Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطفال لبنان بين الفقر والعنف الجسدي والنفسي والجنسي

أزمات ومعاناة متوالية والأسر تكافح لتأمين لقمة العيش

"أزمة لبنان تهدد حاضر ومستقبل ملايين الأطفال، وهناك حاجة لحمايتهم من سوء المعاملة والأذى والعنف" (اندبندنت عربية)

يعيش أطفال لبنان مرحلة في غاية القسوة، عنوانها، "الحرمان من أبسط مقومات الحياة الكريمة"، ويشكل هؤلاء الشريحة الأكثر هشاشة في مواجهة الانهيار المالي والاقتصادي، فهم معرضون لمخاطر نقص الغذاء، وتردّي الخدمات العامة في قطاعات التعليم، والصحة، ووقوعهم ضحايا أشكال مختلفة من العنف والاستغلال. وتحت وطأة الأزمات، يضطر الأطفال في لبنان إلى هجر مرحلة الطفولة باكراً، وممارسة حياة الكبار، وتزداد المعاناة عند الفئات المهمشة والأكثر ضعفاً كاللاجئين، والمصابين بأمراض مزمنة، أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وخلص تقرير صادر عن منظمة "اليونيسف" إلى أن طفلاً من بين كل طفلين في لبنان معرّض لخطر العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي، في الوقت الذي تكافح فيه الأسر لمواجهة الأزمة المتفاقمة في البلاد.

وحذر التقرير الذي صدر في بيروت، بتاريخ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2021، من "بدايات مظاهر العنف"، لافتاً إلى أن نحو 1.8 مليون طفل، يعيشون في كنف الأزمات، أي أكثر من 80 في المئة من الأطفال في لبنان، وهم يعانون الآن  فقراً متعدد الأبعاد، بعد أن كان العدد نحو 900 ألف طفل عام 2019، وهم يواجهون خطر تعرضهم للانتهاكات، ولا سيما عمالة الأطفال، أو زواج الأطفال، بهدف مساعدة أسرهم في تغطية النفقات.

أطفال في الشوارع والمقاهي

حيثما تجوّلت في لبنان خلال أوقات الدراسة، تجد أعداداً متزايدة من الأطفال في الشوارع والمقاهي، يتسولون أو يعملون في الحرف التي لا تتطلب مؤهلات علمية وخبرات متقدمة، وتتعدد جنسيات هؤلاء الأطفال، ولكن يغلب عليها اللبنانية والسورية.

حسن (12 عاماً)، يعمل في أحد المقاهي الشعبية لقاء 60 ألف ليرة لبنانية أسبوعياً (أقل من ثلاثة دولارات)، وبدوام يتجاوز 14 ساعة يومياً خلال أيام نهاية الأسبوع، ويساهم الفتى الصغير في إعالة أسرته من خلال عمله في المقهى الذي يرتاده رجال كبار في السن، ولا يخلو الأمر أحياناً من تعرّضه لبعض الإساءات اللفظية.

وينتمي حسن إلى شريحة من العمال الذين يستعين بهم أصحاب العمل من أجل التوفير، نظراً لانخفاض الأجور والضمانات الاجتماعية التي يطالب بها هؤلاء، ومثل حسن، هناك أطفال آخرون يعملون في توزيع السلع من المحال إلى المنازل لقاء أجور زهيدة.

رحلة البحث عن الغذاء

وجه آخر لمعاناة أطفال لبنان، حيث أصبح من المتعذر على الأهل شراء الحلوى والشوكولاتة، مثلاً، كما كانت الحال سابقاً. وتتحدث إحدى السيدات عن معاناتها، فتقول، "أتجنب إدخال ابني معي إلى السوبرماركت، لئلا يختار الأنواع الغالية من الشوكولاتة". وفي عملية حسابية بسيطة، فإن تكلفة سلة تحتوي بعض ما يشتهيه الأطفال تساوي تكلفتها الأسبوعية الحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة لبنانية (نحو 25 دولاراً).

كما تزداد المعاناة لتأمين حليب للأطفال الرضع، وتقول إحدى الأمهات، "كنت أقضي نهاراً كاملاً خارج المنزل، أتنقل من صيدلية إلى أخرى بحثاً عن علبة حليب وصل سعرها لاحقاً إلى 15 دولاراً أميركياً"، مع صعوبة في تأمينها، ما اضطرها إلى التواصل مع صديقات لها في الخارج لإرسال الحليب إلى لبنان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمعاناة مع تأمين حليب الأطفال تنسحب أيضاً على الحفّاضات والأدوية، في مُوازاة عدم قدرة الأهل على تأمين الخدمات الصحية والطبية للأطفال الصغار.

