Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سوريون موعودون بحياة كريمة في بريطانيا يعتاشون على القمامة في لبنان

في حين يدين الوزراء أولئك الذين يعبرون القنال الإنجليزي بالقوارب، يقولون إن على اللاجئين البحث عن طرق قانونية آمنة للوصول إلى بريطانيا. لكن المئات الذين وُعدوا بملاذ آمن منذ فترة طويلة ما زالوا ينتظرون، وتزداد معيشتهم بؤساً في بلد اقتصاده منهار

حنان تجلس مع ابنها الهزيل فراس المصاب بالشلل الدماغي (بيل ترو)

تعيش إحدى عائلات اللاجئين السوريين في فقر مدقع، لدرجة أنها لجأت هذا الأسبوع إلى النبش في حاويات القمامة بحثاً عن الطعام. تقول سلمى البالغة من العمر 49 سنة من شقتها المتواضعة في العاصمة اللبنانية بيروت، إن أسرتها المكونة من خمسة أفراد لم تذق طعم اللحم منذ عامين وغالباً ما يغمى عليهم من الجوع. تفتح الثلاجة التي تمتلكها العائلة: إنها مليئة بالفاكهة المتعفنة فقط، غنيمة النبش في القمامة يوم أمس.

بعد مقتل زوجها في قصف عنيف عام 2014 على مدينتهم، حلب، فرت سلمى مع أطفالها إلى لبنان، الذي يعاني هذا العام أسوأ الانهيارات الاقتصادية في التاريخ الحديث. تجاوز معدل التضخم نظيريه في فنزويلا وزيمبابوي، وقُطع الدعم الحكومي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية أكثر من أربعة أضعاف وكلفة الأدوية ستة أضعاف.

بالنسبة إلى سلمى، يعني هذا أنها غير قادرة على إطعام أطفالها الذين يعانون سوء التغذية أو تحمل تكاليف العلاج الطبي لابنتها الكبرى آية ابنة الأربعة والعشرين ربيعاً، التي تعاني مرضاً دماغياً حاداً يفقدها القدرة على الكلام أو إطعام نفسها. وبسبب تأخر الأسرة عن دفع إيجار الشقة ستة أشهر، تواجه الآن الإخلاء المحتم.

لكن ليس من المفترض أن تكون عائلة سلمى في هذا الوضع. ففي حين أن الحكومة البريطانية تدين اللاجئين الذين يحاولون الوصول إلى المملكة المتحدة عبر قطع القنال الإنجليزي بالقوارب، يقول الوزراء إنه ينبغي على هؤلاء تقديم طلب لجوء من الخارج عبر وسائل آمنة وقانونية. وفي أعقاب حوادث الغرق المأساوية التي وقعت الأسبوع الماضي، سلطت وزيرة الداخلية بريتي باتيل الضوء في مجلس العموم على برامج الحكومة لإعادة التوطين، بما في ذلك بالنسبة إلى اللاجئين السوريين، قائلة للنواب إن على بريطانيا "التصرف بالشكل الصحيح حيال الأشخاص الفارين من الاضطهاد".

تقدمت سلمى بطلب لإعادة توطين أسرتها في المملكة المتحدة، ووافقت الحكومة البريطانية على ذلك في عام 2018، وهي عملية كان من المفترض أن تستغرق بضعة أشهر فقط. لكن لم يحدث أي تقدم واضح بعد مرور نحو أربع سنوات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الواقع، إن سلمى وعائلتها من بين 460 لاجئاً سورياً في لبنان -وأكثر من 2000 في أنحاء العالم- قُبلوا في برنامج إعادة التوطين في المملكة المتحدة، لكن الأمم المتحدة تقول إنهم ما زالوا بعد سنوات ينتظرون نقلهم. وبدلاً من ذلك، هم عالقون في وضع متدهور وصفته الجماعات الحقوقية بأنه "مشين" و"خطير فعلياً".

تقول سلمى باكية "نحن لا نعرف ما سبب التعطيل، ولماذا تخلوا عنا؟"، موضحة عدم قدرتها حتى على تحمل تكاليف الفوط الصحية لابنتها المعوقة، واضطرارها بالتالي إلى استخدام الخرق.

