ملخص
أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده تسعى إلى وقف النزاع في السودان والتوصل إلى هدنة إنسانية مع مطلع العام المقبل في وقت أشارت مصادر مطلعة إلى أن القيادتين السعودية والأميركية قدمتا ثلاث نقاط رئيسة إلى قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان تهدف إلى إنهاء الحرب وتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية ونقل السلطة فعلياً إلى حكومة مدنية.
أعلنت قوات "الدعم السريع" أمس الجمعة سيطرتها على بلدة برنو التي تقع غرب مدينة كادوقلي (على بعد 40 كيلومتراً) وجنوب الدلنج (على بعد 90 كيلومتراً).
يأتي ذلك بينما يسعى الجيش السوداني إلى فك الحصار الخانق الذي تفرضه قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو لأكثر من عامين على مدينتي كادوقلي والدلنج أكبر مدن ولاية جنوب كردفان اللتين تتعرضان منذ أسابيع لقصف مستمر من تلك القوات باستخدام المدافع الثقيلة والطيران المسير.
وبحسب بيان لـ"الدعم السريع" فإن قواتها سيطرت على هذه البلدة بعد معارك عنيفة حشد فيها الجيش قوات مدعومة بالمدرعات والمدفعية، وبادر بالهجوم.
وتابع البيان "توغلت قواتنا في الساعات الأولى من الصباح إلى وسط البلدة (برنو)، ونشرت ارتكازات عسكرية في محيطها، في خطوة تعزز الانتشار وتأمين المواقع الحيوية"، مؤكداً تعهد "الدعم السريع" حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وتوفير الخدمات الأساسية.
لكن مصادر مقربة للجيش أفادت بأن قوات "الدعم السريع" المسنودة بالحركة الشعبية - شمال هي من بادرت بالهجوم على دفاعات الجيش في بلدة برنو، حيث استبقت هذا الهجوم بقصف مدفعي وجوي بالمسيرات، مما أدى إلى انسحاب قوات الجيش المتمركزة في هذه البلدة باتجاه مدينة كادوقلي لترتيب صفوفها والعودة لاستعادتها.
وبثت عناصر تابعة لـ"الدعم السريع" من خلال حسابات موالية لتلك القوات مقاطع فيديو تظهر سيطرتها الكاملة على بلدة برنو، فضلاً عن توعدهم بالتقدم نحو مدينة كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان.
وكان الجيش استعاد سيطرته على هذه البلدة من قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
ويمر ببلدة برنو الأنبوب الذي ينقل نفط السودان وجنوب السودان إلى ميناء بورتسودان، حيث تقع البلدة على الطريق المعبد الرابط بين كادوقلي ومناطق هجليج غرب كردفان.
إسقاط مسيرة بالأبيض
في الأثناء نجحت وحدات الدفاع الجوي التابعة للجيش في إسقاط مسيرة استراتيجية تابعة لـ"الدعم السريع" فوق أجواء مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وذلك في ضوء اليقظة المستمرة لتأمين المدينة وحماية منشآتها الحيوية.
وبينت مصادر عسكرية أن التعامل مع المسيرة تم بدقة عالية، من دون تسجيل أي خسائر بشرية أو مادية، مؤكدة أن الوضع الأمني في المدينة مستقر وتحت السيطرة الكاملة.
وأشارت السلطات المتخصصة إلى استمرار حالة الجاهزية والرصد لأي محاولات تهديد، مع اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المواطنين والحفاظ على الأمن العام.
تزايد النزوح
تسبب اشتداد القتال واتساع رقعة العنف في إقليم كردفان، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، في نزوح أكثر من 50 ألف شخص خلال الآونة الأخيرة.
وأكد رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان محمد رفعت أن الناس في السودان لا يرحلون من مناطقهم باختيارهم، بل يفرون بحثاً عن الأمان. وأوضح أن موجات النزوح في كردفان جاءت نتيجة تصاعد العنف، إذ فر السكان من بلدات عدة، من بينها بابانوسة وكادوقلي والعبيد، وسط مخاوف متزايدة على سلامة المدنيين.
