Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرحلة ما بعد الكولونيالية كما تجلت في الأدب العربي

الباحث محمد المسعودي بين نقد الذات الجمعية وعدم الانبهار بالآخر

الرحلة كما يتخيلها الرسام المصري محمد عبلة (صفحة الرسام على فيسبوك)

على الرغم من أن الأدب الجغرافي العربي، وفي صلبه أدب الرحلة، يُعد من أبرز حقول الكتابة في التراث العربي، فإن الثقافة العربية لم توله الاهتمام المتناسب مع أهميته، كما هي الحال في الثقافات الأخرى. غير أنه في العقدين الآخرين شهد العالم العربي اهتماماً ملحوظاً بهذا الحقل، فأولته مراكز البحث ودور النشر العناية اللازمة، وخُصصت له الجوائز القيمة، في محاولة من المهتمين الجدد، إلى تشجيع  الكتابة فيه تأليفاً ودراسةً وتحقيقاً. وتندرج في هذا الإطار السلسلة التي يصدرها مشروع "ارتياد الآفاق" في دار السويدي الإماراتية للنشر والتوزيع، وجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي التي أُنشئت سنة 2003. ولعل كتاب "الرحلة ما بعد الكولونيالية في الأدب المعاصر" (ارتياد الآفاق والمؤسسة العربية للدراسات والنشر) للباحث المغربي محمد المسعودي، الحائز الجائزة، هو أحد أواخر الإصدارات في هذا الحقل.

في كتابه، يقتفي الباحث آثار الرحلة ما بعد الكولونيالية في الأدب العربي المعاصر، من خلال تمظهرها في متون تسعة أدباء، اختبر معظمهم تجربة النفي أو التنقل عبر الأمكنة. ويرصد تمظهرات الرحلة في هذه المتون وما تطرحه من قضايا وإشكالات، ويتقصى صورة الذات والآخر والعلاقة بينهما، ويتوقف عند السمات الفنية للنصوص المختلفة. على أن وجهة الرحلة تختلف من متن إلى آخر، ويمكن تصنيفها إلى وجهات ثلاث، الرحلة إلى الغرب في الباب الأول من الكتاب، الرحلة إلى البلاد العربية في الباب الثاني، والرحلة إلى بلاد أخرى في الباب الثالث والأخير.

مقاربة المتون

يعتمد المسعودي المنهجية نفسها في مقاربة المتون الرحلية، ويتلمس الإجابة عن ماهية المعالم التي شملتها الرحلة، وكيفية تعاطي الرحالة معها، وما هي الخلاصات المستخلصة منها. وذلك بالاستناد إلى مقتبسات طويلة يبني عليها تلمسه، غير أن استثماره هذه المقتبسات لا يتعدى شرحها وإعادة صياغتها في أحيان كثيرة، دون الغوص عليها واستخراج ما تنطوي عليه من أفكار وانطباعات، ودون إخضاع هذه الأخيرة للنقد والتقويم، ما يوقع الكاتب في التكرار. وهو يتوج هذه العمليات القرائية بالكلام على السمات الفنية ومكوناتها في المتن الرحلي.

إذا كانت الرحلة الكولونيالية تستبطن عقدة نقص إزاء الآخر الغربي، يتم التعبير عنها بالسؤال المعروف، لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وتترجح بين قبول الآخر ورفضه، فإن الرحلة ما بعد الكولونيالية التي يتمحور حولها الكتاب تتحرر من عقدة النقص، وتبني سردية جديدة عن الذات، وتنحو نحو فهم الآخر المختلف والاعتراف به. وهو ما تشي به المتون المختلفة، ويستخلصه الباحث في نتيجة دراسته. وإذا كانت ما بعد الكولونيالية تقترن بظهور العولمة في مرحلة لاحقة، فإن الباحث راح يتقصى انعكاساتها المدمرة على الإنسان والمكان في أعمال الأدباء ذوي الصلة، وآليات الدفاع المستخدمة في مواجهتها، للمحافظة على الهوية والخصوصية الثقافية والحضارية. وهو ما نراه في الرحلة إلى البلاد العربية، والرحلة إلى بلاد أخرى أكثر منه في الرحلة إلى الغرب، باعتبار هذا الأخير هو صانع العولمة ومصدرها إلى سائر أنحاء العالم.

