Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر محمد بنيس يحفر في طبقات الصمت الوجودي

ديوان جديد يرسخ مسارا حداثيا في حركة الشعر العربي المعاصر

الشاعر المغربي محمد بنيس (اندبندنت عربية)

ينتمي الشاعر المغربي محمد بنيس إلى جيل السبعينيات، وهو الجيل الثاني في المشهد الشعري المغربي المعاصر، هذا الجيل المصاب بحمى السياسة والأيديولوجيا. ولعل النص لديه، لم يكن إلاَّ امتداداً صارخاً عن جراح المرحلة وأسئلتها المُؤرقة، تجاه السياسة والاجتماع والبلد، بالشغف نفسه الذي تولد لدى الجيل الأول من الستينيات، على الرغم من تقليدية بعض نَماذج هذا الجيل، لكنّ نماذج أخرى أكثر أصالة ووعياً بتحولات الشعرية العربية المعاصرة، نحيل هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى تجربتي كل من عبد الكريم الطبال ومحمد السرغيني في بعض دواوينهم الشعرية وما حققاه من حداثة في وقت ظل الشعر المغربي تابعاً للحزب وأيديولوجيته. وهذا الأمر، لم يكن إلاَّ مُؤشراً أولياً لتبعية، ظلت تحتكم إليها الثقافة المغربية في ذلك الحين، وهي تبعية الثقافي للسياسي وما عكست من دور سلبي على الشعر المغربي، الذي بدا وكأنه شعر قبيلة وشعارات سياسية. هذا الأمر، هو ما جعل من الشاعر محمد بنيس في دراسته الأكاديمية حول "ظاهرة الشعر المغربي المعاصر" التي أثارت جدلاً واسعاً في صفوف الشعراء، و ثم، جاء سؤاله الإشكالي إلى حدود الآن، لماذا تُهاجر القصيدة المشرقية إلى المغرب، ولا تُهاجر القصيدة المغربية إلى المشرق؟ ويخلص في النهاية إلى أن القصيدة المغربية، هي "قصيدة الصدى وليس الأثر".

جيل السبعينات

لكن الجيل الثاني، الذي ينتمي إليه محمد بنيس، كان الأكثر جرأة في طرح الأسئلة والتجريب والمساءلة في قضايا ظلت في حكم الممنوع. هكذا جاء جيل السبعينيات مع كل من محمد بنيس وعبدالله راجع وعبدالله زريقة ومحمد بنطلحة وعبد اللطيف اللعبي وسواهم على تكسير شوكة التقليد والإنشاء، الذي طبع "القصيدة" الستينية وعلى اختراق بنية الممنوع والمسكوت عنه داخل هذه القصيدة. دواوين شعرية جاءت صارخة بجرح المرحلة، بعدما حملها أصحابها إلى المطابع من جيوبهم، في وقت كانت المطابع نادرة داخل المغرب السبعيني.

ومع ذلك استطاع هؤلاء الشعراء الشباب في تلك المرحلة نقل اللغة الشعرية إلى مرتبة التفكير والتجريب في قضايا لم تكن تشغل هواجس الجيل الأول، أولاً، لأن الجيل السبعيني استفاد من حركة الترجمة التي بدأ زخمها ينتقل من المشرق إلى المغرب، ثم الدراسة والتكوين العلميين داخل الجامعة والتعرف إلى المناهج الجديدة والدراسات النقدية والفكرية، التي تناولت الشعر العالمي بالدرس والتحليل. لكن الممارسة الشعرية لدى هذا الجيل، لم تتبلور داخل الجامعة، لأن هذه الأخيرة، ظلت مشغولة بأمور تخرج عن الشعر وعوالمه، وبالتالي فإن الجرائد والمجلات التي ذاع صيتها في تلك الفترة وبعدها مثل مجلة "أنفاس" لعبد اللطيف اللعبي و"الثقافة الجديدة" لمحمد بنيس و"المقدمة" وغيرها، كلها شكلت مختبراً حقيقياً لهؤلاء الشعراء للكتابة والتجريب ونقل اللغة الشعرية من أسلوبها المباشر في الصراخ والنحيب للحزب وعقيدته وصلابته الأيديولوجية إلى أبعاد أخرى، يُصبح معها النص أداة للتفكير والحلم معاً. ولا ننسى هنا أن أسماء من هذا الجيل نفسه، ظلت بعض قصائدها الأولى، بخاصة المنشورة في جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، تحبل ببعض من هذه الأيديولوجيا المتبطنة في طوبوغرافية شعريتها، لكن بوهج أقل مقارنة مع الجيل الأول. وهذا الأمر تبلور تدريجاً مع الجيل الثالث في المشهد الشعري المغربي المعاصر مع كل من محمد بوجبيري وصلاح بوسريف ووفاء العمراني وحسن نجمي ومحمد الصابر وغيرهم من الشعراء، الذين وضعوا الشعر المغربي على حافة الجرح، من خلال الرهان هذه المرة على البعد الجمالي والمعرفي، الذي سيميّز بعضاً من تجارب هذا الجيل الثالث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صفاء اللغة