مضيفة "أنا على حافة الانهيار. لا يوجد عمل ولا فرص عمل ولا طعام، وقريباً ربما لن يكون هناك منزل. أتمنى في بعض الأحيان لو أنني متُّ في تلك الغارة الجوية التي قتلت زوجي بدلاً من العيش في هذا الجحيم".

في الجانب الآخر من الحي الجنوبي المتداعي، هناك عائلة سورية لاجئة أخرى مكونة من خمسة أفراد وُعدت أيضاً بإعادة التوطين في المملكة المتحدة في عام 2018.

 

مثلما حدث مع سلمى، أجرت حنان وعائلتها مكالمة عبر سكايب في ذلك العام مع ممثل من الحكومة البريطانية أخبرهم أن إعادة التوطين ستستغرق أربعة أشهر فقط.

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، لا تستطيع حنان التوقف عن البكاء وهي تمسك بابنها فراس، المصاب بالشلل الدماغي وشديد النحول لدرجة أنه يبدو كهيكل عظمي. بينما تتلوى ابنتها بتول، التي تعاني أيضاً نفس الحالة، وهي راقدة على ظهرها.

تقول السيدة البالغة من العمر 32 سنة "أنا على وشك الانهيار العقلي الكامل. لا يمكنني أن أفهم، لقد مرت سنوات منذ أن وعدونا"، وتتابع المرأة واصفة كيف يتعين على أسرتها استجداء الأصدقاء للحصول على المال لدفع ثمن الأدوية المنقذة لحياة طفليها "لماذا منحتنا المملكة المتحدة الأمل ثم تخلت عنا؟".

هناك لاجئون منتشرون في لبنان ومصر وتركيا والأردن والعراق حصلوا على موافقة على إعادة توطينهم من قبل الحكومة البريطانية، لكنهم منسيون وعالقون في ظروف معيشية متدهورة بشدة.

يعد توقف السفر الذي فرضه الوباء العالمي مسؤولاً جزئياً عن التأخيرات. لكن تثار تساؤلات حول سبب استغراق إعادة توطين هذه العائلات وقتاً طويلاً بعدما استؤنفت الحركة في العالم إلى حد كبير.

وبينما نُقلت بعض العائلات نتيجة تدخل محامين بريطانيين، فمن غير الواضح كم سيستغرق نقل جميع هؤلاء اللاجئين - أو ما إذا كانت ستتم إعادة توطينهم في المملكة المتحدة على الإطلاق.

التزم برنامج إعادة توطين الأشخاص الأشد حاجة في المملكة المتحدة، الذي انتهى في مارس (آذار) هذا العام، باستقبال 20 ألف لاجئ من سوريا بين عامي 2015 و2020. وقد تم استبداله في فبراير (شباط) خطة إعادة التوطين في المملكة المتحدة به، التي تعهدت في الأصل بإعادة توطين 5000 لاجئ من دول مثل سوريا وأفغانستان والسودان في أول عام.

لكن وزارة الداخلية تراجعت عن الهدف هذه السنة وقالت إن الأرقام ستظل عوضاً عن ذلك "قيد المراجعة"، مما أثار مخاوف في صفوف الجمعيات الخيرية والمشرعين في المملكة المتحدة ووكالة الأمم المتحدة للاجئين. تشير الإحصاءات إلى أنه بحلول سبتمبر (أيلول) تمت إعادة توطين 770 شخصاً فقط خلال عام بموجب خطة إعادة التوطين في المملكة المتحدة، حيث بلغ مجمل اللاجئين الذين استقبلتهم بريطانيا بموجب مخططاتها كافة 1171 شخصاً.

رفضت وزارة الداخلية التحدث عن حالات محددة لكنها قالت لـ"اندبندنت" إن لدى المملكة المتحدة "تاريخاً طويلاً في دعم اللاجئين المحتاجين إلى الحماية". وقال متحدث إن بريطانيا أعادت توطين أكثر من 25 ألف لاجئ منذ عام 2015 وإنها "ملتزمة" بخطة إعادة التوطين في المملكة المتحدة.

وأضاف المتحدث "يعتمد عدد اللاجئين الذين نعيد توطينهم كل عام على مجموعة متنوعة من العوامل، بما فيها قدرة السلطات المحلية على دعم اللاجئين ومواصلة التعافي من الجائحة".

لكن مسؤولي الأمم المتحدة يعتقدون أن ما قُدم ليس كافياً، ودقوا ناقوس الخطر قائلين إن آلاف اللاجئين تُركوا و"حياتهم معلقة فعلياً".