وأشار إلى تقارير تفيد بأن قوات "الدعم السريع"، إلى جانب مقاتلين متحالفين معها من الحركة الشعبية - شمال، قصفت مباني سكنية في مدينة الدلنج بجنوب كردفان خلال الساعات الـ48 الماضية.
ولفت رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان إلى أنه في حال استمرار القتال، تقدر المنظمة احتمال نزوح ما بين 90 ألفاً و100 ألف شخص من كادوقلي وحدها، مشيراً إلى أن مدينة العبيد قد تكون على بعد خطوة أو خطوتين من هجوم مماثل، مما قد يؤثر في أكثر من نصف مليون شخص.
كارثة إنسانية
إلى ذلك أفادت غرفة طوارئ بابنوسة بتعرض مستشفى المدينة المدني الذي يعد من أهم المرافق الصحية ويخدم آلاف المواطنين من بابنوسة والمناطق المجاورة لدمار كبير نتيجة الاشتباكات التي جرت بين الجيش و"الدعم السريع"، مما تسبب في توقف تقديم الخدمات الصحية الأساسية وحرمان المرضى من حقهم في العلاج بخاصة النساء والأطفال وكبار السن.
وقالت الغرفة في بيان لها إن "استمرار توقف المستشفى عن العمل ينذر بكارثة إنسانية حقيقية ويضاعف من معاناة المواطنين في مدينة بابنوسة".
وأظهرت صور نشرتها غرفة الطوارئ حجم الخراب الذي طال المستشفى، إذ انهارت أجزاء من المباني وتضررت الأسقف والجدران، وتحولت أقسام كانت مخصصة لإنقاذ الأرواح إلى مرافق غير صالحة للاستخدام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعرضت مدينة بابنوسة خلال عام ونصف العام لحصار عنيف من قبل قوات "الدعم السريع"، وشهدت المدينة معارك عنيفة بين القوتين المتحاربتين، مما دفع مئات الأسر إلى هجر المكان، واللجوء إلى مناطق أكثر أمناً في محيط ولاية غرب كردفان وفي مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان.
وفي الأول من ديسمبر (كانون الأول) الحالي أعلنت قوات "الدعم السريع" سيطرتها على مدينة بابنوسة الاستراتيجية، وذلك بعد انسحاب قوات الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش من المدينة صوب دولة جنوب السودان.
وسبق أن ناشدت غرفة طوارئ بابنوسة المواطنين بعدم التسرع في العودة إلى المدينة نظراً إلى أن الأوضاع لا تزال خطرة، في ظل انتشار الأسلحة المتفجرة، وغياب الخدمات الرئيسة.
جهود وقف الحرب
دولياً أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده تسعى لوقف النزاع في السودان والتوصل لهدنة إنسانية مع مطلع العام المقبل. في وقت أشارت مصادر مطلعة إلى أن القيادتين السعودية والأميركية قدمتا ثلاث نقاط رئيسة إلى قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان تهدف إلى إنهاء الحرب وتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية ونقل السلطة فعلياً إلى حكومة مدنية.
وأكد روبيو في مؤتمر صحافي تواصل واشنطن مع السعودية والإمارات بهدف وقف العمليات العدائية في السودان والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية. وقال إن "الفظائع في السودان لا يمكن أن تتواصل ونحاول جمع طرفي الصراع على طاولة المفاوضات"، موضحاً أن كل طرف في السودان يعتقد أنه يحقق انتصارات على الأرض.
ونوه وزير الخارجية الأميركي بأنه تناول مسألة تزويد أطراف خارجية السودان بالأسلحة في محادثات مع دول منها الإمارات، مؤكداً أن بلاده تسعى لوقف تدفق السلاح من الخارج.
