Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقتل أكثر من 50 قرويا على يد المتطرفين في مالي

وصل القتلة المسلحون عند الغسق على متن دراجاتهم النارية وبعد دقائق معدودات أردوا عشرات الأشخاص قتلى... تقرير كيم سنغوبتا من موقع الفاجعة في ميناكا غرب أفريقيا

كر وفر بين المتطرفين والقوات البريطانية في مالي على وقع مجازر يرتكبها المقاتلون المتطرفون ويذهب ضحيتها عُزل أبرياء (أ ب)

علا هدير عشرات الدراجات النارية التي ركبها القتلة عند الغسق جالباً معه صوت اقتراب الخطر، ثم تصاعدت الأصوات المطالبة بالنجدة والصرخات المذعورة التي صاحبت صوت إطلاق النار... ارتجف إبراهيم من الخوف، واعتراه اليأس بأن ينجو من الآتي.

أردت أولى الطلقات من رشاشات الكلاشنيكوف رجالاً يسيرون في الشارع، ثم بدأ المسلحون بخلع أبواب المباني وجر الناس خارجاً قبل إرغامهم على الانبطاح استعداداً لإعدامهم في مجموعات.

أدرك إبراهيم، المزارع البالغ من العمر 32 عاماً، أنها مسألة وقت فحسب قبل أن يدخل "الجهاديون" المنزل الذي جلس يشرب فيه الشاي مع صديقه يايا. دفعته غريزته إلى الاختباء فيما فكر يايا بأن أمله الوحيد هو الهرب: وكانت تلك المرة الأخيرة التي شوهد فيها حياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقي أكثر من 54 شخصاً حتفهم ذلك المساء في أوتاغونا وثلاث قرى مجاورة لها في شرق مالي. كانت إحدى أبشع المجازر في نزاع يدور منذ 8 سنوات مع المتطرفين "الجهاديين" في البلاد، ذهبت ضحيته آلاف الأرواح، وأدى إلى تدخل الأمم المتحدة والقوات الدولية، ومن بينها قوات بريطانية.

تشهد مالي ودول الساحل الأفريقي المجاورة لها أسرع انتشار للمتمردين الإسلاميين في العالم. حمل فصيل مرتبط بـ"داعش" اسمه "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" مسؤولية المذبحة، وهو تنظيم أرسى وجوداً قوياً له إلى جانب تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بـ"القاعدة". وقد قتل 69 شخصاً على يد "الجهاديين" هذا الأسبوع في النيجر، على مقربة من حدود مالي، في آخر موجة من الاعتداءات المماثلة في البلاد. 

وتضاف إلى أعمال العنف من الإسلاميين سلسلة من الصراعات بين المجموعات الإثنية في بعض المناطق - بين قوم الفولاني والدوجون، وبامبارا وفولاني، والطوارق والعرب، والطوارق والسونغاي - تزيد الانقسامات حدة وتشعباً.

وقال إبراهيم، "كانت عائلتي في الخارج، وشعرت بخوف شديد عليهم، ولكنني أدركت أنني سأقتل لو خرجت، فرشقات الرصاص لم تتوقف، ولم تهدأ ولو لبرهة. تضرعت إلى الله أن يبقوا آمنين، وأملت أن يكونوا قد نجحوا في الاختباء".

تسنّى له اختلاس النظر عبر النافذة ليرى المذبحة التي تدور خارجاً. وتذكّر أنه "كان الرجال الذين حملوا الأسلحة يرتدون ملابس سوداء أو داكنة اللون. كانوا ملثمين، وبعضهم صغير الحجم، ويوحي بأنه صغير السن. علا الكثير من الصراخ، ولكنني لم أكن قادراً على فهم ما يقولونه. بدا الرجال هادئين أثناء إطلاقهم النار. رأيت اثنين منهما وهما يقتلان رجلاً مسناً، رمياه أرضاً، ثم أطلقا النار عليه، وابتعدا. لم أكن قادراً على رؤية المزيد لفترة بعدها، شعرت بخوف شديد".

استهدف الذكور من سكان أوتاغونا وقرى كارو وأنكوام ودوتغوف. لم يتخطَّ عمر بعضهم 12 أو 13 عاماً، وكان أحد الصبية يبلغ من العمر عشرة أعوام فقط. ومن بين القتلى كذلك طبيب المنطقة وإمام وشيوخ القرية. وسلمت النساء والأطفال، ولكن بعضهم أصيب برصاصات طائشة.

سحب بعض الضحايا من داخل السيارات والشاحنات. في كارو، صف الرجال أمام حفرة وأطلق عليهم النار وفي أنكوام، جرت ملاحقتهم حتى الأشجار الشائكة، حيث أجهز عليهم. قام المهاجمون بتفتيش شكلي سريع للبيت الذي اختبأ فيه إبراهيم قبل أن ينتقلوا إلى مكان آخر. تناهت إليه أصواتهم من دون أن يراهم. انتظر انتهاء إطلاق النار، قبل أن يخرج.

