Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمكن أن تصبح "طالبان" حركة سياسية معتدلة؟

يقول التاريخ إنه كلما اقتربت التنظيمات والحركات من الحكم ساد الأكثر تطرفا وتشددا

لم يحدث حتى الآن أي دليل على تغير المنطلقات الفكرية لحركة طالبان في أفغانستان (أ ف ب)

يتردد في بعض الأوساط أن أحد أبعاد المراهنات الأميركية في الانسحاب الفاشل من أفغانستان أن حركة "طالبان" قد تمر بتغيرات جذرية بعد تسلمها الحكم، لتصبح أكثر اعتدالاً، وأنه ربما سيجري توظيفها كذلك في الاستراتيجية الأميركية ضد الصين وروسيا.

في الحقيقة، إن هذه الفرضية مطروحة بشأن حركات الإسلام السياسي منذ عقود، وتدور حول طرح قوامه أن مفتاح تحقيق الاستقرار في العالم الإسلامي يكون بمساعدة الحركات التي تتبنى رؤية قوامها بناء نظم سياسية تعتمد هذا الدين مصدراً للحكم والشرعية، وأن وصول هذه الحركات إلى الحكم سيحولها إلى توجهات أكثر اعتدالاً.

ومن الضروري أن نسترجع هنا أن هذه الرؤية ليس فقط مصدرها غربي، بل روج لها كثير من الرؤى الفكرية في العالم الإسلامي ذاته. بمعنى أنه من الإنصاف ألا ننسب الفكرة إلى كتاب وساسة غربيين وحدهم، بل إن هناك رصيداً فكرياً عربياً طرح هذا بشكل خاص فيما يتعلق بالإخوان المسلمين، وبعضها الآخر تحفظ على اعتدال هذه الحركة الأخيرة، لكنه طرح أفكاراً غامضة ومطلقة حول استنباط ما سماه (رؤى سياسية إسلامية اقتصادية وسياسية)، لتشكل فلسفة للعمل السياسي وإدارة الدولة، وكان لهذه الطروحات دور كبير في تشجيع حركات الإسلام السياسي، حتى التي تبنت العنف بشكل أساسي للوصول إلى الحكم.

وفي الحقيقة، فإن النقاش حول هذه القضية يمثل محور الصراع الفكري والسياسي في العالم الإسلامي منذ عصر النهضة، الذي يمكن اعتباره قد بدأ منذ عهد محمد علي في مصر، وبعده تباينت التجارب السياسية في أرجاء العالم الإسلامي.

استدلالات التاريخ لحركة "طالبان"

المعروف أن هذه الحركة السياسية قد جرى تبنيها ودعمها باكستانياً، وربما من جهات غربية وعربية أخرى بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي وبروز تنظيم "القاعدة" مركزاً للإرهاب والتطرف، وهو التنظيم الذي تصور أنه سيخوض حرب استنزاف لغير المسلمين وكذا المسلمين، الذين يؤمنون بالحداثة وبناء مجتمعات عصرية جديدة.

وراهنت باكستان على أن رعايتها المتواصلة لـ"طالبان" ستمكنها من القضاء على "القاعدة"، وتمكين نظام حكم تابع يدعمها في صراعها الطويل ضد الهند، وما حدث كان خلاف ذلك، إذ ما لبثت التفاهمات والتحالفات أن أصبحت عنوان علاقة "طالبان" بـ"القاعدة"، بل تحالفت معها للقضاء على المنافسين على الأرض من ميليشيات مسلحة اكتسبت طابعاً عرقياً مرتبطاً بتلون المجتمع الأفغاني، وكان أهمها حركة شاه مسعود في إقليم بنجشير، فضلاً عن ميليشيات أخرى من الشيعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الوقت الذي كانت فيه "طالبان" من عرقية البشتون ذات الامتداد العرقي في باكستان، وبعد وصولهم إلى الحكم بقوة العنف المشابه لنفس نهج "القاعدة"، توقف العالم باندهاش أمام نمط الحكم الذي تبنته "طالبان" من تطبيق رؤية منغلقة متشددة، ربما لم تعرفها الحضارة الإسلامية في أي مرحلة من تاريخها، ولم تكن ذروتها في كيفية معاملة المرأة الأفغانية وحرمانها من أبسط حقوق التعليم والمشاركة المجتمعية والعمل فحسب، بل امتدت إلى حدث غير مسبوق بهدم تماثيل بوذا التاريخية التي احتضنتها الأراضي الأفغانية مئات السنين بعد دخولها في الإسلام، وهو ما لم تفعله الدول الإسلامية المتعاقبة مع مظاهر حضارات المنطقة المتعاقبة من مصر القديمة أو العراق أو سوريا ولبنان، ربما تعرضت بعضها للإهمال والتعدي المحدود، لكنها بقيت شاهداً على تراث هذه المجتمعات وعمقها الحضاري وتسلمتها الأجيال المعاصرة، وكثير منها لم يمس إلا بعوامل التعرية والزمان كما هو الحال في مصر القديمة أو العراق.

وفضلاً عن ذلك، تحولت أفغانستان إلى مركز رسمي وفعلي لتنظيم "القاعدة" وعملياته الخارجية في تطبيق واضح لفلسفة تنظيمات وحركات توظيف الدين في السياسة، وأساسه فكرة الأممية ونشر الدعوة ورفض الاختلاف في أكثر تطبيقات الظلام والانغلاق السياسي التي ربما حتى لم يعرفها العالم ولا حتى في العصور الوسطى الأوروبية، وبالطبع ليس في المجتمعات الإسلامية آنذاك التي كانت في أغلبها أكثر تفتحاً من تلك الأوروبية.

