Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي أحمد صبري أبو الفتوح يرثي الزمن المصري السعيد

"حكايات من جنازة بوتشي" تسرد علاقة امرأة بثلاث كلبات

لوحة للرسامة المصرية رانيا خلاف (صفحة الرسامة على فيسبوك)

الزمن أهم فضائل الرواية، فسرها الأسمى أنها ترينا كيف يمر بالبشر والحجر، وأية رواية مهما صغر حجمها تكتسب امتيازها في فرادة معالجتها لجريانه.

في روايته "حكايات من جنازة بوتشي" (دار ميريت) يتتبع الروائي المصري أحمد صبري أبو الفتوح أثر الزمن عبر علاقة إنسانية ربطت بطلة الرواية "جوين" مع ثلاث كلبات. يندفع السرد من دعاء "يا أبانا الذي في السماء تقدس اسمك. بجلالك يا أبانا قدرت أن تحيا مخلوقاتك وتموت. وبوتشي الجميلة واحدة من أرق مخلوقاتك" (ص7). كأن القصة لا ترتب حكايات "جوين" مع الكلبات الثلاث بحسب المنطق الزمني المعتاد، بل تبدأ من الأخيرة التي عايشت البطلة نفسها في آخر أيامها.

ثمة أهمية ثانية لهذا الاستهلال، أنه يبدأ من لحظة النهاية (الموت) مما يعني قطع الطريق على القارئ الذي يتوقع مفاجآت ومغامرات، فنحن إزاء سرد دائري محكم بتقنية الـ " "Flash backعبر صيرورة محتومة، تنتهي مع آخر سطور الرواية التي تقع في 172 صفحة من القطع الصغير، بمشهد جنازة الكلبة "بوتشي".

كأن الرواية من استهلالها حتى ختامها مجرد "لحظة" توديع "بوتشي" إلى مثواها الأخير. تتمعن فيها "جوين" وتمددها بالحكايات والاستعادات الممتدة لأربعة عقود، وعلى الرغم من أن الرواية تنحاز وتتعاطف مع منطق "جوين" وتقدمه عبر الحوار والمونولوجات الداخلية، لكنها ليست "الساردة" المهيمنة على النص، بل فضل أبو الفتوح أن يسند النص إلى الراوي العليم، ربما كي يسهل عليه التعبير بسهولة عن المنطق الداخلي لبطلاته الكلبات، وتجسيد انفعالاتها الصماء بأبجدية اللغة. وإن قيد سلطة "الراوي العليم" وسمح لشخصياته أيضاً بأن تكون لها نصوصها القصيرة المعبرة عنها، منها خطاب مطول للأب "الدكتور جاك"، أو حوارات مطولة مع الكلاب.

فوكسي

لا شك في أن الأدب العالمي عرف روايات كثيرة أبطالها حيوانات، خصوصاً الكلاب، مثل "نداء البرية" و"الناب الأبيض" لجاك لندن، وقبل 100 عام أصدر الكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف روايته "قلب كلب"، كما صدرت في مصر قبل شهور رواية "إخضاع الكلب" للكاتب أحمد الفخراني. ينضم أبو الفتوح إلى هذا الإرث الذي يؤنسن الحيوانات ويلقي الضوء على شركائنا في الوجود، لكنه لا يكتفي بهذا الخط السردي وحده، بل يضفره مع خط مواز يتعلق بعلاقة الشرق بالغرب. تلك العلاقة التي تردد صداها في عشرات الروايات العربية مثل "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، مروراً بـ "موسم الهجرة إلى الشمال"، وصولاً إلى "محاولة للخروج" لعبدالحكيم قاسم.

لا ينشغل السارد بالتنظير لتلك العلاقة ولا ميراث الاستعمار، ولا يتحدث عن فشل أو نجاح التزاوج، لكنه يستثمر في ظلال العلاقة، فعندما يتعرف البطل على "جوين" أثناء دراسته العليا في لندن، نعلم أنه ابن ثري مصري من عهد الإقطاع، وسيدة إنجليزية كانت عازفة كمان بارعة.

ارتضى الأب لها أن تحتفظ بديانتها المسيحية، واختار الاثنان لأولادهما أسماء مزدوجة عربية وإنجليزية. الشيء نفسه فعله "جاك/ شهاب الدين" فاختار لبناته الثلاث أسماء عربية وإنجليزية مثل "جنيفر/ زينب". كأنها إشارة إلى أن علاقة الشرق بالغرب ستظل محكومة بازدواجية لا فكاك منها. "جاك" المتدين المتسامح الذي ارتضى لزوجته أن تحتفظ بدينها وتؤدي شعائرها بكل أريحية، هو نفسه "شهاب الدين" الذي يتبنى موقفاً متشدداً تجاه "نجاسة" الكلاب وعدم جواز اقتنائها في البيت، على الرغم من أن من بين الفقهاء من لا يرى ذلك.

