Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هيرمان كوخ يروي الخيانة الزوجية والفساد السياسي  

الرواية الهولندية "عمدة أمستردام" الأكثر مبيعاً تحولت إلى المسرح والسينما

الروائي الهولندي الشهير هيرمان كوخ (دار العربي)

تتناول رواية "عمدة أمستردام"، للكاتب هيرمان كوخ (ترجمة محمد عثمان خليفة، دار العربي، القاهرة) موضوعاً يبدو بسيطاً، ولطالما عولج أدباً ودراما، من ثقافات مختلفة. زوج يشك في أن زوجته تخونه. الزوج هنا يشغل منصباً سياسياً مرموقاً، ويعتبر شخصية عامة في بلده، ومن ثم يسيطر عليه التفكير في الفضيحة التي يمكن أن تسببها له خيانة زوجته في حال عرفت بها الصحافة. تتحول حياته إلى جحيم، بعد انشغاله بمراقبة تصرفات زوجته وردود أفعالها، مع الحرص على عدم الافصاح لها عن شكوكه، والتصرف كأي زوج طبيعي.

عبر سرد ذاتي، يستهل "روبرت والتر"، الرواية بمخاطبة قارئ ضمني، ليخبره بأنه يكتب عن زوجته باعتبار أن اسمها "سيلفيا"، ويصارحه بأن هذا ليس اسمها الحقيقي، وأنها ليست هولندية. وهكذا من البداية يبرز الإيهام بأننا بصدد قصة حقيقية، ما يبرر عدم ذكر الأسماء الأصلية لشخصياتها؛ "احتراماً للخصوصية"، بحسب بطل الرواية وراويها الوحيد.

في حفلة حضرها العمدة وزوجته، لاحظ أن الأخيرة انفردت بأحد الضيوف وبادلته حديثاً هامساً، ثم تبادلا الضحك بصوت مسموع، فانتابته الشكوك في أنهما على علاقة عاطفية سرية. مضى على زواجهما نحو عشرين عاماً، وأنجبا بنتاً أعطاها السارد اسم "ديانا". بلغ الستين من عمره، وما زال يتمتع بما يسمى "الذاكرة طويلة الأمد"، التي تجعله يتذكر جيداً ما حدث في الماضي، لكنه يعاني في الوقت نفسه من "ذاكرة قصيرة الأمد"، إذ ينسى أين وضع نظارته، هاتفه، مفاتيح دراجته، يقف في الحمام وقد نسي سبب وجوده فيه.

إتكاء سردي

لكن هذا الموضوع، يبدو مجرد إتكاء لأن يسرد "روبرت والتر"، على قارئه الافتراضي، سيرته بشقيها الشخصي والمهني، منذ أن كان فتى يافعاً يعتنق الأفكار الشيوعية، ويشارك في التظاهرات المنددة بأميركا والإمبريالية والرأسمالية، وصولاً إلى هموم منصبه الذي يؤرقه أنه يكاد يكون منصباً شكلياً، وهمومه العائلية خصوصاً في ما يتعلق بصداقات ابنته المراهقة، ورغبة أبيه في أن ينتحر هو وأمه لتجنب المزيد من أعباء الشيخوخة، فضلاً عن الانشغال بخصوصية هولندا المهددة من وجهة نظره من جراء غزو ثقافات أخرى لثقافتها العريقة.

مثلاً؛ المدير الإداري لمبنى البلدية أقرَّ بأنه يسرق من المال العام. كان يسرق مبالغ تافهة من دون أن يكون لديه مبرر لذلك، سوى أنه مريض يحتاج إلى علاج نفسي، لكنه لا يجرؤ على فعل ذلك خوفاً من تسرب هذا السر إلى أسرته. مع ذلك يقرر العمدة الاستغناء عن خدماته، بدلاً من إحالة أمره إلى السلطات المختصة. يطلب السارق الصفح عنه والإبقاء عليه في عمله. لكن العمدة يصر على قراره، فلا يجد ذلك الموظّف بداً من أن ينتحر شنقاً. وأثناء جنازته تتجدد شكوك العمدة في أن علاقة عاطفية تربط زوجته بالشخص نفسه الذي كانت تبادله الضحك والحديث بصوت هامس في الحفلة إياها. فهذا الشخص هو أيضاً موظف في مبنى البلدية، وكان من الطبيعي أن يحضر جنازة زميله المنتحر ويقابل في الكنيسة العمدة وزوجته التي تنصرف قبل انتهاء المراسم، بدعوى أن ابنتها تنتظرها لتتسوقا غرضاً ما.

الشكوك تتواصل

حتى بعد أن يسافرا في إجازة إلى باريس، تتواصل شكوك العمدة في زوجته. يسأل نفسه: "هل صفّفت في الأسابيع الأخيرة شعرَها بطريقة جديدة؟ هل وضعت مكياجاً أكثر أم أقل؟ هل فقدت وزناً. فقدان الوزن، تسريحة الشعر المختلفة، والمزيد من أحمر الشفاه، هي دلالات واضحة على وجود خيانة زوجية" ص102 و103.

