Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التحول الآسيوي الأخضر... طوق النجاة من كوارث التغير المناخي

تعمل السعودية على المساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية الناجمة عن إنتاج النفط والغاز في المنطقة لأكثر من 60 في المئة

التحول إلى الطاقة البديلة سبيل النجاة من آثار التغيرات المناخية  (أ ف ب)

في الفترة التي سارع فيها معظم الدول الغربية بالاتجاه نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر، تعاملت الدول الآسيوية، وبخاصة دول جنوب شرقي آسيا، في ملف التحول الأخضر ببطء، إذ تشير الإحصائيات الخاصة بالمنطقة إلى انخفاض تصنيف البلدان الـ10 في مؤشر التنمية المستدامة.

وفي محاولة اللحاق بالركب، يسعى عديد من دول "آسيان" في الآونة الأخيرة إلى التحول باتجاه الاقتصاد الأخضر، والذي يسهم في التنمية الاقتصادية المستدامة وانبعاثات كربونية منخفضة، والتقليل من التلوث البيئي والنفايات، والحد من فقدان التنوع الإحيائي. ويواكب هذا الاتجاه الخطوات العالمية التي تُتخذ لحماية البيئة ومحاولات الحد من الانبعاثات الكربونية لمكافحة التغير المناخي وآثاره السلبية على كل دول العالم. ووفقاً لتقارير اقتصادية، ينتظر الاقتصاد في جنوب شرقي آسيا فرصاً استثمارية تصل إلى تريليون دولار في حالة الاعتماد على الاقتصاد الأخضر، في وقت سعت فيه حكومات "آسيان" في إلى سن قوانين سياسات تصحيحية للتعافي المستدام، والدفع بعجلة الاقتصاد وتنمية الأعمال التي تستثمر في المستقبل الأخضر، والدفع بالمستهلكين نحو تغيير نمط الاستهلاك ليكون أكثر استدامة.

فشركات الطاقة الآسيوية بدأت فعلياً بالاستثمار في الطاقة النظيفة للحد من انبعاثاتها الكربونية، كما أعلنت حكومات "آسيان"، أخيراً، فرض ضرائب على الوقود الأحفوري والمساهمة في تعزيز استخدام الوقود الحيوي والوصول إلى الحياد الكربوني في المستقبل القريب، كما تسهم السعودية في قمتها الحالية لتوحيد الجهود العالمية في هذا المجال ولبلورة تحالف في المنطقة لمكافحة التغير المناخي.

"آسيان" وخطر التغير المناخي

تشير التقارير البيئية والاقتصادية إلى أن الدول ذات الدخل المنخفض ودول المحيط الهادي الجزرية من أكثر المناطق المعرضة لخطر الغرق والتغير المناخي، فهي تحتاج بشدة إلى الاستثمار في حماية بنيتها التحتية، وجعل مصادر المياه أكثر مرونة، وتبني الزراعة الجافة، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر للكوارث الطبيعية.

فوفقاً لتقرير جديد لمنظمة السلام الأخضر لمنطقة جنوب شرقي آسيا، فإن نحو 15 مليون شخص معرضون للخطر في المنطقة مع إمكانية تعرض المدن الساحلية للغرق. ويؤكد التقرير أن مليوناً و500 شخص فيليبيني في العاصمة مانيلا سيغادرون منازلهم المتاخمة للشواطئ، في وقت سيرتفع فيه العدد ليصل إلى ما يقرب من مليون و800 ألف شخص في جاكرتا، في حين يقدر عدد السكان المعرضين للنزوح بسبب ارتفاع منسوب مياه البحار من غرق بانكوك التايلاندية لما يصل إلى 10 ملايين ونصف المليون شخص.

وقدرت منظمة السلام الأخضر الأَضرار المالية من ارتفاع مستويات البحار الشديد والفيضانات الساحلية في عام 2030 لما يصل إلى 724 مليار دولار. وأشار التقرير إلى أن مانيلا العاصمة الفيليبينية، ستحصد خسائر حتى عام 2030 تصل إلى 39 مليار دولار في الناتج الإجمالي المحلي للمدينة.

