Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ستصبح الرواية البشرية ترفا نخبويا؟

أكثر من نصف الروائيين في بريطانيا يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي قد يزيحهم من المشهد الأدبي، ما يثير مخاوف من نشوء سوق بطبقتين، تصبح فيه الأعمال البشرية امتيازاً لا يقدر عليه سوى الميسورين

هل تجد الكتب المنتجة بالذكاء الاصطناعي ترحيباً في عالمنا الأدبي؟ (غيتي/أيستوك)

ملخص

يتزايد القلق من أن الذكاء الاصطناعي قد يحوّل الرواية البشرية إلى رفاهية نخبوية، مع انتشار النصوص المولدة آلياً وسرعة قبولها في السوق، ما يهدد الإبداع الأصيل ويثير مخاوف من سوق أدبية بطبقتين – بشرية وآلية، على رغم تأكيد البعض أن القراء سيظلون يبحثون عن الأصوات الإنسانية.

في الصباح الذي شهد بدء تفكك خيوط اليقين الواحد بعد الآخر، شعر ليونارد بارتجافة خفيفة وغادِرة، وكأن العالم انحاز في صفه بدرجة دقيقة.

قد يخطر ببالك أن هذه تبدو إلى حد كبير افتتاحية رواية جديدة لـ إيان ماكيوان، ولن تكون مخطئاً تماماً في اعتقادك. لكنها في الحقيقة جملة صاغتها منصة ذكاء اصطناعي مجانية بأسلوب الكاتب نفسه. صحيح أن اللغة هنا متقعرة أكثر مما قد يفضل مؤلف اعتاد استخدام قلمه كمشرط، لكنها تبدو للعين المجردة وللقارئ العادي محاكاة مقبولة لأسلوبه.

ومن السهل فهم سبب اعتقاد أكثر من نصف الروائيين في بريطانيا الذين نشرت أعمالهم بأن الذكاء الاصطناعي قد يطيح بكتاباتهم بالكامل، وفق دراسة جديدة لجامعة كامبريدج.

فهذه المخاوف ليست وليدة اللحظة؛ فالكتّاب يعبّرون منذ شهور، إن لم يكن منذ سنوات، عن قلق متصاعد من سرعة تمدد الذكاء الاصطناعي داخل عالم الأدب. فما إن تطلب من هذه الأنظمة تقليد أي كاتب له رصيد أدبي، حتى تمنحك نسخة مقبولة بأسلوبه، سواء كان مارغريت أتوود أو ستيفن كينغ أو هاروكي موراكامي وغيرهم. وكل ذلك خلال ثوانٍ وبشكل مجاني تماماً. كتاب واحد، عشرة كتب، مئة، ألف... من دون أي كلفة على الإطلاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من البديهي أن هذه الظاهرة تنطوي على مشكلات لا تحصى، بدءاً من الخسائر المالية التي يتكبدها الكتّاب وصولاً إلى السطو على ملكيتهم الفكرية. لكن أكثر الأسئلة إرباكاً جاء على لسان الدكتورة كليمنتين كولت، الروائية والباحثة الرئيسة في تقرير كامبريدج، إذ تساءلت: هل يمكن لانتشار الروايات المنشأة بالذكاء الاصطناعي أن يخلق سوقاً أدبية بطبقتين؟

وقالت في حلقة بثت الشهر الماضي من برنامج "توداي" على إذاعة "راديو 4": "هذا هم حقيقي يحمله المبدعون... إذ تتحول الأعمال المكتوبة بيد بشرية إلى سلعة فاخرة باهظة الثمن، بينما تبقى النصوص المصنوعة بالذكاء الاصطناعي رخيصة أو مجانية".

ومع أن فكرة أن يغرق الجميع - ما عدا الميسورين - في مكتبات مظلمة مكتظة بكتب مزيفة خالية من الفكر والوجدان تبدو مبالغاً فيها، إلا أن ما بدا خيالياً بالأمس أصبح واقعاً اليوم: من انتشار العلاقات التي يديرها الذكاء الاصطناعي، إلى وسائط العلاج النفسي عبره. مفاهيم كانت تذكرنا بحلقات مسلسل الخيال العلمي "بلاك ميرور" Black Mirror باتت في طريقها لتصبح جزءاً عادياً من حياتنا اليومية.

في واقع الأمر، باتت شريحة واسعة من القراء تتقبل، بل وترحب، بمواد مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، بخاصة في مجالات الكتابة غير الروائية. فهذه الكتب تقوم أساساً على سرد الحقائق، وما هو أكثر جفافاً وحيادية من تلخيص آلي بارد؟ (إذا ما غضضنا النظر عن الأخطاء التي تعتريه). لكن هذا التمييز يتجاهل حقيقة أن أفضل الكتاب غير الروائيين يجمعون تلك الحقائق بقدر من التشويق والحيوية والدقة لا يقل إبداعاً عن نظرائهم في الرواية.

