Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر والمسرحي الحسين القمري حلم وناضل ثم رحل

رافق تحولات الزمن المغربي الصعب والتزم قضايا الناس وانفتح على عالم الصوفية

الشاعر والمسرحي المغربي الحسين القمري (صفحة الشاعر على فيسبوك)

قبل خمس سنوات منحت سفيرة الهند في المغرب درع "ذاكرة مياه المحيط" للشاعر الحسين القمري الذي غادرنا فجر الأربعاء 19 يناير (كانون الثاني) الحالي. تمّ هذا التكريم خلال مهرجان السينما في مدينة الناظور شمال المغرب، وهي المدينة التي ولد فيها الشاعر عام 1944، وعمل أستاذاً ثم مديراً في أحد معاهدها، قبل أن يترك التعليم نهاية السبعينيات ويلتحق بسلك المحاماة. وفي السنة ذاتها حملت إحدى دورات محترف المسرح الأكاديمي في الناظور اسم الشاعر الراحل.

وقبل التكريم بأربع سنوات كانت وزارة الثقافة المغربية أصدرت أعماله الشعرية الكاملة باعتباره أحد رواد الشعر الحديث في المغرب. تزامن هذا الاحتفاء بالحسين القمري مع فترة مرضه ومكوثه بالبيت، إلا أن حالته الصحية تدهوت مع أواخر الشهر الماضي، مما جعل الملك محمد السادس يتدخل ليتكفّل بمصاريف علاجه وإقامته في أحد مستشفيات الرباط إلى أن وافته المنية. وكان الراحل ناشطاً ثقافياً وسياسياً في الآن ذاته، انتمى إلى التيار اليساري في زمن مغربي صعب، وعاش تحولات البلاد منذ أن كانت تحت الاحتلال الفرنسي، إلى زمن الاستقلال ونشاط الحركة الوطنية، ومرحلة التوتر السياسي في السبعينيات، إلى العقود اللاحقة التي تغير فيها مجرى الثقافة والسياسة على السواء.

من الأيديولوجيا إلى التصوف

وتزامناً مع فقدانه حاسة البصر، عانى خلال السنوات من مشكلات صحية ألزمته الفراش وحالت دون مواصلته قراءة الشعر أمام محبيه هو الذي اعتاد ارتياد منابر الشعر في المغرب وخارجه منذ الستينيات. أصدر عمله الأول "ألف باء" الذي طغى عليه الجانب الوجداني، ثم تحوّل في أعماله اللاحقة إلى القضايا الإنسانية والفكرية، متأثراً بأجواء الثقافة التي سادت خلال السبعينيات في العالم العربي، ومستثمراً نشاطه السياسي والنقابي، حين كان عضواً نشطاً في حزب التقدم والاشتراكية اليساري. وفي أعماله الأخيرة تحوّل الشاعر إلى كتابة نصوص طافحة بالتأمل والحكمة والبعد الفلسفي والميتافيزيقي، في نزوح واضح إلى الصوفية. يقول عنه شقيقه الناقد البشير القمري الذي رحل هو الآخر قبل أشهر قليلة: "في شعر الحسين القمري نزوع إلى ضرب من ضروب الصوفية، بخاصة عندما يلحّ الموت ويختفي الأهل والأقرباء والأحبة والأصدقاء، وعندما يشتد الوجع والألم النفسي، وعندما تدق مسامير العزلة والفقدان". يرى البشير القمري أن الشاعر كان مشغولاً بهاجس اللغة، إذ عمل باستمرار على تطوير أسلوبه في الكتابة بالحفر الدائم في لغتها.

 وفضلاً عن المسحة الصوفية والاشتغال على اللغة، كانت السمة الأبرز في تجربة القمري هي شعرية المكان، فهو كتب كثيراً عن مدن عاش فيها أو زارها: الناظور ووجدة وفاس وطنجة ومراكش، وبيروت وبغداد، إضافة إلى سبتة ومليلية المدينتين المغربيتين المحتلتين من لدن إسبانيا منذ القرن السابع عشر.

مناضل في الواقع وعلى الورق

كانت نصوص الحسين القمري منسجمة إلى حد كبير مع ممارساته في الحياة. فالنضال الذي زاوله في الواقع تسرب مراراً إلى قصائده، إذ كان ينتقد الحيف والفوارق الاجتماعية وهيمنة ذوي النفوذ واستفرادهم بخيرات البلاد على حساب الطبقات الأخرى للشعب. عُرفت عنه مواقفه الشجاعة والتزاماته الفكرية، وكان مناضلاً حالماً يترقب باستمرار التحولات الإيجابية للبلاد، ويحلم بذلك الغد الذي يئس كثيرون من وصوله. ويلمس القارئ هذا الأمل الغزير في قصائده التي كانت تراوح بين المباشرة والغموض: "ربما كنت أحلم أن رياح بلادي/ تهبّ على موعد العاشقين/ وأن الحَمام على الأكمات/ يزف صباحاتها للّقاء". وربما كان الحلم أو الخيال هو طوق نجاة الشاعر من واقع يغذي اليأس والتعاسة: "أين يا جبل الريف تنمو الكآبة أو تختفي/ حين يتلاشى الخيال؟".

ظل الشاعر لعقود يحتفي بالحياة بالأمل هو الذي انتمى إلى جيل المثقفين والسياسيين السبعينيين الذين عاشوا لاحقاً زمن انهيار الأحلام: "أثمرت أشجارنا/ جيشاً من الموتى". عبّر عن أحلامه وأفكاره ورؤيته إلى الحياة والوجود في مختلف أعماله الشعرية: "كيمياء الحياة والأمكنة" و"كتاب الليالي" و"سنابل الزمان" و"حصاد العمر" و"هديل الروح" وغيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستمد الشاعر روح النضال من الزعيم التاريخي المعروف عبد الكريم الخطابي الذي كان يلقب بـ "أسد الريف"، وكتب القمري قصيدة عنه وهو لم يتجاوز بعد عامه السابع عشر، وإن خيمت عليها أجواء البدايات غير أنها كانت ترسم ملامح شاعر جديد. في تلك القصيدة القديمة يرى في الزعيم الخطّابي "أمل البيادر والفصول" و"قنديل ضوء للحيارى" و"مطراً يقبّل صفحة السهب القريب".

كان القمري يكتب عموداً أسبوعياً في جريدة "البيان"، لسان حزب التقدم والاشتراكية، لم يجعله وقفاً على المواضيع الثقافية فحسب، بل كان يناقش من خلاله الكثير من القضايا المرتبطة بالمجتمع والحقل السياسي. وإذا كان القمري أحد رواد الشعر الحديث في المغرب، فهو في الآن ذاته أحد رواد المسرح. وقد أسس منذ منتصف الستينيات عدة فرق مسرحية أبرزها فرقة "المشعل المسرحي"، و"جمعية أهل دربالة للموسيقى والمسرح". لم يتوقف شغفه بأبي الفنون عند التأسيس، بل كان مؤلفاً ومخرجاً وممثلاً أيضاً. وفي باب التأليف ترك الراحل عدداً من النصوص المسرحية من بينها: "عمالقة يذوبون" و"مطلع النور" و"جحا يتسلم بطاقته الوطنية" و"سفينة نوح".

المزيد من ثقافة