الرحلة إلى الغرب

في الرحلة إلى الغرب، يقرأ المسعودي في  متون تعود إلى المصريين خيري شلبي وجمال الغيطاني والعراقية لطيفة الدليمي، ولكل منهم وجهته ووسيلة انتقاله المختلفة عن الآخر، فييمم الأول شطر مدن غربية على متن سفينة، ويسافر الثاني إلى أميركا بالطائرة، وتزور الثالثة مدناً أوروبية ممتطية القطار. وبذلك، نكون أمام ثلاث رحلات، بحرية وجوية وبرية. تتم فيها إعادة النظر في الذات والآخر والعلاقة بينهما. ولأن المقام لا يتسع لتفصيل القول في الرحلات الثلاث، سنكتفي بإجماله في رحلة شلبي التي دون وقائعها في كتاب "فلاح مصري في بلاد الفرنجة" الصادر في سبعينيات القرن الماضي، وهو "من بين أهم نصوص الرحلة في أدبنا المعاصر، ومن أطرفها، وأخفها روحاً بما اكتسته من روح دعابة، ومن حس ساخر" (ص 35)، على حد تعبير الباحث.

من الجلي أن شلبي يتخذ من شخصية الفلاح المصري قناعاً له، ويروي رحلته بضمير الغائب، خلافاً لما جرت عليه العادة في أدب الرحلة، من ظهور الرحالة بوجهه الحقيقي، واستخدامه صيغة المتكلم في الروي، ما يمنحه القدرة على المناورة ويعزز روائية الرحلة. وهو  يجرد من ذاته الساردة  مضاعفاً ثلاثي الأبعاد، ما يكسبه حرية الحركة وتعدد زوايا النظر. يروي شلبي تجربته بلغة ساخرة، لا تخلو من الطرافة، فيقوم بتعرية الذات الجمعية، من جهة، ولا يعلي من شأن الآخر، من جهة ثانية، متحرراً بذلك من عقدة النقص إزاءه التي طبعت الرحلة الكولونيالية، لا سيما حين يكتشف أن الجميع شركاء في الفساد والاحتيال، "فالخلل شامل، والعفن إنساني" (ص 41). وحين يوازن الرحالة بين الذات والآخر، ترجح كفة الآخر على المستوى الحضاري، فيما ترجح كفة الذات على المستوى الأخلاقي.  

الرحلة إلى البلاد العربية

في الرحلة إلى البلاد العربية، يقرأ المسعودي في متون للمصري محمود السعدني والعراقي نعيم عبد مهلهل والتونسي كمال رياحي، وهي متون تختلف في وجهة الرحلة وزوايا النظر، وتتفق في المنظور إليه، الذات الجمعية والواقع العربي. ولعل رحلة العراقي نعيم عبد مهلهل، المقيم في ألمانيا، إلى مدينة طنجة المغربية، خير تعبير عن الرحلة إلى البلاد العربية، باعتبار أن الجزء يشير إلى الكل. وإذا كانت الرحلة إلى الغرب هي رحلة خارجية إلى الآخر المختلف، فإن الرحلة إلى البلاد العربية هي رحلة داخلية إلى الشبيه والقريب، ما يستدعي مقدمات أخرى ونتائج مختلفة. ووجه الشبه والقرب في الرحلة يكمن في أن الكاتب الذي يدون وقائع رحلته في كتابه "ابن بطوطة، عولمة البعير والدبابة" هو ابن مدينة أور العراقية، وبين أور وطنجة قواسم مشتركة، ثقافية وحضارية.

يرصد المسعودي تداعيات العولمة في كتاب الرحالة العراقي، وانعكاساتها على الذات، الفردية والجمعية، وعلى المدينة العربية، مما يتمظهر في: الجهل بالذات والآخر إلى حد اختصار العراق بكاظم الساهر، وحلم الناس في طنجة صغاراً وكباراً بالهجرة، واكتساح العمارات والفراغات المدينة، وتغير وظيفة المقاهي، وقيام مشكلة تواصل لغوي بين الشعوب العربية، وطفو السطحية والضحالة على سطح المشهد الثقافي.