كذلك تبرز مخاوف من أن تكون الكتابة الأدبية في بعض الأنواع المحددة – خصوصاً الروايات الرومانسية والبوليسية - الأكثر عرضة للخطر، نظراً لبنيتها الأكثر نمطية التي تجعل استنساخه أسهل بالنسبة للذكاء الاصطناعي.

غير أن الدكتورة كولت ترى أن هذا الافتراض يتغافل عن كتّاب هذا النوع ممن يبرعون في إدخال المفاجأة والتجديد إلى حبكاتهم. ومع ذلك تبقى الحقيقة أن الطلب على هذه الروايات هائل، وربما يفوق قدرة حتى أكثر المؤلفين إنتاجاً على مجاراته بالسرعة التي يتوقعها القراء اليوم. المعادلة السائدة واضحة: المزيد والمزيد، وبأسرع ما يمكن.

وحين يتعذر على الكاتب مواكبة الطلب، يقف الذكاء الاصطناعي جاهزاً بمخطوطة من أربعمئة صفحة. ولا شك في أنه لو كان هذا النوع من التكنولوجيا موجوداً قبل سنوات، لطلبتُ منه جزءاً جديداً من سلسلة "توايلايت" Twilight فور انتهائي المبلل بالدموع من قراءة فصلها الأخير، إذ كان لدي شغف لا ينتهي بقصص حب مصاصي الدماء الموجهة للمراهقين.

المخيف حقاً هو السرعة التي اعتدنا بها - ولو على مضض - على وجود الذكاء الاصطناعي في الفنون، ذلك المجال الذي كان يُعتقد أنه الحصن الأخير في وجه تغلغله في بقية نواحي الحياة.

صحيح أنه في عام 2023، واجهت موجة غضب واسعة كشف مارفل عن استخدامها للذكاء الاصطناعي في مقدمة مسلسل "الغزو السري" Secret Invasion الذي تعرضه شبكة "ديزني بلس"؛ لكن بعد عامين فقط خفتت تلك الضجة. حتى عندما أعلنت "نتفليكس" استخدامها للمرة الأولى لقطات مولدة بالذكاء الاصطناعي لتجسيد انهيار مبنى في مسلسل الخيال العلمي "ذي إيترنوت" The Eternaut، اقتصر الأمر على تململ خافت لا يرقى إلى العناوين العريضة. (صحيح أن الإعلان هذا العام عن الممثلة المبتكرة بالذكاء الاصطناعي تيلي نوروود أثار غضباً كبيراً، لكنه ينتمي إلى مستوى آخر من الجدل).

فكرة ظهور سوق أدبية بطبقتين تبدو مقلقة بحق. وربما كان الشرخ موجوداً أصلاً: فالقراءة امتياز يتطلب وقتاً، والكتب يمكن أن تكون رفاهية صغيرة، في بلد يظهر فيه مسح أجري عام 2022 أن واحداً من بين كل خمسة أطفال في إنجلترا لا يملك حتى كتاباً واحداً في البيت. ولا يزيد تعميق هذا التفاوت أكثر الطين إلا بلة.

لكن ليس الجميع خائفاً. توبي كوفنتري، المتخصص في البحث عن الكتب التي تستحق نقلها إلى الشاشة الكبيرة، وصاحب رواية "إنه الشيطان" He’s the Devil المرتقبة العام المقبل، لا يرى أن "الكتب التي يكتبها البشر ستختفي".

ويعتقد أن التركيز المفرط على الذكاء الاصطناعي يصنع دائرة من الهلع تغذي نفسها. ويضيف: "أحاول ألا أسمح لتلك الفكرة بالسيطرة، لأنها إن فعلت فقد تثني الناس عن الكتابة. فإذا قيل لنا إن نصف الكتب ستكون من إنتاج الذكاء الاصطناعي، فلن يقوم كثر بالكتابة أصلاً. والطريقة الوحيدة لمواجهة ذلك هي مواصلة الكتابة".

في نهاية المطاف، مهما بدت الجملة التي أنتجها الذكاء الاصطناعي شبيهة بما يكتبه إيان ماكيوان، فإنها لن تكون في يوم ما جملته الحقيقية. والاضطرار إلى قراءة كتب ألفتها الآلة فقط لأن الكتب البشرية أغلى ثمناً هو مسار يجب تجنبه بكل السبل. هذا ما تحذر منه الدكتورة كولت، مؤكدة أن "العواقب الاجتماعية ستكون جسيمة"، داعية الحكومة إلى وضع ضوابط تحمي الصناعة.

أما كوفنتري فهو أكثر تفاؤلاً، إذ يقول: "أؤمن بأن الناس سيواصلون البحث عن تلك الأصوات البشرية، وستستمر رغبتهم في معرفة أن شخصاً ما جلس وفكر وكتب من عقله وقلبه، ثم وصل إليهم كقراء... لا أظن أن هذا سيختفي في يوم من الأيام".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من كتب