Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودانيون يتظاهرون مرة جديدة ضد الحكم العسكري

سقوط قتلى وقطع الإنترنت والجسور في ظل ضغوط دولية لتشكيل حكومة بمشاركة واسعة من الجهات المدنية

تدفقت حشود على شوارع العاصمة السودانية الخرطوم ومدن أخرى اليوم الخميس في أولى المظاهرات المناهضة للجيش المخطط لها هذا الشهر، وأظهرت صور نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي إطلاق قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.
وانقطعت خدمات الإنترنت والهاتف المحمول بدرجة كبيرة قبل المظاهرات، كما حدث في احتجاجات سابقة، وأُغلقت بعض الجسور الواصلة بين الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان.
وقال متظاهرون في وقت سابق إنهم سيحاولون الوصول إلى القصر الرئاسي بالخرطوم ساعين لمواصلة الضغط على الجيش الذي أوقف، في انقلاب عسكري في أكتوبر (تشرين الأول)، اقتسام السلطة الذي جرى التفاوض عليه بعد الإطاحة بحكم عمر البشير في عام 2019.
وأفاد بيان من لجان أحياء بحري التي تنظم المظاهرات في المدينة صدر أمس "سنحتل غدا الشوارع مجددا متوجهين لقصر الطاغية رافضين لحكم العسكر متمسكين بسلميتنا سلاحنا الأقوى".
وأظهرت تسجيلات مصورة وصور نشرها نشطاء وجماعات مدنية على مواقع التواصل الاجتماعي ولم يتسن التحقق من صحتها، إطلاقا كثيفا للغاز المسيل للدموع في العاصمة. كما أظهرت حشودا في مدن أخرى في مختلف أرجاء السودان.
وعلى الرغم من تعهد الجيش بالسماح بالاحتجاجات السلمية، قال مسعفون متحالفون مع الحركة الاحتجاجية إن الحملات على المحتجين منذ الانقلاب أسفرت عن مقتل 57 شخصا على الأقل وإصابة آخرين بجروح.
وقال صحفيون من رويترز ومرصد نتبلوكس لمراقبة انقطاعات الإنترنت إن الاتصالات وخدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة تعطلت منذ الصباح.
وتأتي الاحتجاجات بعد أربعة أيام من استقالة عبد الله حمدوك من رئاسة الوزراء مما أدخل مستقبل السودان في حالة غموض.
وتولى حمدوك رئاسة الوزراء في 2019 وأشرف على إصلاحات اقتصادية كبيرة قبل أن يخلعه الانقلاب ثم يعيده في محاولة فاشلة لإنقاذ اتفاق اقتسام السلطة.

وقد قتل ثلاثة متظاهرين خلال احتجاجات اليوم، وفق ما أعلنت لجنة الأطباء المركزية في السودان.

برنامج التصعيد

ففي ظل الضغوط الدولية على المكون العسكري في السودان لتشكيل حكومة بمشاركة واسعة من الجهات المدنية، عقب استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الأحد، الثاني من يناير (كانون الثاني)، تنطلق الخميس 6 يناير في العاصمة المثلثة الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، والمدن الرئيسة، أولى المسيرات المدرجة في برنامج التصعيد العلني لهذا الشهر، تحت شعار "مليونية 6 يناير". وستكون وجهة المسيرات نحو القصر الرئاسي، للمطالبة بإبعاد العسكر من الحكم وفسح المجال للمدنيين لإدارة أجهزة السلطة بكاملها.

ونشرت السلطات السودانية، في الساعات الأولى من صباح الخميس، تعزيزات عسكرية في وسط الخرطوم. وضمت التعزيزات وحدات من الجيش والشرطة والدعم السريع. وأغلقت الطرق المؤدية إلى محيط القصر الرئاسي وقيادة الجيش، بيد أنه لم يصدر، حتى الآن، بيان من الجهات المختصة بإغلاق الطرق والجسور التي تربط الخرطوم بحري وأم درمان بالعاصمة الخرطوم، ولم يعلن عن قطع خدمة الإنترنت والاتصالات الهاتفية، كما حدث خلال التظاهرات السابقة. 