في مواجهة هذه التداعيات والانعكاسات، يلجأ الرحالة إلى آليات دفاع من شأنها التخفيف منها، والإمساك بسحر المدينة وعطرها، وتعرية نتانة العولمة وبشاعتها، فيسترجع تاريخ المدينة وأساطيرها، ويستدعي شخصياتها التاريخية والأدبية والتراثية، وفي طليعتها ابن بطوطة الذي يتخذ من اسمه عنواناً لكتابه، وينخرط معه في حوار افتراضي، يذكر بهوية المدينة وخصوصيتها، في وجه العولمة التي تهدد الهويات وتمحو الخصوصيات.

البلدان الأخرى

في الرحلة إلى بلاد أخرى، يقرأ المسعودي في متون السوري خليل النعيمي في رحلته الهندية، والمغربي أحمد المديني في رحلته الأميركو- لاتينية، والعراقي باسم فرات في رحلاته المتعددة الوجهات. وبالتوقف عند رحلة المديني إلى أميركا اللاتينية في كتابيه "أيام برازيلية وأخرى من يباب" و"الرحلة المغربية إلى بلاد الأرجنتين والتشيلي البهية"، يقوم الباحث باستجلاء رؤية الرحالة إلى الآخر، ورصد تمثلاته عن البلاد التي زارها، وتقصي نظرته إلى الذات الجمعية، على أنه قبل أن يفعل ذلك، يطلعنا على رؤية الرحالة إلى الرحلة وحافزه على القيام بها، مستنداً إلى مقتبسات منه، فنرى أن المديني يؤكد على ذاتية الرحلة، ولا يفصل بين كتابة الرحلة وأنا الرحالة، ويعتبرها "سفراً أدبيا لوجود نسغه في ذات كاتبه المتفاعلة حتماً مع واقع" معين (ص 214). وفي هذا السياق، يرفض سياحة القطيع المبرمجة، ويهتم بالناس العاديين أكثر من اهتمامه بالمتاحف والآثار، ويصر على النزول إلى الأسواق والمقاهي والاحتكاك مع الآخر والتفاعل معه، خلافاً للمنظور الغربي الاستعلائي الإقصائي.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كان التعرف إلى الآخر شرطاً للتعرف إلى الذات، فإن الصورة التي يرسمها المديني للآخر في رحلته الأميركو- لاتينية، كما يتبين من الدراسة، تجمع بين الإيجابي والسلبي. فنرى فيها، على سبيل المثال لا الحصر، الميل إلى التجمع وحب الثرثرة، والفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء والتوزيع غير العادل للثروة، ودقة النظام الإداري، والربط بين السياحة والثقافة، وانتشار الضواحي الفقيرة حول المدن الكبرى، والاهتمام يالثقافة والمكتبات، وقوة الحس المدني، وتجاور التدين والشعوذة، وغيرها. وفي ضوء هذه الصورة، ينقد الرحالة الذات الجمعية العربية، فيشير إلى إهمال المجال الحضاري، وتهميش الثقافة ورموزها، والتخبط الإداري، وضعف الحس المدني، والفوضى العمرانية، والهدر المالي والبشري، وغيرها. وبذلك، يشكل التعرف إلى الآخر فرصة للتعرف إلى الذات ونقدها، يوفرها أدب الرحلة، ما يمنح هذا الأدب قيمته الثقافية، ويبرز دوره الكبير في عملية التعرف المزدوجة.

بناءً على ما تقدم، تشكل "الرحلة ما بعد الكولونيالية في الأدب المعاصر" للباحث المغربي محمد المسعودي ارتياداً لآفاق جديدة، يعود المرتاد منها بالمتعة والفائدة. إنها رحلة نصية، على أجنحة الورق، تستحق القيام بها.

المزيد من ثقافة