وتضع هذه المخاطر الكبرى منطقة "آسيان" في موقف حرج، إذ يتطلب منها التوجه إلى مصادر الطاقة النظيفة والاعتماد على الاقتصاد الأخضر بشكل أكبر حتى تتمكن من مجابهة هذه الأخطار والحد من التدهور في الأحوال البيئية للمنطقة.

فرص استثمارية

في الفترة التي سارع فيها عدد من الدول الغربية والأوروبية للاتجاه للطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر، لم تتعامل الدول الآسيوية، وبخاصة جنوب شرقي آسيا، في تلك الجدية نفسها مع الأمر في بدايته، وتشير الإحصائيات الخاصة بالمنطقة لانخفاض تصنيف البلدان الـ10 في مؤشر التنمية المستدامة، وكان أعلى دول "آسيان" في التصنيف تايلاند وفيتنام اللتين حصدتا المركز الـ41 والـ49 على التوالي.

ولكن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً في رؤية دول "آسيان" للاقتصاد الأخضر وحماية البيئة والتنمية المستدامة، حيث ركزت "آسيان" على الطاقة النظيفة ومصادر الاقتصاد الأخضر، وأعلنت الرابطة عن التزامها بالاعتماد على 23 في المئة من مصادر الطاقة الرئيسة في الإقليم على الطاقة المتجددة بحلول عام 2025. كما تؤمن الرابطة أن الطاقة منخفضة الكربون يمكنها أن تجعل اقتصاد "آسيان" المستقبلي أكثر استقراراً، وتضمن تحقيق الطاقة العالمية والإتاحة الصحية ومجابهة التغير المناخي.

ووفقاً لخطة العقد الحالي لعمل "آسيان" للتعاون المشترك في الطاقة والممتدة حتى عام 2025، فإن القسم الأول منها سار بشكل جيد، بحسب ما أشارت له تقارير "آسيان"، إذ ضمنت الرابطة وحققت دولها نحو 13.9 من مصادر الطاقة المتجددة إجمالي إمدادات الطاقة في عام 2018، في وقت تقدر فيه خطة العمل الموضوعة، أن "آسيان" تحتاج إلى استثمارات تصل إلى نحو 508 مليار دولار حتى عام 2040 في مجالات الطاقة النظيفة.

وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن التحول الأخضر للاقتصاد في جنوب شرقي آسيا يمكنه أن يمنح المنطقة فوائد اقتصادية هائلة تصل إلى تريليون دولار سنوياً حتى عام 2030، ويتضمن هذا قيمة ظهور أو نمو المنتجات والقطاعات الجديدة الناتجة عن الاستهلاك والإنتاج المستدام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أن هناك احتياجاً ملموساً في الاستمرار التوسعي في الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، فبحسب متخصصي الاقتصاد، فإن استمرارية التوسع في الاقتصاد الأخضر مناط بعمل عديد من الجهات والمنظمات، وعلى رأسها الحكومات، التي يتوجب عليها الالتزام وسن قوانين صارمة للتعافي المستدام، وكذلك الاستثمارات المستقبلية الخضراء والتغيير من نمط الاستهلاك ليكون أكثر ديمومة.

ويقول سيرغي ماراكوف، المستشار الرئيس لبرنامج الطاقة "آسيان" وألمانيا، إن "آسيان" يجب عليها أن توجه نظرها لاحتمالية الاستثمار في السيارات الكهربائية لمدة أطول.

الطاقة النظيفة

وأقدم عديد من دول "آسيان" على التوجه للتحول الأخضر بشكل متسارع في الآونة الأخيرة، ووضع خطط لخفض انبعاثات الكربون، والدعم المتنامي في مشروعات الطاقة النظيفة والمتجددة.

