Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من العنف إلى الإهمال: ماذا يحدث داخل بعض حضانات لبنان؟

حاجة قسرية للأهالي، مقابل رقابة ناقصة وانتهاكات تهدد سلامة الأطفال

العنف الجسدي من أخطر الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال في الحضانات، وكذلك تركه يبكي لفترات طويلة كوسيلة "تأديب" (موقع بيكسلز)

ملخص

فرض ملف دور الحضانة نفسه على دائرة البحث في لبنان، بعد سلسلة من أحداث التعنيف، وسرقة طعام الأطفال، وشكاوى من نقص إجراءات السلامة العامة، أو حتى وجود دور حضانة غير مرخصة. وفي هذا الإطار، تزداد محاولات وزارة الصحة لتدريب الكوادر المسؤولة عن رعاية الأطفال، إلا أن محدودية تلك الإجراءات دفعت لجنة الصحة النيابية لدراسة اقتراح قانون جديد لتنظيم عمل دور الحضانة التي يتسع الطلب عليها إلى أقصى حد ممكن بفعل دخول المرأة سوق العمل.

على رغم سنها المبكرة، قررت هويدا إرسال ابنتها البالغة من العمر 10 أشهر إلى الحضانة، فهي مضطرة لذلك بسبب عدم وجود البديل. فبعد انتهاء إجازة الأمومة، التي تمتد لـ 70 يوماً وفق قانون العمل اللبناني، وجدت نفسها أمام طريق مسدود، إما الاستغناء عن عملها والجلوس في المنزل والعجز عن معاونة زوجها في تأمين نفقات المعيشة والمساهمة في إدارة المنزل ورعاية طفلتها، أو البحث عن حل بديل. في الفترة الأولى حاولت الاعتماد على العائلة، فوجدت نفسها مضطرة إلى الانتقال مسافات طويلة لوضعها في عهدة الجدة أو الخالة، ولكن سرعان ما لاحظت أن الكلفة المادية كبيرة ناهيك عن مشقة الطريق والضغط النفسي الذي تعاني منه، فما كان من الأم إلا أن وضعت الطفلة الرضيعة في إحدى الحضانات التي تقع في مكان وسط بين المنزل والعمل.

تشير الأم إلى أنها تعيش لحظات من الخوف والشك في كل مرة تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام عن حالات عُنف يتعرض لها أطفال صغار أو حتى رضع في الحضانات، أو الافتقار لمعايير السلامة والصحة.

وزاد الطين بلّة خبر تسمم العشرات من الأطفال في إحدى دور الحضانة في منطقة زغرتا شمال لبنان، ما عمق مخاوفها من أن تكون طفلتها عرضة للخطر في حال قصرت الحضانة في واجباتها. ومع ذلك، تستدرك قائلة "الأهالي مضطرون، لأنه لا يوجد بديل".

قصة هويدا، على بساطتها، ليست سوى نموذج عن معاناة عشرات آلاف الأمهات في لبنان، اللواتي يشاركنها الهاجس ذاته والخوف اليومي عند ترك أطفالهن على أبواب الحضانات. ساعات الانتظار خلال النهار تمر ثقيلة، مثقلة بالقلق والترقب، إلى أن يعود الطفل سالماً إلى حضن المنزل.

بين الرقابة والتقصير

تخضع الحضانات في لبنان إلى رقابة وترخيص وزارة الصحة، وعلى رغم ذلك شهدت الحضانات في مناطق مختلفة على حوادث تعنيف أطفال، آخرها ما كشف في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، داخل حضانة في منطقة الأشرفية الواقعة في العاصمة اللبنانية بيروت.

وكانت تقدمت إحدى السيدات بادعاء أفادت فيه بتعرض طفلتها، البالغة من العمر نحو السنتين، لسوء معاملة داخل دار الحضانة، وبنتيجة الاستقصاءات والتحريات التي أُجريت، وبعد مراجعة كاميرات المراقبة، تبين أن بعض العاملات في الحضانة يقمن بضرب وتعنيف الأطفال.

وقبل سنتين، هز لبنان خبر تعنيف أطفال بشكل قاسي وموثق بالفيديو، وصل إلى حد اختناق بعض الأطفال في إحدى حضانات ضواحي بيروت، قبل أن تقفل بالشمع الأحمر بتهمة محاولة قتل أولئك الصغار.

