قرار متأخر

ويتساءل أستاذ القانون الدستوري عن عدم حلّ البرلمان منذ 25 يوليو، لأن الفصل 80 الذي اعتمده رئيس الجمهورية يتحدّث عن الخطر الداهم، الذي حدّده في البرلمان، وعليه كان من الأنسب حلّه منذ البداية".

ويشدّد الدبابي على أنّ "الوضعية القانونية للبرلمان الآن، تتلاءم مع واقع الحال، وعليه فإن أيّ عمل يقوم به المجلس أو أعضاؤه هي أعمال مخالفة للقانون، ويمكن تتبّعهم قضائياً أو استعمال القوة العامّة لفرض احترام القانون"، داعياً إلى ضرورة "القيام بإصلاحات دستورية تهم العملية الانتخابية، كالقانون الانتخابي، وبعض فصول النظام السياسي، على أن يتم ذلك في إطار حوار شامل".

الدفاع الشرعي للدولة عن نفسها

في المقابل، يؤكد الباحث في القانون الدستوري، رابح الخرايفي، أن رئيس الجمهورية قيس سعيد، بقراره حلّ البرلمان، "فعّل النظرية الدستورية التي تكرّس مبدأ الدفاع الشرعي للدولة عن نفسها وعن مؤسساتها، حماية لأمنها واستقرارها"، مشدّداً على أن القراءة الرّسمية والوحيدة للدستور وتأويل فصوله ترجع لرئيس الجمهورية بمفرده"، داعياً رئيس الجمهورية "للتوجه إلى الشعب، وتأكيد الموعد المناسب للانتخابات التشريعية المبكّرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قرار صائب

من جهته، اعتبر أستاذ القانون العام صغير الزكراوي في تصريح صحافي، أنّ قرار سعيد حلّ البرلمان "هو قرار صائب على الرغم من تأخره"، مضيفاً أن حلّ البرلمان كان مطلباً واستحقاقاً شعبيين"، معتبراً أنه كان على رئيس الجمهورية الاعتماد على حالة الاستثناء والفصل 80 من الدستور والأمر 117، بدل الفصل 72 من الدستور".

ودعا الزكراوي، قيس سعيّد، إلى "تنظيم حوار وطني يحدّد خريطة طريق جديدة، ويعمل على تعديل النظام السياسي والقانون الانتخابي، والذهاب إلى انتخابات في يوليو المقبل، عوضاً عن ديسمبر (كانون الأول) 2022".

ويُذكر أن رئيس الجمهورية، قيس سعيد، أعلن في نهاية السنة الماضية، عن جدول زمني يتم بمقتضاه تنظيم استفتاء حول الإصلاحات الدستورية في الـ25 من يوليو 2022، ثم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في ديسمبر 2022.

أحزاب ترحّب وأخرى تندّد

على صعيد آخر، رحّب رئيس حزب "التحالف من أجل تونس" سرحان الناصري، بقرار رئيس الجمهورية حلّ البرلمان، معبّراً عن "دعم حزبه هذا القرار".

ودعا الناصري، رئيس الجمهورية إلى المحافظة على الروزنامة المعلنة سابقاً، مطالباً بضرورة الإسراع في "تعديل القانون الانتخابي، ومراجعة تركيبة هيئة الانتخابات، وفتح باب حوار وطني مع المنظمات الاجتماعية والأطراف السياسية التي لم تتورط مع منظومة الفساد، التي حكمت خلال العشرية الماضية".

في المقابل، حمّل عصام الشابي، أمين عام "الحزب الجمهوري"، مسؤولية  تعميق الأزمة السياسية في البلاد لرئيس البلاد، معتبراً أنه يتجه نحو "حكم فردي استبدادي يهدّد مؤسسات الدولة"، داعياً إلى "إنهاء الحالة الاستثنائية من خلال الحوار الوطني".

من جهتها، دعت عبير موسي، رئيسة "الحزب الدستوري الحرّ" إلى المرور إلى "انتخابات مبكرة بمقتضى القانون الانتخابي الحالي"، مؤكدة أن "الروزنامة التي أقرّها قيس سعيد لم تعد قابلة للتطبيق، بما في ذلك الاستفتاء المقرّر في 25 يوليو المقبل".

قرار سعيّد يلقى رفضاً

في المقابل، أعلنت "حركة النهضة" في بيان لها، رفضها لقرار حل مجلس نواب الشعب، معتبرة ذلك "إمعاناً في تفكيك الدولة ومؤسساتها، وخرقاً جديداً للدستور، الذي ينص صراحة في فصله 80 على بقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم".

وأكدت الحركة أن "اشتداد الأزمة السياسية والاقتصادية وتهديد التونسيين في قوتهم، يزيد من الحاجة الى حوار وطني شامل لا يقصي أحداً".

ورفض رئيس البرلمان (المنحلّ) راشد الغنوشي، قرار الرئيس قيس سعيد حلّ البرلمان، مؤكداً أنه سيواصل نشاطه.
وقال الغنوشي في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية "نعتبر أن البرلمان قائم" و"ليس لدى الرئيس الحق الدستور بحلّه".
وأضاف "قرار الرئيس باطل، لأنه مخالف لصريح الدستور، وهو امتداد لقراراته التي اتخذها في 25 يوليو 2021، والتي رفضناها واعتبرناها انقلاباً وهذا استمرار للانقلاب"، على حد قوله.

الخارجية الأميركية قلقة

من جهتها، عبرت وزارة الخارجية الأميركية الخميس عن قلق واشنطن البالغ إزاء قرار الرئيس التونسي حل البرلمان، الذي سبق أن علق عمله العام الماضي بعد أن تحداه النواب بالتصويت على إلغاء المراسيم التي استخدمها لمنحه صلاحيات شبه مطلقة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس للصحافيين، إن الولايات المتحدة أبلغت المسؤولين التونسيين مراراً، بأن أي عملية إصلاح سياسي يجب أن تكون شفافة وتشمل الجميع.

مهما اختلفت التأويلات والقراءات القانونية والدستورية لما حصل في تونس بعد 25 يوليو 2021، فإن الواقع يعكس أزمة حقيقية في إدارة الشأن العام، من خلال انقسامات حادّة تشق المشهد السياسي، وتحتاج إلى إدارة حكيمة قادرة على تجميع كل الفرقاء السياسيين على طاولة الحوار، للخروج من حالة الاستثناء التي طال أمدها، إلى وضع الاستقرار والانكباب على الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، التي لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل.

المزيد من العالم العربي