وخرج مساء الأربعاء مئات السودانيين، في عدد من أحياء العاصمة المثلثة، في تظاهرات ليلية للترويج لمسيرات الخميس التي دعت إليها "تنسيقيات لجان المقاومة"، و"تجمع المهنيين السودانيين" اللذان يقودان هذا الحراك، والتي ستكون وجهتها النهائية القصر الجمهوري (الرئاسي) للتنديد بقرارات قائد الجيش عبدالفتاح البرهان بإعلانه في 25 أكتوبر (تشرين الأول) حالة الطوارئ في البلاد وتعطيل الشراكة مع المكون المدني، وللمطالبة بتسليم السلطة كاملة للمدنيين وعودة الجيش إلى الثكنات، في حين حددت "تنسيقيات لجان مقاومة" في مدينة الخرطوم، في بيان، المسارات التي ستتحرك مجتمعة في اتجاه القصر الرئاسي عند الواحدة ظهراً، وتشمل نقاط تجمع المواكب في مناطق باشدار وأبو حمامة وحجازي والقرشي، داعية إلى ضرورة وضع المتاريس (الحواجز) بأحجار كبيرة وقوية في معظم الشوارع الرئيسية والفرعية لحماية المواكب.

وأشار "تجمع المهنيين السودانيين" في بيان إلى أن "مواكب 6 يناير بمثابة مقاومة وصمود حتى إسقاط المجلس الانقلابي وحلفائه"، في إشارة إلى مجلس السيادة، وتنصيب سلطة الشعب الانتقالية المدنية الكاملة.

وأكد حاكم ولاية الخرطوم المكلف الطيب الشيخ ضرورة التنسيق المشترك بين القيادة الشعبية والأجهزة الأمنية لحماية المواكب السلمية.

فجوة شاسعة

وفي شأن الوضع الراهن في البلاد، يشير الكاتب الجميل الفاضل إلى أن "الشارع السوداني يتفاعل بعيداً من المبادرات السياسية الصادرة من الجهات والأطراف المختلفة، فهو ينشد تغييراً أعمق من التغيير الذي حدث بإطاحة نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، فضلاً عن أنه تجاوز أي أفق حلول على أساس الوثيقة الدستورية الموقعة بين المكونين المدني والعسكري في 17 أغسطس (آب) 2019".

يضيف الفاضل، "نجد أن الشارع رفض اتفاق البرهان - حمدوك الذي وقع في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، بالتالي فإن حركة الشارع متقدمة على الأطروحات التي يتم تداولها في الساحة السياسية، فالشارع السوداني لا يريد تأكيدات لفظية من قائد الجيش، بل يريد أن يذهب الجيش إلى ثكناته وأن تسلم السلطة بالكامل إلى المدنيين".

ويلفت إلى أن "الفرق شاسع بين رؤية الأحزاب السياسية والمكون العسكري وقوى الحراك الثوري في الشارع، فالفجوة شاسعة بين ما يحلم به الثوار في المواكب، وبين البحث عن الممكن وفق العملية السياسية، إذ إن الشارع يتطلع إلى تحقيق غايات كبرى تنتج التحول المنشود في الحياة".

ويعتقد أن "الشارع أصبح القاطرة التي تزحف وراءها القوى السياسية التي تتماهى الآن مع هذا الشارع كي لا تخسر من رصيدها".

ويلاحظ الفاضل أن "المجتمع الدولي يتدخل بكثافة في الأزمة السودانية، ويضغط على المكون العسكري كي يكون المدنيون هم قادة الفترة الانتقالية، وعدم انفراد العسكر بتكوين الحكومة المقبلة، وحسر وجودهم في ساحة العمل التنفيذي، على أن تصبح السيادة كاملة للمكون المدني".