وقالت المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين لورا بادون لـ"اندبندنت" "هؤلاء لاجئون صنفناهم على أنهم محتاجون بشكل خاص... يعيش الكثير منهم في أوضاع هشة للغاية - يسكن بعضهم في مساكن مكتظة وخربة بينما تعتمد عائلات أخرى على عمل أطفالها لإعالتها. ضروري أن يتمكنوا من الحضور إلى المملكة المتحدة من دون مزيد من التأخير".

 

يوجد نحو ربع هؤلاء اللاجئين في لبنان، البلد الذي تقول جماعات حقوقية إنه من أصعب البيئات بالنسبة إلى أولئك الفارين من الصراع بسبب الانهيار الاقتصادي غير المسبوق.

أدى ظهور وباء كورونا العام الماضي إلى تسريع الانهيار، بالإضافة إلى تفجير مرفأ بيروت في أغسطس (آب) الماضي الذي أسفر عن مقتل 200 شخص وتدمير مساحات شاسعة من العاصمة.

ومنذ العام الماضي، فقدت العملة اللبنانية أكثر من 95 في المئة من قيمتها، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية. اضطرت الحكومة التي تعاني ضائقة مالية إلى إلغاء الكثير من الدعم، ما يعني ارتفاع تكلفة الأدوية والمحروقات خمسة أو ستة أضعاف. كما أن الحكومة غير قادرة على شراء الوقود لمحطات توليد الطاقة، وبالتالي لا يصل التيار الكهربائي الذي تولده الدولة إلى المنازل لأكثر من ساعتين يومياً.

وكان مسؤولون في الأمم المتحدة قالوا لـ"اندبندنت" في يوليو (تموز) إن 99 في المئة من اللاجئين السوريين البالغ عددهم مليوناً في لبنان يعيشون الآن تحت خط الفقر المدقع، أي إنهم مثل عائلتي سلمى وحنان لا يمتلكون طعاماً ولا يمكنهم تحمل تكاليفه.

دفعت شدة الأوضاع الأمم المتحدة إلى التحذير هذا العام من أن لبنان معرض لخطر المجاعة. اضطر اللاجئون السوريون في ظل تدهور الظروف وعدم توفر معلومات جديدة من الحكومة البريطانية إلى الاعتماد على الجمعيات الخيرية وشركات المحاماة المتعاونة معها للضغط من أجل قضاياهم.

خلال الأشهر الأخيرة، أحيلت عشر عائلات سورية لاجئة يعيش معظمها في لبنان إلى هانا بينس التي تعمل في شركة دنكان لويس للمحاماة.

أمَّنت بينس إعادة التوطين لخمس عائلات بعد رفع دعوى قضائية، لكنها تخشى أن تكون المشكلة "أكثر انتشاراً" من الحالات التي راجعتها وتولت أمرها. وحثت المملكة المتحدة على اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الطلبات ونقل العائلات.

قالت بينس "نحن قلقون من أن الحالة تزداد سوءاً مع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي في لبنان... بينما ندرك أن الوباء تسبب في تأخيرات لا مفر منها، يبدو أنه تم نسيان هذه العائلات منذ إعادة فتح الحدود".

في غضون ذلك، يُترك اللاجئون لمصيرهم.

تقول عائلة سلمى إن القضية الأكثر إلحاحاً هي الحفاظ على مسكن لعائلتها. لا يمكن لسلمى ولا زوجها الجديد بسام اللاجئ السوري البالغ من العمر 42 سنة العثور على عمل رسمي، حيث صادرت السلطات وثائقهما بعد انتهاء صلاحيتها، وهي مشكلة شائعة يواجهها اللاجئون في لبنان.

يعمل بسام في وظائف متفرقة عندما يتوفر له ذلك، لكنه لم يتمكن هذا الشهر من كسب أكثر من 200 ألف ليرة لبنانية (ما يعادل 6.50 جنيه استرليني أو أقل من تسعة دولارات). تخلفت الأسرة عن سداد إيجار الشقة ستة أشهر وتواجه تعرضها للإخلاء [الطرد] للمرة الثالثة منذ فرارها إلى لبنان قبل سبع سنوات.

