Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيناريو التطورات السودانية بين التفجير والحل

إذ لم تسرع المقاومة الشعبية في الحد من الانقلاب ستشهد البلاد ديكتاتورية سوداء واشتعال العنف وارد

مخاوف من انفجار العنف في السودان وخروج الأوضاع عن السيطرة (أ ف ب)

قد تكون خطة هذا الانقلاب الذي جرى الاثنين واعتُقل على أثره رئيس الحكومة عبد الله حمدوك وعدد من الوزراء، قبل أن يعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وتعليق الوثيقة الدستورية وحل مجلسي السيادة والوزراء، اعتمدت على استراتيجية تفجير الأزمة، إيذاناً بحلها بإعادة تشكيل حكومة جديدة، أو انقلاب يسيطر فيه العسكر.

وبين السيناريوهين وغيرهما اختلفت الرؤى بين من يتوقع حدوث حالة عنف يقابلها عنف مضاد، أو حالة عاصفة يعقبها هدوء. ولسنا بعيدين عن بداية ثورة ديسمبر (كانون الأول) التي واجهت فيها فكرة التغيير أكبر تحدٍّ لها، وهو أن تظل سلمية، إذ حقق منهج التغيير السلمي نتائج حقيقية، لكن لم يستطع الثوار تفادي فض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة الذي خلف كثيراً من الضحايا والجرحى والمفقودين.

الآن، جاءت التطورات الأخيرة وهي تحمل فكرتين، إحداهما أنه إعادة تشكيل الوضع القائم بما يتناسب مع ظروف ومصلحة السودان، والثانية أنه تغيير بالقوة يتغوَّل على التغيير السلمي.

طبيعة الانتقال

قال الدبلوماسي كرار التهامي، "السيناريوهات التي تنتظر السودان بعد التطورات الأخيرة مبنية على الطبيعة التي تأسس عليها الانتقال والشراكة التي قام عليها، فقد أسهمت في هذا التعقيد الذي وصل أخيراً إلى القطيعة، فالشك المتبادل بين المكونين المدني والعسكري كان عنوان تلك العلاقة من البداية".

وأضاف، "ارتكب المكون المدني في الحكم كثيراً من الأخطاء التي باعدت بينه وبين الجماهير وبعض النخب الموالية له، فعلى صعيد إدارة الدولة كان مستوى الأداء ضعيفاً ومخيباً للآمال، ولم تشفع للحاضنة السياسية شعارات الثورة ولا شماعة الدولة العميقة، لأن معاناة الناس دخلت في اللحم والعظم، واتسعت الشقة بين تلك الحاضنة الفسيفسائية ذات السطوة في السلطة التي وعدت في بداية الثورة بالنأي عن المحاصصة الحزبية والاكتفاء بحكومة التكنوقراط لإدارة الفترة الانتقالية، لكنها نكصت عن ذلك الالتزام الأخلاقي والدستوري".

انعدام المرجعيات

وعلى صعيد الأداء الحكومي ذكر التهامي أن "الفترة الانتقالية اتسمت بانعدام المرجعيات السياسية الواعية التي تساعد على اتخاذ القرار، واعتماد الأداء التنفيذي على الحلول الفردية والاجتهادات المنبتة التي أضعفت الحكم والإدارة في مجالات الاقتصاد ومعاش الناس وأمن المجتمع. واعتمدت فقط على الدعاية السياسية لتلميع وجه الحكومة السياسي، وعلى أداء لجنة تفكيك التمكين التي افتقرت إلى السند القانوني اللازم في تحقيق العدالة الانتقالية، وعزلت قطاعات مهنية وأكاديمية ومجتمعية نوعية وكبيرة، كما اعتمدت على الإثارة الإعلامية وتعميق خطاب الكراهية، وتحولت إلى أداة قهر ظهرت فيها كثير من حالات الفساد والابتزاز الذي رشح في وسائل الإعلام، ووصل إلى الدوائر العدلية والمحاكم كما هزمت قضايا الفساد الكبرى أمثال شركة الفاخر وشركة زبيدة وجبل عامر وتهريب الذهب المشروعية الأخلاقية للحكم، مع غياب المؤسسات العدلية الكبرى كالمحكمة الدستورية والمؤسسات التشريعية والقضائية على مستوى الولايات والمركز فانعدمت الرقابة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن "كل ذلك جعل الدور المدني يتقزم ويتراجع بينما تمدد الدور العسكري معنوياً وإعلامياً في مساحات كثيرة وفي مرات عديدة بقبول ورضوخ الشريك المدني مثل تولي العسكر اللجنة الاقتصادية العليا ومحادثات السلام. وكانت ثالثة الأثافي الانقسام العنيف في المكون المدني الذي دخلت في جسده جرثومة التحزب والفرقة والطمع السياسي".