انقلاب جديد 

في المقابل، يقول القيادي في "الجبهة الثورية"، نائب رئيس "جبهة كفاح"، حذيفة محيي الدين البلول، إن "الوضع الآن تهدده سيناريوهات عدة أخطرها الذهاب في اتجاه الفوضى، ونعتقد أن الشارع السوداني تمثله حالياً لجان المقاومة وتجمع المهنيين، وهما يرفضان الحوار والتفاوض من خلال شعارهما في المسيرات لا تفاوض، لا شراكة، لا مساومة مع العسكر. فهذه اللاءات الثلاث غير متقاربة مع القوى السياسية سوى قوى الحرية والتغيير - المجلس المركزي أو الميثاق الوطني، وتلك التظاهرات ترفض كل المكونات السياسية، بل إنها تتنمر على قادة القوى السياسية، وهو مشهد غير لائق، وفي رأينا إن العملية الديمقراطية لا تتم إلا عبر الأحزاب السياسية، على الرغم من أنها ليست في مستوى تطلعات الشارع، لكن لا خيار غير ذلك من أجل المحافظة على هذا الوطن من التشرذم والضياع".

ويضيف البلول، "معلوم أن المكونات السياسية أساسها الحوار لتكملة العملية الديمقراطية، وأي قول غير ذلك سيعقد المشهد ويربكه، فلا بد من قبول بعضنا البعض، فهذه معضلة نعانيها منذ الاستقلال، أي منذ 66 عاماً، وبسببها انفصل جنوب السودان، وما يحدث الآن في الشارع هو نتيجة لعدم قبول الآخر، وهو تناقض واضح لمتطلبات المدنية التي يطالب بها الشارع الثائر، بالتالي فإن الدعوات التي تطلق في التظاهرات ناقصة".

ويتابع: "إن طرق الحل تتمثل في توافق القوى السياسية على برنامج الحد الأدنى للحفاظ على السودان، لأن المسار المتبع حالياً سيؤدي إلى كارثة حقيقية، وربما يؤدي التصعيد الثوري في الشارع إلى انقلاب عسكري جديد، فإذا كان المكون العسكري في مجلس السيادة أقر في 25 أكتوبر بتنظيم انتخابات عامة في البلاد في نهاية الفترة الانتقالية وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية، فإن ما يجري في البلاد من انسداد في الأفق سيقود إلى انفلات لا يستطيع أحد السيطرة عليه، مما يتيح الفرصة لظهور جنرال جديد يقود البلد إلى متاهات وضياع الثورة بشكل كامل". 

ويرى القيادي في "الجبهة الثورية" أن "المجتمع الدولي حريص على استقرار السودان بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي، فضلاَ عن أنه لا يريد اضطرابات في هذه المنطقة لأن تأثيرها سينعكس على الغرب، خصوصاً في ما يتعلق بتمدد الجماعات الإرهابية الموجودة حالياً في غرب أفريقيا، وكذلك مسألة الهجرة غير الشرعية باعتبار أن السودان معبر رئيس لتدفق تلك المجمعات في اتجاه أوروبا، وبموجب ذلك ينشد المجتمع الدولي استقرار البلاد من خلال حكومة مدنية وفق الوثيقة الدستورية".

تحذير أميركي 

في غضون ذلك، وجهت السفارة الأميركية في الخرطوم، تحذيرات صارمة لرعاياها عشية تظاهرات الخميس. وقالت في بيان على حسابها في "فيسبوك"، "من المتوقع أن تجري تظاهرات في 6 يناير في الخرطوم، وربما في ولايات أخرى، إذ إن المواقع والأوقات الدقيقة غير معروفة، لذا يجب تجنب السفر غير الضروري، وتجنب الحشود والتظاهرات، والبقاء بعيداً".

وحثّت السفارة رعاياها في السودان على توخي الحذر إذا كان بشكل غير متوقع في محيط التجمعات الكبيرة أو الاحتجاجات، ومراجعة خططهم الأمنية الخاصة، ومتابعة وسائل الإعلام المحلية للحصول على التحديثات. 

