Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المباني الخضراء والعمارة المستدامة

فكر جديد أكثر اتساقا مع المحيط والطبيعة

القطاعات العمرانية لم تعد بمعزل عن القضايا البيئية الملحة (Unsplash)

تستهلك عملية تشييد المباني وتشغيلها نسبة عالية من الموارد الطبيعية قد تصل إلى 40 في المئة من إجمالي المواد الأولية، وأكثر من 60 في المئة من الاستهلاك الكلي للطاقة. عليه، تعد العمارة الخضراء من أهم استراتيجيات حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.

الهاجس البيئي

اليوم، مع تنامي الاهتمام بمواضيع البيئة والتنمية المستدامة وارتفاع الأصوات المنادية بتقليل الآثار البيئية السلبية الناجمة عن الأنشطة البشرية المختلفة وخفض المخلفات والملوثات والحفاظ على قاعدة الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة، بدأ العالم يعترف بالارتباط الوثيق بين التنمية الاقتصادية والبيئة. وقد تنبه المتخصصون إلى أن الأشكال التقليدية للتنمية الاقتصادية تنحصر في الاستغلال الجائر للموارد الطبيعية. وفي الوقت نفسه، تتسبب في إحداث ضغط كبير على البيئة نتيجة ما تفرزه من ملوثات ومخلفات ضارة.

تبعاً لذلك، فإن القطاعات العمرانية لم تعد بمعزل عن القضايا البيئية الملحة، التي أصبحت في السنوات القليلة الماضية تهدد العالم. فهذه القطاعات، من جهة تعتبر واحدة من المستهلكين الرئيسيين للموارد الطبيعية، كالأرض والمواد والمياه والطاقة، ومن جهة أخرى فإن عمليات البناء والتشييد الكثيرة والمعقدة تنتج عنها كميات كبيرة من التلوث والضجيج.

استراتيجية حفظ الموارد الطبيعية

ذكر تعبير "التنمية المستدامة" (Sustainable Development) للمرة الأولى، في وثيقة عالمية باسم "الاستراتيجية العالمية لصون الموارد الطبيعية"، التي صدرت عام 1980، إذ أخذت هذه التنمية في اعتبارها البعد الزمني وحق الأجيال المقبلة في التمتع بالموارد والثروات الطبيعية.

ومن التنمية المستدامة بأبعادها ومحاورها الرئيسة المتداخلة الثلاث (البيئة والاقتصاد والمجتمع)، وما يرافقها من مصطلحات كالاقتصاد الأخضر والطاقة الخضراء والمنتجات الخضراء ومكافحة التلوث والوصول إلى توفير البيئة الصحية وغيرها، تأتي الحلول المعمارية لتشكل جزءاً مهماً في تحقيق هذه التنمية.

قمة الأرض

ومنذ انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية (قمة الأرض) عام 1992، أصبح السعي من أجل تحقيق التنمية المستدامة ينطوي على السعي لتوفير المدن المستدامة أيضاً. وهذا يمثل تحدياً لمصممي المدن والمخططين والمستثمرين على حد سواء. فالمدن باعتبارها مواقع للصناعة والتجارة والمال، تمثل عناصر أساسية لاستهلاك الموارد، نسبة إلى كم الضرر الذي تلحقه الأنشطة العمرانية والبنيان من تأثيرات بيئية واضحة. من هنا، طرح مفهوم "العمارة الخضراء" كمطلب أساسي، إذ تعزز العمارة المستدامة الارتباط بين البيئة والاقتصاد.

فلسفة العمارة الخضراء

تدعو العمارة الخضراء أو العمارة الصديقة للبيئة، إلى تصميم مبان تتفق مع النظم البيئية الطبيعية ومع التقاليد الثقافية والاجتماعية، مع الأخذ بعين الاعتبار أخطار التلوث الناتج عنها في كل مراحل البناء، بدءاً من التخطيط إلى التنفيذ والتشغيل والصيانة، للوصول إلى تحقيق ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية وتوفير الأمان من الكوارث الطبيعية أيضاً.