كل هذه الأفكار، تجد خصوصياتها المرجعية داخل الديوان الشعري الجديد "يقظة الصمت" (2020) للشاعر محمد بنيس، الصادر حديثاً عن دار توبقال للنشر، وذلك على امتداد مجموعة من القصائد المختلفة شكلاً ورؤية، لكنها جميعها تلتقي حول الصمت وصفاء اللغة وتقشفها. فهي أشبه بما سماه رولان بارت في حديثه عن كتابات ألبير كامو بـ"اللغة البيضاء"، وهي لغة لا تعبر عن شيء، بقدر ما تجعل من الوجود يسكن هذه اللغة، التي تسمي الأشياء بلسانها، فهي تتجاوز أيّ تقريرية مُفتعلة بين الشاعر ونظرته للأشياء الصغيرة المُهمشة، إذْ تُصبح هذه الأخيرة، ذات أهمية كبرى من الأشياء المرئية. ونُلاحظ أن هذه القصائد، تختلف اختلافاً شديداً عن الدواوين الشعرية الأخرى للشاعر محمد بنيس مثل "ما قبل الكلام" و"وجه متوهج عبر امتداد الزمن" و"في اتجاه صوتك العمودي" و"شطحات لمنتصف النهار"، ورهانه على تجارب وموضوعات أخرى تخص الطفولة وفاس والدراويش والبحر وغيرها. لكنها تلتقي بشكل مكثف ومتماهٍ مع دواوين أخرى من قبيل: "ورقة البهاء" و"هذا الأزرق" و"المكان الوثني" من حيث طوبوغرافية اللغة الحسية وتقشفها وصوفيتها، من خلال احتفاء صوفي باللون الأزرق ونضارته. إن الصمت هنا، هو لغة بتعبير الصوفيين، لغة يحتمي بها الشاعر من ضوضاء الحياة اليومية وأوهامها، الصمت هنا في مواجهة الموت والصقيع وعري الوجود القاهر لكينونة الإنسان.

يُصبح الصمت في هذه الحالة خطاباً احتجاجياً على الصراخ والعويل وعلى كل ما يستطيع أن يجرح من بكارة السكون وعذريته. حتى الكلمات في قصيدة محمد بنيس، تبدو صامتة، فهي تُضمر أكثر مما تُظهر، وتقول ما لا يقال ولا تظل سادرة عند عتبة المعنى، بل تغوص في تاريخ الكلمة واللحظة. إن محمد بنيس في هذا الديوان يكسر من صنمية الحقيقة، محاولاً، أن يجعل مفهوم الشعر يشتبك مع التحولات العميقة والأشياء الصغيرة المتلاشية والمنسابة في كينونة هذا الوجود. لكن هذا التوغل في لا نهائية العالم، لا يُمكن أن يتحقق إلاَّ من خلال الصمت، فهو الوحيد القادر على السفر في اللامتناهي والمهمش والزائل والعابر ومجاوزة اللحظي والآني، بغية فك حجاب الحقيقة، الذي يفصلنا عن عالم الإدراك. يقول في قصيدة "صمتٌ يضيءُ هَارْلِمْ":

"لمْ أتخلَّ عنْ هذه الطريقِ

صمْتُها

صمْتُ هارْلـمْ

ظلَّ في مكانهِ عالياً حتى لا قوةَ لي على الالْتحَاقِ بهِ

مُنخَطفاً أمْشي في الشّوارعِ أصْواتُها تُكلمني

كما لو كنتُ ابنَها الذي لم يسْتيْقظْ

قطّ

من آلامِ النشيدِ على لسانهِ

كما لو كنتُ لمْ أعدْ بعْدُ منَ حقول الجنُوبْ"

غير أن هذا الصمت "اليقظ" لا ينطلق عند محمد بنيس من الذات وهواجسها اليومية، بقدر ما يظل محموماً بفوضى الحواس والألم داخل كينونة اللغة، التي هي بتعبير ابن عربي من يكتب الوجود. لكن عملية الكتابة هذه، تكاد لا تخلو من براءة لأنها لا ترهن نفسها بالإقامة في تخوم اللغة والوقوف عند ما تتيحه لنا المعاني في المعاجم واللغة المُتداولة، بقدر ما يعمد إلى تشريح هذا المعجم والدفع به إلى حدود البياض، الذي تصير فيه اللغة خرساء لا تتكلم، لكنها في الوقت نفسه، لا تتوقف عن السفر في مجاهل التاريخ والجغرافيا والذات والهوية وقضايا تحرر الإنسان. وشيئاً فشيئاً تتحرر القصيدة عند محمد بنيس من إيقاعها وشذرية شكلها، لتتشعب أكثر على شكل نصوص ويوميات للشاعر في هارلم. تصبح لذة النثر لا تُطاق ويتشعب معها خيط الحكي ويرتفع منسوب الصمت بين الأشياء، وهكذا تغدو القصيدة عند بنيس مختبراً للفكر والتاريخ والتأمل وليس للإنشاد والخطابة. إنه التأمل الذي ينطلق من خصوصيات المكان وعوالمه المُتخيلة واستحضار رموزه الغائبة بالمفهوم الميتافيزيقي، ولكنها حاضرة وحيّة، تُقيم في وجدان الشاعر، الذي ينسج معها عالماً موازياً للأحلام والصداقات وتحقيق بعض متع اللقاء والفرح المتوهج والإنسانية مع العالم والأشياء التي تحيط بنا لحظة السفر في كينونة الآخر وثقافاته وأجناسه.

المزيد من ثقافة