حضانات مرخصة من وزارة الصحة

تكشف مسؤولة الحضانات في وزارة الصحة اللبنانية الدكتورة باميلا زغيب عن وجود 460 حضانة مرخصة في البلاد، وأسماؤها منشورة على الموقع الرسمي التابع للوزارة، الأمر الذي يتيح للأهالي التحقق من مدى الالتزام بالقانون من قبل المؤسسة التي سيعهدون إليها برعاية أطفالهم.

وتلفت إلى "قيام فرق رسمية لمرة واحدة سنوياً بالكشف على سائر دور الحضانة، حيث يتولى المراقبون الصحيون في الأقضية مهمة زيارة الحضانات الواقعة تحت إشرافهم، والتحقق من صلاحيتها لاستقبال الأطفال. ناهيك عن طرق رقابية مختلفة، حيث تلتزم المؤسسات بتجديد الترخيص الإداري كل سنتين، وهو ما يفرض على مالك المؤسسة تحديث مؤسسته باستمرار، وتتوجه الوزارة إلى إقرار برنامج خاص بالمعايير المعتمدة"، مشددةً على "إلزام الحضانات بالخضوع لدورات إسعاف أولية بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني بهدف الحد من الأخطار التي يتعرض لها الطفل في حال حدوث أي طارئ داخل الحضانة".

كذلك تلفت إلى التعاون مع لجنة الصحة النيابية لوضع مسودة قانون لوضع شروط ترخيص دور الحضانة، إذ تلحظ كافة التعاميم والقرارات المتخذة سابقاً، والعمل على تحسين التشريعات، وتطوير آليات الرقابة، وتخصيص كادر لمراقبة الدور.

وتشير زغيب إلى تدرج الإجراءات التي تتخذها الوزارة عند حدوث المخالفات، على ضوء فداحة الواقعة، وتتراوح من الإنذار إلى الإحالة أمام القضاء، وصولاً إلى سحب الترخيص وإغلاق الحضانة بالشمع الأحمر عندما تؤدي المخالفة إلى تعريض حياة طفل لخطر الموت ومفارقة الحياة.

نحو تنظيم العمل 

أخيراً، شهد لبنان عدة خطوات لتنظيم عمل دور الحضانة في لبنان، ففي سبتمبر الماضي أطلق وزير الصحة راكان ناصر الدين مبادرة "كارول" تيمناً لوفاة طفلة في أحد الدور كانت تبلغ من العمر أشهراً قليلة، قبل أن يتبين أنها توفيت اختناقاً بالحليب ولم تكن في الحضانة أية ممرضة لإسعافها.

وفي هذه المبادرة يبرز تطوير الكفاءات في مجال الإسعاف الأولي، والاستجابة الطارئة لأي حادث. فيما وضعت لجنة الصحة النيابية في لبنان يدها على ملف الحضانات في محاولة لوضع إطار تشريعي وقانوني متطور وواضح لضبط عملها.

وفي السياق، يكشف رئيس اللجنة النائب بلال عبدالله أنه "في السابق، لم يكن هناك قانون لتنظيم عمل الحضانات، وإنما كان يحكمها مرسوم وقرار وزارة الصحة، وبالتالي لم يكن كافياً هذا الإطار للرقابة على الحضانات على رغم الجهد المبذول من قبلها". ويضيف "من هذا المنطلق تقدمت منذ فترة باقتراح قانون لتنظيم ومراقبة عمل الحضانات بهدف منح الطمأنينة وإشعار الأهالي وذوي الأطفال بالأمان"، مذكراً بالتنسيق القائم مع وزارة الصحة لاستكمال الشروط والمعايير المطلوبة، حيث تعمل اللجنة النيابية بانفتاح على مختلف الآراء، وهناك آمال بالانتهاء من مناقشته قريباً.

يتطرق عبدالله إلى معالم اقتراح القانون، فهو يتبنى الرقابة المزدوجة الطبية والصحية على دور الحضانة، والتوجه لإقرار تواجد طبيب الأطفال ضمن الحضانة، إضافة إلى ممرضة تحت طائلة المسؤولية وعدم التهاون بصحة الأطفال الموجودين فيها.