ففي مايو (أيار) الماضي، أعلنت سنغافورة عن خطة لها لإنشاء مركز عالمي لتبادل الكربون يكون مقره الرئيس في سنغافورة، ويضمن نظام تصنيف خاصاً واسترشادات تضمن جودة وموثوقية ائتمان الكربون للشركات التي تبيع وتشتري هذه الائتمانات، ويأتي ذلك ضمن خطة البلاد الخضراء لعام 2030 التي تهدف لجعل البلد الصغير مركزاً تجارياً رائداً للكربون في القارة الآسيوية.

كما أعلنت شركة "تماسيك" السنغافورية عن نيتها تقليل التلوث والمخلفات في الشركات المنبثقة منها وتقليل انبعاثات الكربون إلى النصف في كل شركات المجموعة بالوصول لعام 2030.

وكانت شركة "بتروناس" الماليزية للطاقة قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي عن تسليمها أول شحنة غاز طبيعي مسال محايد للكربون إلى شركة "شيكوكو إلكتريك باور" اليابانية. وخضعت أرصدة الكربون لشحنة "بتروناس" إلى عملية فحص صارمة، وفقاً لبرنامج معيار الكربون المعترف به عالمياً، والمعتمد لدى الجهات الفاعلة في مجال الطاقة، والمنتجين، إذ تقلل الشركة الماليزية من انبعاثاتها الكربونية عبر سلسلة قيمة الغاز الطبيعي، والغاز الطبيعي المسال. ويأتي ذلك في إطار خطة مدتها 10 سنوات، وضعتها حكومة ماليزيا لتطوير صناعة النفط والغاز، وتحقيق الاستفادة من التحوّل العالمي في مجال الطاقة. وأعلن مسؤول كبير في الشركة، الشهر الماضي، أن "بتروناس" تضع عينيها على الهند للاستثمار في الطاقة المتجددة وتوليد 3 غيغاواط من الطاقة النظيفة التي تستهدفها الشركة.

كذلك كشفت سنغافورة في يوليو (تموز) الماضي عن محطة لتوليد الطاقة الشمسية تعد من أكبر مزارع الألواح الشمسية العائمة في العالم، وتستهدف توليد ما يقرب من 60 ميغاواط، كما ستقلل من انبعاثات الكربون بنحو 32 كيلو طن سنوياً.

وتقدم تايلاند برنامج اتفاقية شراء الطاقة للشركات التي تسمح للقطاع الخاص وشركاته بشراء الطاقة المتجددة مباشرة من المنتجين بدلاً من شركات المرافق العامة، ما يجذب المستثمرين في القطاع الخاص لأن البرنامج يسمح للشركة بتجنب تكاليف الاستثمار الأولية لشركات المرافق.

كذلك فإن رئيس الوزراء التايلاندي أعلن أخيراً عن التزام بلاده تحقيق الحياد الكربوني في عام 2065، وعمل حكومته على مساعدة الشركات في تحولها للاقتصاد منخفض الكربون وتفادي أي عواقب ناتجة عن ذلك التحول. وتركز خطة تايلاند في الوصول إلى صفر انبعاثات كربونية على قطاعي الطاقة والنقل باعتبارهما الهدف الرئيس في حملة خفض الانبعاثات الكربونية، ومن بينها خطة البلاد للوصول إلى 15 مليون سيارة كهربائية خضراء على الطرق بحلول عام 2030.

وتعد تايلاند أكثر بلدان منطقة "آسيان" استخداماً للوقود الحيوي، إذ تشير الإحصائيات إلى اعتماد 17 في المئة من وقود وسائل النقل على الوقود الحيوي، وهو ما تسعى إلى زيادته بحلول عام 2036 ليصل إلى 25 في المئة، في وقت تسعى فيه ماليزيا إلى الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050 مع تقديم خطوات تنفيذية مرتبطة بخفض الانبعاثات مثل تسعير الكربون وضرائب انبعاثات الكربون.

إندونيسيا نحو اقتصاد أخضر

احتلت إندونيسيا المرتبة الخامسة كأكثر الدول المتسببة في انبعاثات الكربون على سطح الأرض، في وقت وصف فيه رئيس مؤتمر المناخ العالمي، ألوم شارما، أن إندونيسيا من القوى الكبرى المؤثرة في المناخ، مشيراً إلى أهمية تحقيق الأرخبيل للأهداف المناخية العالمية، وتتعرض جاكرتا لكثير من الضغوط العالمية لتقليل انبعاثاتها الكربونية وتقليل استخدام الفحم في توليد الطاقة.