وأكد أن كل ذلك "أدى إلى شعور العسكريين أنهم أمام مجموعة مدنية معزولة جماهيرياً ومتعثرة تنفيذياً، فأغرى ذلك بتدخل الجيش عبر قائده العام وحل المؤسسات بذريعة الحفاظ على الفترة الانتقالية إلى حين الانتخاب، على الرغم من أنه يظل من الصعب استبطان النيات الحقيقية للجيش".

طاقة ثورية

وأبان التهامي "لقد تحركت الجماهير بالطاقة الثورية نفسها المتبقية من ثورة ديسمبر التي ما زالت متأثرة بذكريات النضال ودراما الحراك العريض وما فيه من تجليات ثورية وإبداعات جماهيرية، لكن هنالك عناصر واعتبارات لا بد من وضعها في الحسبان، وهي أنه في حال قدرة القوات المسلحة على التماسك والتوحد في مواجهة هذه الضغوط فإن الأمر قد يطول ولا ينتهي، وأن المآلات لا تكون متماثلة على طريقة ثورات أكتوبر (تشرين الأول) وأبريل (نيسان) وديسمبر، ولعل تجربتي الجزائر ومصر وغيرهما خير دليل وسيطرح التاريخ طريقاً ونهاية مختلفة تماماً".

ورأى الدبلوماسي "احتمال الانزلاق إلى العنف غير وارد، نظراً إلى الكتلة العسكرية المركبة المتمثلة في القوات المسلحة والدعم السريع والحركات ذات الشوكة والسلاح، فالعنف المضاد يبدو محدوداً وغير ذي شأن، وعليه، حتى إذا تواصل التحشيد الجماهيري مشفوعاً بتلميحات الضغط الدولي الذي ركز على السودان بصورة استثنائية، سيكون العنصر المحدد للمآلات هو وحدة الجبهة العسكرية وقدرة العسكريين ومن يتفق معهم على أن ما يجري ليس انقلاباً كما تصور الدعاية السياسية الضخمة في الداخل والخارج".

وتابع، "المطلوب الآن السير في الطريق لرقابة وطنية ودولية لالتزام المؤسسة العسكرية بالعودة للديمقراطية، وتذكير الأحزاب التي كانت في السلطة والمجموعات القادمة أن احتكار العمل السياسي والانفراد به تحت أي مبرر ديمقراطي أو قمعي يخلق أوضاعاً مأزومة ومكبوتة تنفجر من الداخل وتعيق التطور السياسي وتعيد النكسات والخيبات الوطنية".

وتوقع التهامي "قيام حكومة كفاءات واحتمال نجاحها النسبي في معالجة الضرر الاقتصادي الماثل وتغيير معادلة الشراكات السياسية إلى شراكات أوسع وأمتن وهدوء الأوضاع، وتغير لغة المجتمع الذي تعوَّد أن يتطبع مع الأحوال المحلية إذا رآها تجنح إلى الهدوء والاستقرار".

محاولة يائسة

قال أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية، حسن بشير محمد، "المحاولة الانقلابية يائسة وغير محسوبة العواقب، وتمت من دون خطة أو رؤية واضحة، والاستقواء بالحركات المنشقة عن قوى الحرية والتغيير، والاعتماد على القطاعات الاجتماعية والأهلية التقليدية التي ليست لها علاقة بالحداثة التي شاركت في اعتصام القصر، كل هذه التكوينات لن تضفي أي مسحات تجميلية على الوضع الراهن. وسيستفيد العسكر من هذه القوى إضافة إلى فلول النظام السابق بتوظيفها والتحالف معها، وفي هذه الحالة ستعاني حكومة العسكر معضلة أن الدول الإقليمية الداعمة هذا الانقلاب من تحت الطاولة رافضة مشاركة الإخوان المسلمين".

وأوضح "تشكل إدانة المجتمع الدولي الانقلاب العسكري على الثورة وضد التحول الديمقراطي مأزقاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً للسودان، بالتالي ستخضع البلاد إلى عزلة أسوأ من تلك التي حدثت في عهد نظام البشير، لأسباب أهمها أن الدول الفاعلة ستوقف التعامل مع السودان، وستتوقف مِنح الأمم المتحدة لدعم الإصلاح المؤسسي، والمساعدات التي كان مخططاً لها أن تُحوَّل لدعم التحول الديمقراطي، إضافة إلى الحزم الاقتصادية المقررة، ومبادرة (الهيبك) والاتفاقات الاقتصادية مع البنك الدولي ومؤسسات التمويل الأخرى. وعلى المستوى الإقليمي ستتوقف معونات بنك التنمية الأفريقي".