وقال، "كانت الجثث ممددة في دمائها، والناس يبحثون عن أقربائهم. حاولت إيجاد زوجتي وأطفالي. الحمد لله أنهم لم يكونوا بين الجثث، ولكنني وجدت جثة ابن عمي وابن أخي، كان ابن أخي صغير السن ولا يبلغ سوى 17 عاماً من العمر".

كانت زوجة إبراهيم وأطفاله قد هربوا. وجدهم في اليوم التالي وهم يختبئون في وادٍ. لملمت العائلة ما تيسر من حاجاتها من منزلها ورحلت. كانت القوات البريطانية التي تشكل جزءاً من بعثة الأمم المتحدة في مالي، مينوسما، قد وصلت إلى المنطقة عندها، ولكنهم خشوا عودة المتمردين.

وما زال إبراهيم شديد الارتياب بشأن السلامة والأمن، وهو لم يرغب بالكشف عن اسمه الكامل فيما كان يتحدث من مكان إقامة العائلة الحالي في بلدة أنسونغو. وقال، "لقد خسرنا كل شيء. لكننا سنبقى هنا مهما تطلب الأمر. لم يحن وقت العودة بعد".

سبب حصول المذبحة ليس واضحاً تماماً. وتفيد بعض التقارير بأنها وقعت انتقاماً على الشكوى التي قدمها بعض السكان المحليين حول سرقة المواشي التي تعد سلعة ثمينة هنا، وأدت إلى اعتقال بعض الإسلاميين على يد القوات المالية. كما جاء في أخبار أخرى أن السكان لم يلتزموا بنسخة الشريعة المتشددة التي فرضها "الجهاديون".

وأعرب إبراهيم عن دهشته من حرمان المسلحين أنفسهم من الدخل الذي يجنونه جراء ضرائب يفرضها الإسلاميون والعصابات الإجرامية المنظمة على المجتمعات المحلية. وقال، "يعلم الجميع أنهم أخذوا المال من الناس. حصلوا عليه من أصحاب المحال في البلدات ومن المزارعين في القرى".

وأضاف، "يخضع هذا الموضوع لنظام. يأتي رجلان أو ثلاثة على متن دراجات نارية لجباية المال. أو ينتظرون في الخارج ريثما يحضره الناس لهم. لا بد أنهم كانوا غاضبين جداً لكي يُقدموا على هذا الفعل. تسري بعض الإشاعات حول الموضوع، ولكنني لا أرغب بالخوض في هذه التفاصيل".

كما اتهم عناصر من ميليشيات مسلحة أكبر عدداً تقاتل لحساب الحكومة المالية بالسرقة والاعتداءات. واتهمت القوات الأمنية المالية من جهتها كذلك بتنفيذ إعدامات ميدانية من دون محاكمة وإخفاء المعتقلين.

والشهر الماضي، حثت منظمة "هيومن رايتس ووتش" النظام العسكري الذي يدير البلاد على التحقيق في مزاعم الاعتداءات الكثيرة، ولكن عدد القتلى الذين سقطوا بنيران القوات الأمنية تراجع وفقاً لآخر الإحصاءات، ويعود ذلك جزئياً إلى زيادة تدقيق المنظمات الدولية في الموضوع.

في قرية تارابات، تكلم محمد المزارع والراعي البالغ من العمر 38 عاماً عن سرقة المنازل على يد عناصر الميليشيات الذين رافقوا القوات الفرنسية التي تشكل جزءاً من بعثة مكافحة المتمردين... "حدث هذا هنا. فتّش الفرنسيون المنزل، وذهبوا، ولكن الرجال الذين رافقوهم عادوا أدراجهم وقالوا إنه لديهم الحق بالقيام بعملية تفتيش أخرى، ثم أخذوا المال والحلي من النساء".

وأضاف محمد، "هذا الأمر يثير قلقاً شديداً لدى الناس. نحب أن نرى قوات الأمم المتحدة والقوات البريطانية والدولية في هذه المنطقة لأن وجودها يخيف اللصوص والإرهابيين، ولكننا نشعر بالقلق إزاء بعض المقاتلين الذين يرافقونها".

وشرح أن بعض عمليات القتل التي تحدث في المنطقة تشكّل جزءاً من الاقتتال الطائفي، فيما يشتبك "الجهاديون" مع العصابات الإجرامية أحياناً. ولا يعتقد بوجود مسعى جدي لتأسيس دولة إسلامية.

وقال، "كيف يمكن لبعض الأشخاص الذين يركبون دراجات نارية أن يؤسسوا دولة؟ يطالبوننا بتطبيق الشريعة، ولكن هذا ما نفعله في كل الأحوال. يفرضون ضريبة على الناس بحسب عدد رؤوس الماشية التي يملكونها وحجم بيوتهم. والسبيل للتخلص منهم ومن اللصوص هو أن تساعد الحكومة الناس هنا، ولكن هذا ما لا يحصل".