وأعرب الرئيس الإندونيسي، جوكو ويدودو، في أبريل (نيسان) الماضي أثناء حديثه في قمة الزعماء للمناخ عن جدية إندونيسيا في التحكم بالتغير المناخي، واعتبرها واحداً من الأهداف القومية، في وقت أقرّ فيه معهد الموارد العالمية بخطوات إندونيسيا التي تتخذها للوصول إلى صفر انبعاثات بحلول عام 2060، أو قبلها.

وأقرت إندونيسيا سياسة تتطلب أن يحتوي وقود الديزل على 30 في المئة خليطاً من زيت النخيل القائم على الوقود الحيوي، وهو ما اتضح في عدد من الخطوات التنفيذية كان آخرها إعلان إندونيسيا الشهر الحالي عن اعتزامها دعم استخدام الوقود الحيوي في الرحلات الجوية، كجزء من جهود البلاد لتقليل انبعاثات الكربون، وأجرت تجربة ناجحة في تسيير طائرة بالوقود الحيوي المستخلص من زيت النخيل، كما أكد الرئيس ويدودو في الأيام الماضية التزام بلاده بالتحول من الطاقة المعتمدة على الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، مشيراً إلى توقعه لإنتاج وتوزيع إندونيسيا 9.2 مليون متر مكعب من وقود الديزل الحيوي في عام 2021.

كذلك، فإن الحكومة الإندونيسية أعلنت عن اقتراب فرض ضرائب على انبعاثات الكربون بداية من أبريل العام المقبل. ووفقاً للخطة الحكومية، فإن ضرائب الكربون ستصل إلى 30 روبية لكل كيلوغرام من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وذكرت صحيفة "جاكرتا بوست" الإندونيسية نقلاً عن مسؤول بالاتحاد الأوروبي، أن من المتوقع أن تقوم إندونيسيا بدور قيادي في قمة المناخ المقبلة للربط بين مصالح الدول المتطورة والدول النامية في ما يخص الالتزامات المالية للوفاء بأهداف اتفاقية باريس للمناخ.

السعودية الخضراء

وتتجه بعض الدول في المنطقة العربية للاستثمار في الطاقة النظيفة في دول جنوب شرقي آسيا التي تشهد اتجاهاً متنامياً للمشروعات الخضراء. وأخيراً، انتهت شركة أبو ظبي لطاقة المستقبل "مصدر" الإماراتية من استكمال تمويل محطة "شيراتا" للطاقة الشمسية الكهروضوئية العائمة في إندونيسيا. كما ارتفعت استثمارات السعودية في مجال الطاقة المتجددة، وأظهرت توقعات إمكانية وصول قيمة الاستثمارات السعودية في مجال الطاقة النظيقة لـ30 مليار دولار بحلول 2025.

وتواكب مبادرة السعودية الخضراء التحول العالمي، والاهتمام بالطاقة النظيفة الملحوظ في جنوب شرقي آسيا، حيث تهدف مبادرة السعودية الخضراء منذ انطلاقها إلى حماية الأجيال المقبلة في السعودية من خلال العمل على تقليل آثار التغير المناخي، وتقليص الانبعاثات الكربونية بأكثر من أربعة في المئة من المساهمات العالمية ودعم جهود المملكة لتصبح رائدة في مجال الاستدامة عالمياً.

وفي مؤتمر المبادرة السعودية، تعمل الرياض من خلال مبادرة الشرق الأوسط الأخضر على قيادة الجهود المعنية بالمناخ داخل المنطقة وخارجها، والمساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية الناجمة عن إنتاج النفط والغاز في المنطقة لأكثر من 60 في المئة وتشكيل أول تحالف لمكافحة التغير المناخي في الشرق الأوسط.