لكنه لم يلحظ شيئاً غير عادي، ومع ذلك لم يتوقف عن الشك. في رحلة الشك تلك، يستعيد العمدة بدايات ارتباطه بزوجته وبلدها؛ "القادر على صهر الوجوه وتشكيلها لتبدو وكأنك ترى فيها مستقبلها البائس" ص139. يعتقد أنها فضَّلته على رجل من قريتها؛ "لا يريدها إلا لتخدمه، ويتحكم فيها مثل حيوان في حظيرته، وربما يرحمها فلا يقطع رقبتها". كان يتفاهم معها بمزيج "متعثر بائس" من الإنجليزية والفرنسية. كان يزور بلدها (الذي يصر على عدم ذكر اسمه صراحة) سائحاً منجذباً إلى نسائه فائرات الأنوثة؛ "وهو صنف انقرض في هولندا".  

يريد أن يعرف منذ متى كانت زوجته تخونه. سيتكرر اسم عضو المجلس المحلي "مارتن فان هوخشترتن" كثيراً، بما أنه الشخص الذي يعتقد العمدة أن زوجته تخونه معه. علاقة إن تسرّبت إلى وسائل الإعلام ستتحول إلى فضيحة كبرى. أبوه عمره 95 سنة ولا يرغب في أن يعيش أكثر من ذلك، ولذلك يقرر أن ينتحر هو وزوجته قبل أن يصلا إلى مرحلة من الشيخوخة تفقدهما القدرة على الاستمتاع بالحياة. لكن الأمر ينتهي بأن تموت الأم، وينجو الأب من محاولة الانتحار. قبل ذلك يفاجأ العمدة بصحافية تتهمه بالتسبب في إصابة شرطي بالشلل حلال مشاركته في تظاهرة ضد تورط أميركا في حرب فيتنام وتريه صوراً نشرتها الصحف في حينه، ويظهر فيها وهو يقذف الشرطي بحجر. يقول لها: "كان ذلك منذ زمن بعيد، ولكنني أتذكره كما لو أنه وقع أمس. أجل. هذا أنا. أنا من في هذه الصور. أنا من حمل الطوبة". لكن رئيس تحرير الصحيفة التي تعمل بها تلك الصحافية يقرر وقف الأخيرة عن العمل بعد تكرار مواضيعها التي ثبت أنها ملفقة، ومنها مقابلة مع هيلاري كلينتون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"أمستردام واحدة من أكثر المدن قذارة في أوروبا"؛ يقول الراوي. ويضيف "بل ربما في العالم الغربي كله". وهنا يتأكد أن منصبه شرفي بما أن القرارات تؤخذ بتصويت يمنع نظام البلد أن يشارك فيه. كان قبل عامين على قائمة مجلة "تايم" للشخصيات المئة الأكثر تأثيراً في العالم... "كنتُ العمدة الوحيد، والهولندي الوحيد، في تلك القائمة". حدث ذلك على رغم تدهور المدينة خلال فترة عموديته، وإغلاق متحف "ريكز" طوال سبع سنوات. نحن نعيش في ديمقراطية - يقول الراوي عن بلده-  لكن المعارضة ليست محل تقدير.

وبالعودة إلى شكوكه في زوجته التي لن يجد أبداً دليلاً على صحتها، سنجد أن أصل ذلك هو اعتقاده أن ثقافة "سيلفيا" (ليس اسمها الحقيقي) لا يمكن أن تعصمها من الوقوع في الخيانة الزوجية... "الكذب جزء من تلك الثقافة. طبيعة تجري في دماء أهل بلدها الأصلي. الكذب في بعض الثقافات حيلة للبقاء. هكذا بكل بساطة. يكذبون لأنهم يعرفون أنهم سوف يساوِمون".

يبقى أن أشير إلى هيرمان كوخ (1953) الذي يعتبر الكاتب الهولندي الأعلى مبيعاً وترجمة في العالم، هو أيضاً ممثل كوميدي، نشر روايته الأولى "أنقذينا يا ماريا مونتانيللي" عام 1989. وفي عام 2009 نشر روايته "العشاء" وهي أول رواية هولندية تصل إلى قائمة الأكثر مبيعاً لجريدة "نيويورك تايمز" الأميركية، وترجمت إلى أكثر من 34 لغة، وتم تحويلها إلى مسرحية عام 2012، وجرى كذلك تحويلها إلى فيلم هولندي عام 2013، وآخر إيطالي عام 2014، قبل أن تلتقطها هوليوود وتحولها إلى فيلم من بطولة ريتشارد غير.

المزيد من ثقافة