وتعتمد العمارة الصديقة للبيئة على تشكيل المباني بطريقة مسؤولة بيئياً، تراعي العوامل بأقل استهلاك للطاقة والموارد وأقل آثار ناتجة عن الإنسان والتشغيل، مع تحقيق أقصى توافق مع الطبيعة. الأمر الذي سيساعد في تأسيس ركائز فكر معماري جديد أكثر اتساقاً مع المحيط والطبيعة.

فالعمارة المستدامة تعد أحد الاتجاهات الحديثة في الفكر المعماري، الذي يهتم بالعلاقة بين المبنى وبيئته، انطلاقاً من التفكير في المبنى كنظام بيئي مصغر يتفاعل ويتداخل مع النظام البيئي الأكبر.

الاستدامة في القطاع العمراني

يشير المعماري جيمس واينز (James Wines) في كتابه "العمارة الخضراء"، إلى أن المباني تستهلك سدس إمدادات الماء العذب في العالم، وربع إنتاج الخشب، وخمس الوقود والمواد المصنعة. وفي الوقت نفسه تنتج نصف غازات ما يسبب ظاهرة "الصوبة الزجاجية" الضارة. ويضيف أن مساحة البيئة المشيدة (Built environment) في العالم ستتضاعف خلال فترة وجيزة تراوح بين 20 و40 سنة المقبلة. وهذه الحقائق تجعل من عملية إنشاء المباني وتشغيلها واحدة من أكثر الصناعات استهلاكاً للطاقة والموارد في العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب الدراسات، فإن نحو 50 في المئة من الاستهلاك العالمي للوقود الأحفوري له علاقة مباشرة بخدمات المباني واستخدامها، من تبريد وتسخين وتهوية وإضاءة وغيرها، إضافة إلى الطاقة المستخدمة في صناعة مواد البناء، وصولاً إلى تبعات تشغيل البناء.

هذا، مع الأخذ بعين الاعتبار، مسؤولية المباني في إنتاج ما يفوق 50 في المئة من مركبات الكلوروفلوروكربون، ذات التأثير السلبي على طبقة الأوزون، والتي تستخدم هذه المركبات في مكونات المباني، مثل بعض أنواع العزل الحراري ودوائر التبريد والثلاجات ونظم مكافحة الحرائق وغيرها.

التصميم الأخضر

يدعو التصميم المستدام إلى البناء بطريقة تراعي مبادئ أساسية، أهمها الحفاظ على الطاقة وتقليل الحاجة إلى الوقود الأحفوري، والاعتماد الأكبر على الطاقات الطبيعية واستخدام الأنماط المتجددة من الطاقة لتشغيل المبنى، مثل تحويل طاقة الرياح والشمس إلى طاقة كهربائية واستخدامها في ضخ المياه وتسخينها، وطاقة "البيوجاز" (Biogas) الناتجة عن تحلل النفايات العضوية.

كذلك البعد عن الحلول الميكانيكية في عمليات التبريد والتسخين، واستبدالها بتقنيات تعتمد على تصميم وتشكيل المبنى وتوجيهه واستخدام عناصر جذب الهواء، كالتهوية الطبيعية ومعالجة الفتحات والمعالجات المعمارية.

إضافة إلى التقليل من استخدام الموارد والمواد الجديدة، والاعتماد على مواد بناء تستلزم طاقة أقل أثناء التصنيع، وانتقاء المحلية منها التي تستلزم أياد عاملة، على اعتبار أن الأيدي العاملة أحد مصادر الطاقة المتجددة. وكذلك تقليل استخدام المواد الكيماوية الضارة كالدهانات والمواد اللاصقة السامة، إضافة إلى إعادة تدوير مواد البناء وإعادة استخدام مخلفات المباني. ذلك كله، سيؤمن بيئة عمرانية آمنة ومريحة وصحية تسهم في الرفاهية ورفع الإنتاجية.

أخيراً، إن مفهوم العمارة الخضراء يرمي إلى تحقيق التوافق والتناغم بين احتياجات الإنسان ومعطيات بيئته المحيطة من خلال محاور مترابطة تشمل، حسن استخدام الموارد وجودة توظيفها والتعامل الأمثل مع المتغيرات البيئية والمناخية واختلاف الظروف الجغرافية والاجتماعية للوصول إلى تحقيق راحة الفرد وتأمين احتياجاته المادية منها والروحية.

المزيد من بيئة