ديكتاتورية سوداء

وأضاف أستاذ الاقتصاد السياسي "سيتعرض السودان لعقوبات اقتصادية جديدة وحتى الدول الإقليمية الداعمة له سيتم الضغط عليها". وتوقع أن "يقوم المجمع العسكري في الأيام القريبة المقبلة بالصرف من الثروة المتراكمة لديه، على الخبز والوقود وتوفير بعض الاحتياجات الأساسية بشكل مؤقت، ما يعطي صورة كاذبة عن تحسن الأوضاع، لكن الموارد ستنضب بسرعة، وستكون صورة الجيش والدعم السريع كأنه يأكل من سنامه".

وأكد "إذا لم تسرع المقاومة الشعبية في الحد من الانقلاب سيشهد السودان ديكتاتورية سوداء، وسينفجر العنف وستخرج الأوضاع عن السيطرة، خصوصاً أن هناك مناطق خارج سيطرة الجيش وتسيطر عليها بعض الحركات المسلحة مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان جناح عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور".

وتابع "ستستمر المقاومة السلمية للشعب والوسائل المجربة في ثورة ديسمبر، وستعتمد على العصيان المدني والإضراب العام، ومظاهر العنف يمكن أن تأتي من جهات أخرى مثل بعض الحركات المسلحة". ورأى أن "الحل يكمن في تراجع الانقلابيين وإطلاق سراح المعتقلين والسماح بعودة الوزراء والوصول إلى تفاهمات جديدة مع المكون المدني، خصوصاً أن هذا الانقلاب وحد قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين، وتجمع القوى المدنية بعد انشقاق الحركات المسلحة وتأييدها الانقلاب".

افتعال أزمات

قال الحقوقي والسياسي، عمر سيد أحمد، "أراد المجلس العسكري في البداية تكرار تجربة عام 1985 بعد انتفاضة أبريل على نظام جعفر النميري، وكان على رأس المجلس العسكري آنذاك المشير عبد الرحمن سوار الذهب، الذي عين حكومة كفاءات برئاسة الجزولي دفع الله، ووافق المجلس العسكري الانتقالي على فترة انتقالية مدتها عام تهيئ لانتخابات عامة، وقد أوفت تلك الحكومة بوعدها في الزمن المحدد، وهذا ما لم يتم في هذه الفترة الانتقالية، إضافة إلى انشقاق قوى الحرية والتغيير وانضمام المنشقين إلى المكون العسكري".

وأضاف، "بعد ذلك جرى افتعال الأزمات نسبة لتقاطع المصالح بين المكونين، فبدأت إثارة الفتن في دارفور المشتعلة أصلاً، والنيل الأزرق وشرق السودان، وقد عبر ناظر نظارات البجا محمد الأمين تِرك عن ذلك بأنه يتلقى أوامره من البرهان، ثم حدث سيناريو الانقلاب الفاشل في سبتمبر (أيلول) الماضي، وصولاً إلى اعتصام القصر. وفي المقابل أخطأ المكون المدني بانتهاج المحاصصات الحزبية، وأصبح القرار في السودان تتخذه أربعة أحزاب فقط".

ضغط شعبي

وأوضح سيد أحمد أن "ردة فعل الشارع وحركة المواكب السلمية التي بدأت إرهاصاتها في 21 أكتوبر الحالي تؤكد أن العسكر لن يستمروا في حكم السودان". وبين أن "هناك عدة سيناريوهات، الأول، زيادة التصعيد خصوصاً أن عدد الضحايا في اليوم الأول وحده وصل إلى سبعة قتلى و140 مصاباً، ما يؤزم الوضع ويضع العسكر في ورطة حقيقية. والسيناريو الثاني، استمرار الضغط الشعبي والعصيان المدني وقد بدأ ذلك فعلاً، فالبلد الآن في حالة شلل تام، وأغلب القطاعات المهنية ومنظمات المجتمع المدني أعلنت إضرابها وأدانت الانقلاب، ومنها نقابة الأطباء ونقابة المحامين والتحالف الديمقراطي للمحامين، والجبهة الديمقراطية للمحامين السودانيين ونقابة المعلمين وتجمع المصارف وتجمع المهنيين. والسيناريو الثالث أن يتراجع الانقلابيون عن انقلابهم وهذا بعيد عن التحقق. أما السيناريو الرابع فهو تدخل المجتمع الدولي والدول الإقليمية لحل الأزمة، وهذا أقرب إلى التحقق".

وتوقع "أن ينشب عنف وذلك لوجود عدد من الجيوش تمتلك السلاح". وأضاف "ما يقوي موقف العسكر هو مقابلة المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، الفريق البرهان وحمدوك أيضاً، وموقف روسيا الداعم لهم إذ كانت هناك اتصالات بين العسكر وروسيا، وكذلك التطبيع مع إسرائيل، بينما يعول المكون المدني على الشارع".

وتابع، "للحد من تدهور الأوضاع يمكن أن تكون هناك مبادرة من السياسيين في الداخل وخارطة طريق لاستكمال مهام الترتيبات الأمنية، وهي أكثر فاعلية من المبادرات الخارجية، إضافة إلى الحوار".

المزيد من تحلیل