وتأتي هذه التحركات في سياق المبادرة السعودية - الأميركية التي انطلقت منذ الأسابيع الأولى للصراع عبر منبر جدة، والتي تسعى لإيجاد أرضية مشتركة لوقف العدائيات وحماية المدنيين.
وأشارت المصادر إلى أن الإدارة الأميركية، التي تولي ملف السودان اهتماماً تحت الإشراف المباشر للرئيس دونالد ترمب، قد تلجأ إلى خيارات بديلة وأدوات ضغط أخرى إذا استمر أي طرف في رفض قبول الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار، لا سيما في ظل التداعيات الكارثية للقتال في إقليمي دارفور وكردفان.
وطرحت دول الرباعية التي تتكون من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر خريطة طريق في سبتمبر (أيلول) الماضي تهدف إلى التوصل لهدنة إنسانية ووقف لإطلاق نار ومن ثم البدء في عملية سياسية تعيد السودان لمسار الانتقال المدني.
ذكرى ثورة ديسمبر
فضت الشرطة السودانية بمدينة أم درمان أمس الجمعة موكباً أعلنت عنه مجموعة "غاضبون بلا حدود" لإحياء ذكرى ثورة الـ19 من ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي أطاحت نظام الرئيس السابق عمر البشير. في وقت ضجت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بمواكب واسعة النطاق، إحياءً للذكرى السنوية لانطلاق هذه الثورة، حيث عبر آلاف الناشطين والثوار عن تمسكهم بمبادئ الثورة، مؤكدين استمرارها على رغم الحرب والظروف الإنسانية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد.
وتعد محاولة إحياء ذكرى هذه الثورة في الشارع السوداني الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في أبريل (نيسان) 2023.
وتجمع العشرات من أنصار المجموعة في ميدان الخليفة بأم درمان قبل أن تتدخل الشرطة وتفض التجمع لدى محاولة التظاهرة الخروج للشارع، مما أدى إلى مواجهات ومطاردات استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع.
ونظم مناصرون للثورة وقفات لإحياء ذكراها في كل من بورتسودان وود مدني ورددوا شعارات تمجد الثورة وتدعو للسلام.
وفي بيان مشترك أكدت تنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم تمسكها بوحدة السودان ورفض الفوضى المسلحة، ودعت إلى حكم مدني ديمقراطي كامل السيادة.
رسالة للبرهان
سياسياً، تسلم قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، خلال استقباله أمس الجمعة بمدينة بورتسودان مبعوث الاتحاد الأفريقي لدى السودان السفير محمد بلعيش، رسالة خطية من رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف.
وأشار المبعوث الأفريقي في تصريح صحافي إلى أن اللقاء شكل فرصة قيمة للتشاور حول أنجع السبل للدفع بالجهود المبذولة وطنياً وإقليمياً ودولياً لتأمين استقرار وأمن السودان بوصفه بلداً محورياً في المنطقة وركيزة أساسية للمنظمة الأفريقية.
وأكد أنه استمع لرؤية وتحليلات القيادة السودانية الرشيدة في شأن تطورات الأوضاع وآفاق الحل، لا سيما خريطة الطريق المعلنة في فبراير (شباط) الماضي، مشدداً على الالتزام التام والثابت لرئاسة المفوضية ومجلس السلم والأمن الأفريقي بدعم سيادة السودان ووحدته.
وبين بلعيش أنه لا مجال لوجود أي مؤسسة موازية على أرض السودان وجدد تأكيد أهمية الحل السياسي السلمي عبر حوار وطني شامل، وهو ما تسعى إليه الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي، ومنظمة الإيقاد، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي.
ونوه المبعوث الأفريقي إلى أن الاتحاد الأفريقي يولي أهمية قصوى لترقية الحوار بين الفرقاء السودانيين وتعبئة الموارد لتخفيف المعاناة الإنسانية، قائلاً "نسعى مع الشركاء إلى إحلال السلام في ربوع السودان الواحد الموحد".