التحرش الجنسي

وإلى ما سبق، تقدمت قضية تعرّض فتيات قاصرات، في إحدى المدارس، شمال لبنان، (ثانوية جورج صراف)، لتحرش جنسي، ولجأت الطالبات إلى مواقع التواصل الاجتماعي للإبلاغ عن تعرضهنّ لأشكال مختلفة من التحرش الجنسي اللفظي والجسدي، في فترات متلاحقة، خلال حصة التربية المدنية في التعلم الحضوري، وعن بعد، ما اضطر وزارة التربية اللبنانية إلى إعلان فصل المدرس، وإحالته إلى القضاء، واستبدال مدير المدرسة بآخر جديد.

المنظمات الأممية تحذر

وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقدته الأمم المتحدة و"اليونيسف"، في معرض صدور التقرير عن أحوال أطفال لبنان، أكدت نجاة معلا مجيد، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد الأطفال، أن "أزمة لبنان تهدد حاضر ومستقبل ملايين الأطفال. هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى لضمان حمايتهم من سوء المعاملة والأذى والعنف وحماية حقوقهم".

ويبيّن التقرير الذي أعدته منظمة "اليونيسف" أن عدد حالات الاعتداء على الأطفال والحالات التي تعاملت معها المنظمة وشركاؤها ارتفع بنحو النصف تقريباً، بحدود 44 في المئة، بين أكتوبر (تشرين الأول)، 2020، وأكتوبر 2021، وفي الأرقام، ارتفعت الاعتداءات من 3913 حالة الى 5621 حالة.

تعدد المخاطر

ولم يكتفِ تقرير "اليونيسف" بالإشارة إلى تزايد الاعتداءات التي تطاول الأطفال، وإنما توجه إلى تسليط الضوء على ما سمّاه "سلسلة من التهديدات المتزايدة لسلامة الأطفال"، وتضم القائمة عدداً كبيراً من التهديدات التي تتداخل مع الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ويأتي في مقدمها، ارتفاع عمالة الأطفال، وبحسب المسح الميداني، فقد أجاب أكثر من نصف من شملهم الاستطلاع، الذي أجرته "اليونيسف" مع المنظمات الشريكة في سبتمبر (أيلول)، أي نحو 53 في المئة، أن عمالة الأطفال، وتأثيرها على أمان هؤلاء الأطفال، مصدر قلقهم الأول، وهذه النسبة كانت قبل ثلاثة أشهر 41 في المئة فقط.

وفي استطلاع أجرته "اليونيسف" في أكتوبر، قالت، إن 12 في المئة من الأسر المشمولة بالاستطلاع أرسلت طفلاً واحداً على الأقل إلى العمل. وهذه النسبة لم تكن تتجاوز قبل ستة أشهر تسعة في المئة، وبحسب المنظمة الدولية التي تعنى بالأطفال والتعليم، "يعمل الآن أطفال لا تتجاوز أعمارهم ست سنوات، في المزارع والشوارع وبيع الوقود بصورة غير قانونية، ما يعرضهم لخطر الحروق الخطيرة، وحتى الموت".

من ناحية أخرى، تواجه الفتيات الصغيرات خطر الزواج (التزويج) المبكر، سعياً من أسرهنّ للحصول على مهر، وفي الأرقام، واحدة من كل خمس فتيات سوريات تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً في لبنان متزوجة.

ولاحظت منظمات المجتمع المدني ارتفاعاً في حالات العنف المنزلي، إذ ارتفعت نسبة الفتيات والنساء اللبنانيات اللاتي لجأن للحصول على خدمات برنامج "العنف القائم على النوع الاجتماعي" بشكل حاد في السنوات الثلاث الماضية، من 21 في المئة من إجمالي الحالات عام 2018، إلى 26 في المئة عام 2019، وصولاً إلى 35 في المئة عام 2020.

الصحة النفسية في تراجع

كذلك، فإن الصحة النفسية بين فئات الشباب إلى تراجع، وبيّن استطلاع أجرته "اليونيسف"، أن واحداً من كل أربعة مراهقين يشعرون بالاكتئاب في معظم الأحيان. وحذرت "اليونيسف" من أنه "مع ازدياد معاناة الأسر فقراً وعوزاً، يخشى من ازدياد عدد الأطفال الذين ينتهي بهم المطاف منفصلين عن الأسرة، وارتفاع عددهم في مؤسسات الرعاية"، كما يلفت التقرير إلى "توثيق تهديدات جديدة للأطفال مع تزايد غرق الأسر في دوّامة اليأس، إذ تتخلى أسر، تعاني العوز، عن أطفالها الرضّع في الشوارع، إضافة إلى زيادة خطر اختطاف الأطفال مقابل فدية مالية".