الإشكالية الفكرية

قبل أن تسيطر "طالبان" على العاصمة الأفغانية، أخيراً، ترددت بعض التصريحات التي أراد البعض أن يعتبرها دليلاً على تغيير ولو نسبي في موقفها من المرأة، ومن استعداد لقدر من الانفتاح.

وفي الواقع، إن ما يحدث هو ببساطة ظروف ونمط تفاعلات مختلفة وليس أي بوادر اعتدال، واضح أن استضافة قطر قيادات الحركة، ثم تواصلها مع العالم وبشكل خاص المفاوضات مع الولايات المتحدة التي أعلنت رسمياً إدارة علاقتها بأفغانستان وطالبان من العاصمة القطرية ومن خلال مؤسساتها قد أكسب هذه الحركة السياسية والعسكرية قدراً من مرونة السياسة وإمكانية الأخذ والعطاء.

لكن، من الواضح أنه لم يحدث أي دليل على تغير المنطلقات الفكرية، فما زالت أغلب مدارس الإناث لم تستأنف عملها، ولم يسمح بعودة المرأة الأفغانية إلى مواقع العمل الضئيلة التي كانت قد وصلت إليها خلال فترة الاحتلال الأميركي، وصدرت تصريحات واضحة رافضة لمشاركة المرأة سياسياً وفي الحياة الاجتماعية وسوق العمل.

والأهم من كل ذلك تصريحات واضحة حول بناء نموذج سياسي مستند إلى تصورات ضيقة ومشوهة لحقيقة الشريعة الإسلامية، واعتبار فكرة التمثيل والمشاركة النيابية على النسق الغربي مخالفة للشريعة. بعبارة أخرى، من الواضح أن الحركة تعود بنفس منطلقاتها الفكرية، ربما بنوع من تقاليد السياسة التي اكتسبتها من الظروف الجديدة وتقليل العنف، لكن دون تغيير حقيقي في الجوهر والمنطلقات، ومن ثم فالسؤال: هل يمكن أن يكون هذا مقدمة لتغيير في المنطلقات الفكرية؟

في التقدير، إن الإجابة الصادمة هنا أنه يصعب هذا، فآليات عمل التنظيمات والحركات السياسية عبر التاريخ تسير بنفس المنوال، فكلما اقتربت من الحكم ساد الأكثر تطرفاً وتشدداً، وعندما يحاول الإصلاحيون تغيير بعض المفاهيم أو الممارسات ربما يتم السماح بهذه الاتجاهات لاستيعاب المعارضة والاحتقان الداخلي، وليس بالضرورة من باب توزيع الأدوار، ثم تعود نفس الممارسات وربما أكثر حدة وتعصباً.

ويمكن ببساطة الاستشهاد بالنموذج الإيراني الذي اتخذ شكل الديمقراطية الحديثة من انتخابات ومجالس تشريعية، لكن تُقمع الآراء المعارضة بدرجة كبيرة من التعسف والشدة، ويسمح فقط بهامش محدود للتفاعلات، ويزيد من تعقيد الأمور أنه من الضروري الأخذ في الاعتبار أن نموذج الإسلام السياسي الشيعي أثبت قدراً أكبر من المناورة من النموذج السني، وأن الأخير ممثلاً في الإخوان المسلمين وبعض الاتجاهات الفكرية قد أبدوا مرونة في العقود الأخيرة في قبول فكرة التمثيل النيابي، لكنهم من حيث الممارسة الفعلية فالواضح أن قبولهم بهذا مشروط بوجودهم في الحكم، ومواصلتهم تطويع مجتمعاتهم لقبول أشكال أخرى أكثر تشدداً وانغلاقاً، وأنه بالنسبة إليهم فإن هذه المرحلة النيابية هي مرحلة انتقالية لتطبيق نموذج نيابي منضبط شبيه بإيران لا يسمح فيه بالبديل المدني الذي لا يستند إلى نفس المنظومة الفكرية، وهذا كان حال مجتمعات عربية بعد الربيع العربي.

ومن ناحية أخرى، يضاف إلى كل ذلك إشكالية معقدة مرتبطة بالمجتمع الأفغاني كمجتمع قبلي محافظ لا يتسم بالمرونة، ويتوارث تقاليد بالية صعبة تساعد الاتجاهات المتشددة باسم الدين على أن تجد ساحة ليس لها نظير في العالم المعاصر، ما يجعل من فرص تغيير التوجهات نحو الاعتدال أمراً بالغ الصعوبة.

يضاف إلى كل ذلك أيضاً، تجذر فكرة الأممية في فكر التنظيمات الدينية المتشددة، ما يجعل علاقتها البينية مسألة شديدة التعقيد، وميلها إلى التوحد ضد الآخرين جميعاً، ومن هنا حتى إذا اصطدمت "طالبان" بـ"داعش" وهو أمر محتمل، فإن هذا من قبيل اختلاف المصالح، وحول مدى ملاءمة فكرة الخلافة الآن، ومن يملك حق ادعائها، ولن يكون هذا الصدام الذي ستهلل له بعض الأوساط دليل اعتدال بقدر ما هو دليل رغبة في تحييد والقضاء على من يهدد حكم "طالبان".

وأخيراً، يصعب من مسألة التحول إلى الاعتدال المستوى الثقافي والتعليمي المحدود لـ"طالبان" على صعيد الفكر الإسلامي ذاته. والخلاصة، استبعاد حدوث شواهد على استعداد لتغيير التوجهات المتشددة، ولو حدث سيكون في الشكل لا المضمون.

المزيد من تحلیل