كذلك يتجه الاقتراح لإقرار شروط دقيقة تتعلق بالتراخيص، التي تضع في أولويتها تحقيق الشروط الصحية ومعايير السلامة، وتأمين رفاهية الأطفال، وتسهيل إمكانية الوصول إلى المساحات الآمنة، ومعايير الإضاءة والتهوئة التي من شأنها تأمين ظروف مناسبة حيث يبقى الطفل ساعات عدة في حرم الدار قد تصل إلى 8 ساعات في اليوم.

يرى النائب عبدالله أنه من الضروري حصر الترخيص بوزارة الصحة لما تمتلكه من صلاحيات واسعة في هذا المجال، مقللاً من أهمية ما يُثار حول تدخل السياسة في صناعة التشريع، لأنه برأيه "هناك اقتراحات القوانين ذات الطابع التقني، لا يمكن أن تكون موضوع خلاف سياسي، وهي تسلك الطريق المعتاد من دون أية عراقيل أو تعقيدات"، و"تشكل الفضائح المتكررة والمشكلات سبباً إضافياً لتحديث القوانين، وإلزام كافة الجهات المعنية في البرلمان لتسهيل تشريع قانون كهذا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الانتهاكات التي يتعرض أطفال الحضانات

يعد العنف الجسدي من أخطر الانتهاكات التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال في الحضانات، ويتراوح بين الضرب، والشد العنيف، والدفع، أو ترك الطفل يبكي لفترات طويلة كوسيلة "تأديب". وغالباً ما يبرر هذا العنف بالضغط أو نقص الكادر المؤهل، فيما يخلف آثاراً نفسية طويلة الأمد على الطفل، حتى وإن لم تكن واضحة فوراً.

ولا يقل العنف النفسي خطورة، إذ يتجلى في الصراخ المتكرر، والتخويف، والسخرية، أو إهمال الطفل عاطفياً. هذه الممارسات تؤثر في إحساس الطفل بالأمان والثقة، وتنعكس لاحقاً على سلوكه وتطوره النفسي.

ومن أبرز الانتهاكات الشائعة أيضاً الإهمال، سواء كان متعمداً أو ناتجاً من نقص الإمكانات. ويشمل ذلك ترك الأطفال من دون مراقبة كافية، أو عدم الاستجابة لحاجاتهم الأساسية مثل الطعام، والنوم، وتغيير الحفاضات في الوقت المناسب. وفي حالات أكثر خطورة، يؤدي الإهمال إلى حوادث سقوط، أو اختناق، أو إصابات جسدية كان يمكن تفاديها.

كذلك تعاني كثير من الحضانات من غياب شروط السلامة الأساسية، كعدم تأمين مخارج طوارئ، أو وجود أدوات حادة ومقابس كهربائية مكشوفة، أو ألعاب غير مطابقة للمواصفات. فيما تسجل مخالفات صحية خطيرة تتعلق بتخزين الطعام، ونظافة المطبخ، وتعقيم الأدوات، ما يعرض الأطفال لأمراض معدية أو حالات تسمم غذائي، كما حصل في حوادث موثقة خلال السنوات الأخيرة.

أبعد من تشريع عابر

ينظر الأكاديميون إلى ملف الحضانات بوصفه موضوعاً مركباً، حيث لا يمكن التعاطي معه من زاوية محض تقنية، بسبب التداخل بين الاعتبارات القانونية والثقافية والاجتماعية. ويرى الباحث القانوني المحامي رفيق هاشم أن موضوع الحضانات من المواضيع الحساسة، فهي تجمع بين حقوق الطفل، وتشجيع مشاركة المرأة في سوق العمل، وتدخل الدولة لتنظيم وضبط هذا القطاع الحيوي.

يشير هاشم إلى المرسوم 12286 الصادر في عام 2004 بوصفه نصاً يحكم تعريف دور الحضانة في لبنان التي تستقبل الأطفال في المرحلة العمرية المبكرة، وتلبية حاجاتهم الأساسية المتنوعة بين عمر 40 يوماً إلى 3 سنوات على المستويات النفسية والجسدية والتعليمية ضمن ساعات النهار المحددة.

أما الضوابط الموجودة لتنظيم دور الحضانة فهي تخضع لمرسوم آخر هو 4876 الصادر في 2010، حيث يحدد الشروط الواجب تأمينها في المنشآت، إن على مستوى البنى التحتية، ومسك السجلات الداخلية والسلامة الصحية، ومراعاة مصلحة الطفل، وسواها.