قال بسام لـ"اندبندنت" "كثيراً ما يُغمى على الأطفال بسبب الجوع، ولذلك أُجبر أحياناً على النبش في القمامة للعثور على طعام لهم. والآن من المحتمل أن نطرد من منزلنا"، وأقر أن الرغبة في الانتحار بدأت تراوده "لقد وعدتنا المملكة المتحدة بأنها ستمنحنا مسكناً لكنها تخلت عنا. كيف يمكنها أن تكون بهذه القسوة وتعطينا أملاً كاذباً؟".

في جنوب بيروت، توضح حنان أنه يتعين عليهم الاعتماد على الصدقات لشراء الأدوية المنقذة لحياة طفليها.

تكلف جرعات الأدوية الكافية لشهر نحو 60 جنيهاً استرلينياً، وهو ضعف الدخل الشهري الذي يتقاضاه عمر زوج حنان. تقتات الأسرة معظم الوقت على الزيت النباتي والزعتر.

تقول حنان مع اقتراب فصل الشتاء "تتوفر الكهرباء لمدة ساعتين يومياً وهي غير كافية لتدفئتنا. هناك ثقوب في جدار المبنى وليس لدي ملابس دافئة للأطفال".

ويقول عمر إن الأمم المتحدة منحتهم قسائم تكفي بضعة أشهر فقط يمكنهم استبدالها في محلات السوبر ماركت، لكنها تجاهلتهم في مسائل أخرى. ويتابع بيأس "أنا أعمل 14 ساعة في اليوم وأشعر أنني منهك، لكنني لا أريد الاعتماد على أحد ما أو على الصدقات... أريد أن أشعر بأنني إنسان لا أقل ولا أكثر... الظروف سيئة للغاية، أخشى أن يموت أطفالي على هذا المنوال. ماذا فعلنا لنستحق هذا؟".

لكن اللاجئين ليسوا الوحيدين الذين يشعرون باليأس في لبنان.

فالمواطنون اللبنانيون يكافحون أيضاً من أجل تأمين لقمة عيشهم والاحتفاظ بسقف فوق رؤوسهم، الأمر الذي تُرجم إلى غضب ضد اللاجئين الذين يحصلون بشكل متقطع على الدعم من منظمات مثل الأمم المتحدة. قالت عائلة حنان إنها تعرضت لاعتداءات عنصرية.

تحذر كاترين هيرمانك من منظمة "بوردر فري" السويسرية غير الحكومية ومقرها لبنان، من أن اللاجئين عرضة للاستغلال الجماعي.

تقول "لم يتلق بعضهم راتباً منذ أكثر من عام. إنها بالتأكيد حالة عبودية حديثة... إنهم يعملون طوال الوقت، لكن ليس لديهم أي بديل حقاً".

الوضع قاتم كثيراً لدرجة أن بعض اللاجئين قالوا لـ"اندبندنت" إنهم يفكرون في العودة إلى سوريا، حيث ما زالت الحرب دائرة.

تقول ناديا هاردمان من منظمة هيومن رايتس ووتش إن المجموعة وجدت أن اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا يواجهون الاضطهاد على أيدي الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها، بما في ذلك التعذيب والقتل من دون محاكمة وعمليات الخطف.

مضيفة "إن مستويات الديون التي يغرق فيها اللاجئون السوريون في لبنان هائلة، فهم غير قادرين على دفع الإيجار وتحمل تكاليف السكن. يجعل معدل التضخم المتزايد الحياة مكلفة ومتعذرة تعصى على التحمل... ما لا نريد رؤيته هو اتخاذ الناس قرار العودة إلى سوريا، إنها ليست آمنة".

بالعودة إلى بيروت، تزور العائلات بشكل يائس وغير مجد مكاتب الأمم المتحدة وتنتظر بفارغ الصبر مكالمة هاتفية أو رسالة.

تقول سلمى بيأس، بينما بدا الانزعاج واضحاً على آية بسبب دموع أمها "أضرم العديد من اللاجئين السوريين النار بأنفسهم بسبب الوضع الاقتصادي الاجتماعي... لا أستطيع حتى توفير الحفاضات [الفوط] لابنتي أو تأمين الطعام. أخاف عدم توفر الطعام أو الملابس أو البطانيات أو الكهرباء في الشتاء. لا يمكننا الصمود هكذا".

© The Independent