وصلت القوات البريطانية إلى أوتاغونا في صباح اليوم التالي بعد المجزرة، وظلت في المكان ثلاثة أسابيع في محاولة لطمأنة السكان. أسندت بعثة الأمم المتحدة إلى مجموعة الاستطلاع بعيد المدى التي تشكلت من الفوج الأنغلياني الملكي مهمة زيارة المواقع النائية التي لا تخضع لأي حكم تقريباً.

وتحدث الميجور هاري ويليس من "الفوج الأنغلياني الملكي" عن التحديات التي تواجه القوات البريطانية هنا مقارنةً بمناطق نزاعات أخرى مثل أفغانستان... "الفارق هو أنك تعلم في أفغانستان هوية الأطراف الذين قد تصادفهم، ولكن هنا في مناطق مثل أوتاغونا، لا تعرف ما الذي يجب أن تتوقعه. علينا أن نكون مستعدين للقتال ولقتل العدو إن حاول قتل الناس الذين نعمل على حمايتهم وقتلنا".

أضاف، "ولكن علينا العمل بهدوء كذلك، لكي نفهم الوضع ونعرف ما الذي علينا فعله لطمأنة الناس. هذا العمل يتطلب مزيداً من الوقت، ومن "الجهد الإدراكي" [الصبر]. تحتاج للقوة الصارمة، إنما للمقاربة اللطيفة أيضاً من أجل مواساة طفل قُتل أبوه بطريقة وحشية. في نهاية المطاف، نحن موجودون هنا لفترة من الزمن قبل أن نسلم الأمور إلى وحدات الأمم المتحدة".

اعتقلت القوات البريطانية عدداً من العناصر المشتبه بانتمائهم إلى "داعش" بعد المجزرة، وقتلت "جهاديين". ونقلت المهام في أوتاغونا إلى وحدة سويدية، ولكنها اضطرت للمغادرة في نهاية الأمر، تماماً كما فعلت غيرها من الوحدات العاملة في إطار الأمم المتحدة التي أتت بعدها، ثم كان من المفترض أن تؤول إلى القوات المالية مهمة حراسة الأمن.

يشن تنظيما "داعش" و"القاعدة" هجمات شرسة على القوات المالية. وأسفر هجوم "داعش" على قاعدة في إندليمون، التي لا تبعد كثيراً عن موقع اشتباك القوات البريطانية مع المسلحين، عن مقتل نحو 80 جندياً، في اعتداء ضمن سلسلة من الهجمات اعتبرت حينها محاولة لتطهير قسم كبير من المناطق الحكومية.

أوقعت عمليتا برخان [بركان] وتاكوبا لمكافحة التمرد، اللتان شنّتهما فرنسا والاتحاد الأوروبي، خسائر ضخمة بالمتمردين. وقتل الفرنسيون أخيراً قائد تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى"، عدنان أبو وليد الصحراوي، والقيادي البارز في جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم "القاعدة". كما قتل مئات المقاتلين الإسلاميين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن فرنسا بصدد تقليص كتيبتها التي يصل عديدها إلى 5 آلاف عنصر بالنصف، ومن المزمع دمج برخان في تاكوبا. وحصل بالتالي بعض الاحتكاك بين حكومة إيمانويل ماكرون من جهة، والنظام في مالي من جهة أخرى، الذي اتهم باريس بعدم التشاور معها على نحو كافٍ، و"التخلى عن مالي في منتصف القتال".

ظهرت تقارير عن محادثات سرية بين النظام وشركة المرتزقة الروسية "فاغنر غروب" التي يديرها يفغيني بريغوزين، أحد المقربين من فلاديمير بوتين. وهددت الدول الأوروبية، كما الأفريقية التي لديها قوات في مالي، بالانسحاب في حال السماح بدخول "فاغنر" التي توجهت إليها اتهامات واسعة النطاق بالمسؤولية عن انتهاكات لحقوق الإنسان في الدول التي تعمل فيها.

يدّعي القادة الإسلاميون أن القتال في مالي نشط بشكل كبير على خلفية انسحاب الغرب بقيادة الولايات المتحدة من أفغانستان وانتصار "طالبان". وأعلن إياد أغ غالي، قائد مجموعة "نصرة الإسلام والمسلمين": "نحن ننتصر".

فرغت أوتاغونا الآن من سكانها، وباتت الأعشاب والأشواك تتطاير مع هبوب رياح الصحراء الساخنة في الشوارع المهجورة. دار البلدية والمدرسة ومنزل الطبيب مدمرة ومهجورة. وقال إبراهيم، "ربما يعود الناس يوماً ما إلى هناك، وإلا ستستولي الصحراء على المكان. ولكننا نجونا، وعائلتي على قيد الحياة. هذا أهم شيء".

© The Independent

المزيد من دوليات