من جهة أخرى، يشدد هاشم على وجود نصوص قانونية مختلفة، ترعى ملف دور الحضانات على غرار القوانين التي تنص على حماية الأطفال ومكافحة التحرش والاستغلال الجنسي، متحدثاً عن رقابة متعددة المستويات، تتراوح بين ممارسة وزارة الصحة لدورها المنصوص عليه في المراسيم، ودور المجتمع المدني وأولياء الأمور في متابعة أوضاع دور الحضانة، وملاحقتها قضائياً وفضح أي مخالفة.

يحذر هاشم من وجود فجوات عدة تعترض تطبيق المراسيم القائمة، إضافة إلى فجوة تشريعية وتطبيقية. حيث تتراوح بين نقص عمليات التفتيش الدورية، وفتح دور للحضانة من دون الحصول على التراخيص أو الاستمرار في عملها على رغم انتهاء الترخيص. كذلك تلجأ بعض الدور إلى تخفيض التكاليف التشغيلية من خلال تخفيض معايير السلامة العامة والصحة، وصرف عدد من الكوادر العاملة المدربة والمتخصصة في رعاية الطفولة المبكرة.

ويجزم أن هناك حاجة لتطوير التشريع من خلال إقرار قانون جديد وإنشاء هيئة مستقلة لمتابعة دور الحضانة ومراقبتها، وإلزام مختلف دور الحضانة بالتسجيل في قاعدة بيانات إلكترونية، وفرض عقوبات رادعة، وتدريب الكوادر المتخصصة في الطفولة المبكرة، وإشراك أولياء الأمور والمجتمع المدني في تنفيذ معايير الشفافية والتقييم المستمر.

استراتيجيات متعددة الأبعاد

جاءت الحضانة في لبنان وليدة لحقبة الحداثة ودخول المرأة الأم إلى سوق العمل، وبات مألوفاً تصالح الآباء والأمهات مع فكرة إرسال مواليد بأعمار صغيرة وحتى خلال فترة الرضاعة إلى دور الحضانة لرعايتهم من قبل متخصصات خلال فترة الدوام ووجود الوالدين خارج المنزل.

واستدركت الدول المتقدمة هذه القضية، ومنحت القوانين بُعداً اجتماعياً.

تقول الباحثة الأنثروبولوجية الدكتورة مهى كيال "تدخلت السلطة في بعض دول العالم لتحقيق التوازن داخل الخلية الأسرية، وأقرت إجازة الأبوة إضافة إلى تمديد إجازة الأمومة لأطول فترة ممكنة لتكون كافية لرعاية المواليد، حيث لحظ المشرع أهمية وجود الوالدين في رعاية الأطفال في السن المبكرة وتحقيق المساواة بين الجنسين إلى أقصى حد ممكن. كذلك فرضت من ناحية أخرى على أصحاب المؤسسات التي يوجد فيها عدد محدد من الأمهات العاملات، أن تنشئ حضانات داخل المؤسسات لرعاية أطفال الموظفين لديها. لتخلص إلى أن التشريع ليس مجرد نصوص مستقلة وتقنية، وإنما تنتهج سياسات عامة وإقرار قوانين لتكريس التغييرات الاجتماعية المتواصلة".

لكن يبقى هذا الواقع بعيداً جداً عما يحدث في لبنان، حيث تترك الأم طفلها بعمر الشهرين ونصف الشهر لتعود إلى العمل، أما إجازة الأبوة فلا تتعدى أيامها أصابع اليد الواحدة في أحسن الأحوال، ما يحتم على عشرات آلاف العائلات أن يذهبوا نحو خيار الحضانات.

يبقى أن حماية الأطفال في الحضانات ليست مسؤولية الأهل وحدهم، بل تقع في صلب واجبات الدولة، عبر وضع معايير واضحة، وتكثيف الرقابة، وفرض عقوبات صارمة على المخالفين. كذلك تقع مسؤولية على المجتمع المدني ووسائل الإعلام في تسليط الضوء على هذه الانتهاكات وكسر الصمت المحيط بها.

فالأطفال، في سنواتهم الأولى، لا يملكون صوتاً يدافع عنهم. وأي تقصير في حمايتهم اليوم، هو استثمار في أذى طويل الأمد يهدد المجتمع بأسره غداً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير