Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معرض بريطاني وكتاب: نيرون لم يحرق روما 

قطع أثرية ولوحات ونقوش تكشف ظروف الحكم الروماني المضطرب

من أجواء المعرض في المتحف البريطاني (الخدمة الإعلامية للمعرض)

يعد الإمبراطور الروماني نيرون أحد أشهر أباطرة الرومان، اعتلى عرش روما عام 54 ميلادية وهو في سن السادسة عشرة، وانتهى حكمه بانتحاره وهو في الثلاثين من عمره. ودائماً ما يرتبط اسم نيرون بالقسوة والجنون، فقد صورته المرويات التاريخية طاغية مهووساً وغريب الأطوار. وهل هناك جنون أكثر من إحراقه روما، ثم جلوسه في شرفة قصره منتشياً بالعزف والغناء، مراقباً النيران وهي تأكل عاصمة إمبراطوريته؟ قيل أيضاً إنه دفع والدته إلى الانتحار، كما قتل زوجتيه الأولى والثانية، وغيرها من الروايات المروعة التي يوردها المؤرخون كسبب لتداعي ملكه وإنهاء حكم سلالته.

حول هذه الفترة التاريخية المليئة بالاضطرابات يسلط معرض القطع الأثرية الذي ينظمه حالياً المتحف البريطاني الضوء على هذا الإمبراطور المثير للجدل. يقام المعرض تحت عنوان "نيرون... الرجل خلف الأسطورة" ويستمر حتى الرابع والعشرين من هذا الشهر، ويضم أكثر من مئتي قطعة أثرية، بين لوحات ورسوم ونقوش وأدوات معدنية وحجرية. ويصاحب المعرض إصدار كتاب مصور يضم عدداً من الأبحاث الحديثة حول هذا الإمبراطور الروماني وفترة حكمه المضطربة.

التشكيك في السردية التاريخية

الجديد هنا أن المعرض والكتاب المرافق له يشككان في هذه السردية التاريخية حول نيرون، ويلفتان الانتباه إلى ما فيها من نقاط ضعف بعيداً عن التصورات التقليدية والشائعة. يتناول الكتاب المصاحب للمعرض بالتفصيل التوترات السياسية المصاحبة لحكم نيرون، والتحديات التي واجهتها عائلته، وكيف تصدت للمؤامرات الداخلية والتهديدات الخارجية. يقدم الكتاب أدلة مثيرة للاهتمام جمعت من أماكن أثرية عدة تشير إلى الشعبية الواسعة التي كان يحظى بها هذا الإمبراطور الروماني، وهو ما يتناقض تماماً مع السرد التاريخي الذي أورده المؤرخون. فبين أسماء الأباطرة والرسوم التي وصلت إلينا منقوشة على جدران البيوت والأبنية التي تعود إلى الحقبة الرومانية نجد أن اسم نيرون هو الأكثر شيوعاً بينها. يعتبر الكتاب أن أهمية هذه الرسوم والكتابات تكمن في فرادة مصدرها، إذ تعبر عن مواقف -وآراء- عامة الناس، الذين تتجاهلهم عادة المصادر الأدبية القديمة.

ترسم الأبحاث الواردة في الكتاب صورة مختلفة لنيرون كقائد عسكري وسياسي بارع نجح في السيطرة على تمرد بعض الولايات بذكاء وحنكة، وأنجز عدداً من الإصلاحات الإدارية والضريبية. وإنشاءاته العمرانية تعكس اهتمامه برفاهية الناس، فقد توسع في بناء الحمامات العامة وأماكن الترفيه ووضع لوائح للبناء من أجل الحفاظ على هيئة المدينة وسلامة المباني بها.

مناخ مضطرب

يذهب الكتاب إلى أن القطاعات المعادية من النخبة الحاكمة هي السبب في المناخ المتوتر المليء بالاضطرابات الذي ساد فترة حكم نيرون، بخاصة خلال سنوات حكمه الأخيرة. وترى القائمة على المعرض، فرانشيسكا بولونيا، أن معظم الآراء التي أوردها المؤرخون عن فترة حكم نيرون تعود غالباً إلى أشخاص ينتمون إلى النخبة السياسية المعادية له. وقد استعان بهم الحكام الجدد لتشويه سمعة نيرون وتدنيس صورته، كمبرر لإنهاء حكمه والقضاء على سلالته، ولإضفاء الشرعية على حكم الأسرة الجديدة.

وترى بولونيا أن هذه الآراء التاريخية غير المحايدة التي أوردها هؤلاء الرواة هي التي شكلت فهمنا فترة حكم هذا الإمبراطور، ودعمت صورة ملفقة وغير حقيقية له. ومن بين هذه المرويات مثلاً واقعة قتله أمه، كإشارة إلى وحشيته. ترى بولونيا أن هذه الروايات لا تقدم لنا في الحقيقة دليلاً واحداً على حدوث هذا الأمر أو كيفية حدوثه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يفند الكتاب الكثير من الوقائع التاريخية القاسية الأخرى المرتبطة بنيرون، كقتله زوجتيه الأولى والثانية، ويلفت الانتباه إلى ما فيها من تحريف ومبالغة. أما عن حريق روما الشهير الذي اتهم نيرون بإشعاله، فتلفت إلى ما في هذه الرواية من خيال ومبالغة زائدة. فالمؤرخ الوحيد، كما تقول، الذي عاصر هذه الواقعة، وهو "تاسيتوس"، يذكر أن نيرون لم يكن حتى في روما عندما بدأ الحريق، وأنه عاد إليها ليقود جهود الإغاثة، ومع ذلك فقد تعمد المؤرخون اللاحقون تهميش هذه الرواية متبنين الرواية الأخرى التي تبدو أقرب إلى الخيال المسرحي من دون سبب واضح.

فهل دمر هذا الإمبراطور روما حقاً أم أعاد لها مجدها؟ هل هو خائن، أم سياسي بارع؟ هل كان رجلاً مغروراً إلى حد الجنون، أم عاطفياً ومحباً للموسيقى؟ هل كان طاغية أم ضحية دعاية شريرة؟ لا يقدم الكتاب والمعرض إجابات صريحة عن هذه التساؤلات، بل يترك الأمر للقارئ وزائر المعرض كي يستنبط الإجابة بنفسه.

المزيد من ثقافة