Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

10 أمتار أخرى وتصبح كاتدرائية غاودي أعلى مبنى ديني

"العائلة المقدسة" في برشلونة وبناؤها الذي استغرق أطول زمن في التاريخ

أنطوني غاودي (1852 - 1926) (غيتي)

ملخص

لماذا يعد اكتمال بناء "برج السيد المسيح" عام 2026 حدثاً مهماً حتى قبل اكتمال إنجاز كاتدرائية "العائلة المقدسة" في برشلونة، المتوقع أن يستغرق أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن بعد ذلك؟ بكل بساطة لأن ارتقاء هذه الكاتدرائية إلى كونها أعلى كنيسة في العالم يجعل منها رمزاً عمرانياً فريداً، ليس فقط كتحفة فنية ومعمارية، وهي كذلك منذ الآن على أي حال، بل كصورة حية لامتداد زمني متواصل منذ نهايات القرن الـ19 وحتى منتصف القرن الـ21.

في العام المقبل (2026) يكون قرن من الزمن قد مضى على رحيل المهندس المعماري الإسباني أنطونيو غاودي (1852 - 1926) بحادثة طريق في برشلونة. وهو موعد يحتفل به عادةً. ومع ذلك لا شك أن احتفال هذا العام بهذه المئوية الأولى، لن يكون موعداً عادياً يمر مرور الكرام، بل سيكون وكما تشير كل الدلائل والوعود حتى اليوم، موعداً مضروباً لعدد كبير من الأحداث التي تخرج في نهاية الأمر عن مجرد ترتيب احتفالات وقداسات، وما شابه ذلك.

وينتج هذا في الحقيقة من جملة معطيات تعطي المناسبة العامة فرادتها، لكنها في الوقت نفسه تستثير أسئلة لا شك أنها فريدة من نوعها. والمؤكد أنها في معظمها تدور من حول آخر صرح من الصروح التي أبدعها غاودي خلال حياته، ونعني بذلك كاتدرائية "العائلة المقدسة" (Sagrada Família) التي تحتل ومنذ أكثر من قرن ونيف، مكانة أساسية ليس فقط في جغرافية مدينة برشلونة، بل في تاريخها أيضاً. وذلك بالتحديد انطلاقاً من أن تشييد هذا الصرح المعماري الديني لم ينجز بكامله حتى اليوم، بل لا يبدو أنه سينجز ولا حتى لمناسبة مئوية رحيل صاحبها.

وليس معنى هذا إلا أن إنشاء هذه الكاتدرائية الاستثنائية استغرق من الوقت أكثر كثيراً مما استغرق تشييد أي مبنى ديني أو غير ديني في تاريخ البشرية. أما آخر اخبار "العائلة المقدسة" فيفيدنا بأن نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي شهدت وصول ارتفاع البرج الأعلى في الكاتدرائية إلى أكثر من 162 متراً، مما يعني أنه مع اكتمال ارتفاع برج "السيد المسيح" هذا إلى ما يزيد على 172 متراً عام 2026 ستصبح "العائلة المقدسة" أعلى مبنى ديني في تاريخ البشرية، متفوقة في ذلك على كاتدرائية أولم الألمانية التي كانت تحتل هذه المكانة منذ أنجزت قبل قرون، وظلت فخورة بها.

حكاية عابرة للزمن

لكن، لماذا يعد اكتمال بناء البرج المذكور عام 2026 حدثاً مهماً حتى قبل اكتمال إنجاز الكاتدرائية، المتوقع أن يستغرق أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن بعد ذلك؟ بكل بساطة لأن ارتقاء هذه الكاتدرائية إلى كونها أعلى كنيسة في العالم يجعل منها رمزاً عمرانياً فريداً، ليس فقط كتحفة فنية ومعمارية، وهي كذلك منذ الآن على أي حال، بل كصورة حية لامتداد زمني متواصل منذ نهايات القرن الـ19 وحتى منتصف القرن الـ21.

ويقيناً بالتالي إن الانتهاء من هذا البرج المركزي سيمثل خطوة رمزية كبرى، ليس فقط بنظر متابعي الفن المعماري، بل كذلك بالنسبة إلى سكان برشلونة وزوارها الآتين من شتى أنحاء العالم، من حيث قرب إتمام الحلم الذي بدأه غاودي قبل أكثر من 100 عام. حلم واجه طوال مسيرته مئات العقبات التي يبدو أن آخرها اليوم عقبات اجتماعية من نزاعات حول ملكية الأراضي ومخاوف من نزوح جماعي للسكان المحليين، وتحفظات تدور من حول التغيرات الجذرية التي ستطاول محيط الكاتدرائية، بيد أننا سنتجاوز هنا هذه العقبات التي ثمة مساعٍ لا تهدأ لحلها إدارياً، للتوقف عند الخطة الزمنية المتبقية لتقدم الأعمال المتعلقة بكنيسة "ساغرادا فاميليا" (الأصل الإسباني لاسم كاتدرائية 'العائلة المقدسة' طبعاً).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مشكلات قانونية

مهما يكن من أمر، إذا كان عام 2026 ولرمزيته في مسيرة غاودي سيكون عاماً مفصلياً بالنسبة إلى مستقبل هذا الصرح العمراني الهائل، فإن من المفترض أنه سيتضمن عديداً من الفعاليات والنشاطات التي ستتمركز في برشلونة، المدينة التي تزخر بأعماله الأساسية الكبرى، لكنها ستتمدد في أنحاء كثيرة من إسبانيا، وبالتأكيد في أماكن أخرى من أوروبا والعالم لن يفوتها أن تشارك في المناسبة.