انتقال مدني 

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، أكد الثلاثاء، أنه يجب أن يكون هناك انتقال يقوده مدنيون في السودان وسط احتجاجات في البلاد في أعقاب الانقلاب العسكري، لافتاً إلى أن هناك حاجة إلى رؤية رئيس حكومة مقبل في السودان يتمتع بصدقية (لدى) الشعب السوداني، ويجب أن تبقى العملية الانتقالية بقيادة مدنية.

وأكد برايس، "نواصل الاعتقاد أن الإعلان الدستوري في السودان لعام 2019 يعبر عن تطلعات الشعب السوداني ويمثل خريطة طريق للتحرك إلى الأمام"، محذراً من أن الولايات المتحدة تدرس "جميع الخيارات" المتاحة أمامها، في تلويح بإمكانية فرض عقوبات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ودعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الجيش السوداني إلى عدم تعيين رئيس وزراء من جانب واحد في أعقاب استقالة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك.

وقالت الترويكا المعنية بالسودان، وتضم الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، إنها "لن تدعم رئيساً للوزراء أو حكومة تُعيّن من دون مشاركة مجموعة واسعة من أصحاب الشأن المدنيين"، كما جاء في بيان مشترك.

وقالت الجهات الأربع، إنها لا تزال تؤمن بالانتقال الديمقراطي في السودان، الذي أُعلن في 2019 عقب تظاهرات حاشدة. وقالت، "في غياب تقدم، سننظر في تسريع الجهود لمحاسبة أولئك الذين يعرقلون العملية الديمقراطية". 

ودعت الترويكا والاتحاد الأوروبي إلى إجراء انتخابات وبناء مؤسسات تشريعية وقضائية مستقلة.

وجاء في البيان، "إن أي تحرك أحادي الجانب لتعيين رئيس وزراء جديد وحكومة من شأنه أن يقوض صدقية تلك المؤسسات ويهدد بإغراق البلاد في نزاع".

وأضاف، "لتجنب ذلك، نحض بقوة أصحاب الشأن على الالتزام بحوار فوري بقيادة سودانية يسهله المجتمع المدني لمعالجة تلك المسائل وغيرها من المسائل المرتبطة بالفترة الانتقالية".

وحذرت مرة أخرى من أسلوب تعاطي الجيش مع التظاهرات في الشارع. ودعا في بيانها إلى "حماية حق الشعب السوداني في التجمع سلمياً والتعبير عن مطالبه".

جدول تصعيدي

وتُعد مسيرات الخميس الـ15 منذ إعلان قائد الجيش السوداني حالة الطوارئ وفض الشراكة مع المدنيين وتعطيل الوثيقة الدستورية الموقعة بين المكونين المدني والعسكري، وهي الثانية منذ تقديم حمدوك استقالته رسمياً احتجاجاً على ما وصفه بحالة التشرذم بين القوى السياسية السودانية، وعجزه عن إنجاز التوافق السياسي الوطني الذي ظل ينادي به من خلال مبادرات عدة طرحها خلال توليه رئاسة الوزراء.

وتسبب التواصل المستمر للتظاهرات التي تندلع هذه الأيام في مدن العاصمة المثلثة في إحداث حالة من الاختناق المروري والأمني والسياسي في شوارع الخرطوم، وسط جداول معلنة من "لجان المقاومة" لمسيرات طوال يناير الحالي، تحت شعار "لا شراكة لا تفاوض لا مساومة". وأعلن المكتب الميداني لـ"تنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم"، الجمعة 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الجدول التصعيدي لمسيرات يناير التي تشمل أيام 6 و12 و17 و24 و30، مؤكداً أن التصعيد سيتواصل، ولن يتوقف إلا برحيل المكون العسكري من المشهد السياسي وتسليم السلطة للمدنيين.

المزيد من العالم العربي