وهكذا أجبر "جوين" الطبيبة الإنجليزية في بداية ارتباطهما منتصف السبعينيات من القرن الماضي على أن تتخلى عن كلبتها "فوكسي" لإحدى صديقاتها، فتنازلت عنها وسط دموعها، بل تخلت أيضاً عن أهلها وعملها وبلدها لتعيش وسط عائلته الكبيرة.

المنصورة

أتت "جوين" إلى مدينة المنصورة في منتصف السبعينيات وهي ما زالت تحتفظ بمجدها الغابر، فالمنصورة خصوصاً حي المختلط حيث عاشت، إحدى مدن مصرية قليلة اتسمت بطابع كوزموبوليتاني مثل الإسكندرية، فالتقط أبو الفتوح هذا الخيط المهم راصداً تلاشيه بمرور الزمن مع حدة التحولات السياسية والاجتماعية، لكنه لا يتباكى على العمارة ولا تقاليد الماضي ولا يغرق نصه في الحنين، بل يلقي عبارات قصيرة مكثفة وفقاً للمثل القائل، "اللبيب بالإشارة يفهم"، فلدينا شقيق "جاك" الذي يعيش في ألمانيا، وعلى الرغم من غرامياته المتعددة فهو ينتمي إلى جماعة "الإخوان" مقابل ابن العم "منجي" اليساري المستنير، وهناك البنات اللواتي تزوجن وهاجرن تباعاً ما بين أميركا وأوروبا ودبي.

إن العائلة التي تنتمي قطعاً إلى عهد ما قبل ثورة يوليو (تموز) والتي أسست مجدها على ثروة زراعية كبيرة، انتهت إلى تأميم وتبديد الثروة وهجرة الأبناء والأحفاد عبر أرجاء الكرة الأرضية. كان الزمن يمر جارفاً معه كل شيء لتصبح عمارة عائلة "أرسلان" على امتداد 12 فصلاً أقرب إلى بيت أشباح تسكنه سيدة عجوز مع كلبتها.

دايزي

خسرت "جوين" سريعاً صراعها مع زوجها المتحفظ في شأن اقتناء كلبة، أو لم ترغب في المفاضلة بين حبها لرجلها وحبها لكلبتها، لكن الأمر اختلف مع الابنة "جنيفر"، فهي أكثر عناداً من أبيها وتحفظ النصوص والأسانيد التي تخالفه الرأي. ومع إصرارها اضطر الأب إلى الرضوخ، بل ارتبط عاطفياً مع كلبتها "دايزي" وأصبح يقيم حوارات معها تتعلق بقناعاته الدينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تشغل الأفكار الدينية حيزاً أساساً في المتن الروائي إلى درجة المباشرة أحياناً، وهو جانب يشير الى اختلاف المنظور الديني بين الشرق والغرب، فهناك يبدو الدين معزولاً عن حركة المجتمع، بينما هنا يتغلغل في كل مناحي الحياة، كما يلامس صعود الجماعات الدينية وتشكليها للوعي خلال العقود الأخيرة. كل هذا يمر عليه أبو المجد بضربات فرشاة سريعة ليرينا مآزق المجتمع عبر أمثولة صغيرة جداً متعلقة بمشروعية اقتناء كلبة.

بوتشي

عاشت "دايزي" حياة مستقرة مع "جنيفر" حتى تزوجت، ومع أمها "جوين"، واستمتعت بأنوثتها وأنجبت، فكانت "بوتشي" أصغر أولادها والوحيدة التي بقيت برفقتها. جيل يسلم جيلاً، فها هو "جاك" يموت ببساطة ومن بعده تنهي "جنيفر" دراستها وتتزوج وتهاجر في قفزات زمنية سريعة، لنصل إلى موت "دايزي" وشعور "جوين" بالشيخوخة ومتاعبها، وتكاد حياتها تطابق حياة كلبتها الأخيرة "بوتشي" التي شاخت أيضاً. تمتثلان لنصائح الطبيب نفسه وتأكلان الطعام ذاته، "في الغد يا بوتشي سنعود إلى الوحدة من جديد، أنت تحتضرين وأنا أقاوم لأجلك، أنت حزينة وأنا أكثر منك حزناً، أنت خائفة وأنا أكثر منك خوفاً". جاءت السطور الأخيرة في منتهى العذوبة والشاعرية، كأنها ليست مرثية للكلبة "بوتشى" ولا "جوين" التي مضى بها العمر بحلوه ومره إلى الوحدة والخواء، بل هي مرثية شفيفة للمنصورة المدينة الآفلة، مع ضجيج العشوائية والتشدد والزحام.

نص يثير الأسى عن ذلك الوجود السعيد والآفل تحت وطأة ضربات الزمان، "جاءتنا مرة خادمة عجوز كانت لا تمل تدعو ربها أن يجعل عمرها على قدر صحتها، فلا تموت وهي ضالعة في الحياة، ولا تعيش وهي بلا حول أو قوة" (ص171).

المزيد من ثقافة