ومن المعروف منذ الآن أن احتفالات عام 1926 الأكثر رسمية ستركز بخاصة على قداس خاص يقام في الكاتدرائية نفسها وسط فعاليات معمارية وثقافية متنوعة، من أهمها معارض حول حياة غاودي وتاريخ المشروع.
غير أنه ثمة منذ الآن، إضافة إلى ذلك تصورات عملية لبرامج احتفالات من حول غاودي والكاتدرائية نفسها، تسير بالتوازي مع إنجازات يتوقع لها الإسبانيون أن تتواصل هذه المرة من دون تقطع طوال 3 أو 4 سنوات تالية، ويتم العمل خلالها على الأبراج الثانوية المتبقية، إضافة إلى الانتهاء من النوافذ والزخارف الزجاجية الداخلية، والأجزاء المنحوتة المتبقية من الواجهة الشرقية، من دون إغفال ما هو ضروري من مواصلة العمل على تحسين البنية التحتية في المحيط الجغرافي للمبنى.

في هذا السياق بات متوقعاً بصورة خاصة حسم القرارات الجدلية المتعلقة بتشييد السلالم والبوابة العملاق، بالنظر إلى أن الأوان قد حان لحسم نقاشات تتعلق بكل هذه المسائل التي يتطلب إنجازها هدم عشرات المباني القائمة حول المبنى الكبير. وهي نقاشات قانونية يتوقع المتخصصون أن تحتاج إلى سنوات عديدة أخرى لحسمها، بيد أن الأكثر تفاؤلاً من بينهم يرون أنها ستكون قد حسمت مع حلول عام 2030.

 

الاكتمال الكبير

وعلى ذلك يكون قد بقي 5 سنوات قبل الوصول إلى عام 2035 الذي تقول التقديرات كافة بأن من المفروض ألا يحل إلا وقد أعلن الاكتمال الكلي للمشروع في صيغته النهائية، وتحديداً بالصيغة الأقرب إلى تصورات غاودي الأولية حول حلمه الكبير هذا، ولكن من دون أن يخلو الأمر من بعض التعديلات التي تثير بدورها نقاشات عنيفة منذ اليوم. وهذا ما يوصلنا إلى إلقاء نظرة بالغة الأهمية منذ الآن تتعلق بما يراه "غلاة الغاوديين" من أمور تبدو وكأنها تبعد المشروع كما سينتهي في آخر المطاف، عن تصورات غاودي وأحلامه الكبيرة.

فغاودي كان يرى مشروعه من منطلق أن تكون الكاتدرائية كنيسة للفقراء تبنى ببطء وبجهود تقوم على تبرعات صغيرة. لقد أرادها بحسب ما كان يصرح دائماً، "كنيسة تعويضية في زمن صعود الأفكار العلمانية تهدج بصوت السماء في مدينة تتحول حداثياً".

غير أن هذه الكنيسة أضحت واحدة من أضخم مشاريع البناء السياحية في العالم، تجتذب منذ الآن ملايين الزوار سنوياً. صحيح أن البعد الروحي لا يزال موجوداً، لكن المشروع برمته تحول إلى رمز كوني، بل سياسي، للهوية البرشلونية الانفصالية، بأكثر من كونه مجرد معلم ديني.

صحيح أن غاودي تخيل "برج السيد المسيح" بارتفاع أكثر من 172 متراً ليكون أعلى مبنى ديني في العالم، واعتبره إصبعاً يشير إلى السماء على أن يكون أعلى من أي مبنى في المدينة ولكن أقصر من جبل مونتجويك، "احتراماً للخلق الإلهي".

لقد ترك غاودي رسومات هندسية فقط ومفهوماً عاماً ينص على أن يكون المبنى صارماً حاداً وخالياً من الزينة يجسد قوة الألم، ولكن ها هو اليوم في تنفيذه النهائي، يختلف كلياً عن روحية غاودي، وبخاصة عبر خطوطه شديدة القسوة وأسلوبه الحداثي الصادم. وهو أمر أثار ولا يزال يثير قدراً كبيراً من الجدل لأن الأسلوب يبتعد، في نهاية المطاف، عن النزعة العضوية التي كان يتطلع غاودي إليها، حتى وإن كان ثمة اعتراف عام، يبدو مريحاً في نهاية التحليل، بوجود المعنى الدرامي الذي توخاه أصلاً مهندسه الكبير.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة