Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصراع بين شركاء الانتقالية في السودان يدخل منعطفا حرجا

البرهان يربط حل أزمة الشراكة بإقالة حكومة حمدوك فيما بقيت الوثيقة الدستورية هي شعرة معاوية

رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان إلى جانب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك (اندبندنت عربية – حسن حامد)

لا تزال الشراكة في السلطة الانتقالية بين المكونين العسكري والمدني في السودان قائمة، لكن وجودها أضحى شكلياً، إذ يسيطر الجمود عملياً على مؤسسة المجلس السيادي الذي توقفت اجتماعاته نتيجة تمنّع ورفض المكون العسكري الجلوس مع الطرف المدني داخل المجلس، فيما بقيت الوثيقة الدستورية هي شعرة معاوية التي تفرض ثنائية شراكة السلطة بينهما، على الرغم من مطالبة تجمع المهنيين بفضها وإلغاء تلك الوثيقة، غير أن أزمة الشراكة قد دخلت عنق الزجاجة واتسع الشرخ عندما رهن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أمس حل الأزمة بحلّ حكومة رئيس الوزراء الانتقالي عبدالله حمدوك، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.

تفاقم الأزمة

طوال الأسابيع الماضية، تفاعلت الأزمة، فولّدت أخرى جديدة، صغيرة وكبيرة، داخل الأزمة الأم، بعد إغلاق شرق السودان بواسطة تنسيقية نظارات البجا المطالبة أيضاً بحل الحكومة الحالية وإعادة تشكيلها من كفاءات مستقلة، وإلغاء مسار الشرق باتفاق جوبا للسلام، ما أفرز تداعيات اقتصادية ومصاعب معيشية على الشعب السوداني كله، أثرت حتى في مسيرة العام الدراسي بتقليص ساعاته اليومية، إلى جانب خسائر مادية يومية يتكبدها قطاع الموردين والمصدرين جراء إغلاق ميناء بورتسودان البحري، ثم انتقل الصراع أخيراً إلى أحقية وقانونية أيلولة جهازي شرطة الاستخبارات والأمن بين المكونين.

فوق كل ذلك، لا تزال قضية دورية رئاسة المجلس السيادي شاخصة، إذ يطالب المجلس المركزي لـ"قوى الحرية والتغيير" بنقلها إلى المكون المدني في ميعادها المحدد نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، الأمر الذي لم يصدر أي تعليق بشأنه حتى الآن من الجانب العسكري، باستثناء تعليق نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، ووصفه المطلب بأنه حديث سابق لأوانه.

المنعطف الحرج

وفي ظل هذه الأجواء الملتهبة والتوتر المتصاعد، دفع البرهان الصراع إلى أتون منعطف حرج جديد، إذ ربط الخروج من الأزمة ومعالجة الوضع الراهن، بحزمة مطالب على رأسها حل حكومة حمدوك، وتشكيل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية وتعيين رئيس قضاء مستقل.

أكثر من اجتماع مغلق التأم بين أعضاء المكون العسكري في المجلس السيادي وحمدوك، كان مأمولاً أن تسهم في تخفيف حدة الصراع، لكن لم يرشح عنها حتى الآن ما يشير إلى توصل الجانبين لتفاهمات قد تفضي إلى حل الأزمة الماثلة والخلاف المستعر منذ ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وأشار البرهان، لدى مخاطبته الاثنين 11 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي ضباطاً وضباط صف وجنود منطقة بحري العسكرية، بحضور رئيس هيئة الأركان ونوابه والمفتش العام وعدد من قادة الوحدات والأفرع، إلى ما وصفه بمحاولات إقصاء القوات المسلحة من المشهد الانتقالي، حتى في ما يخصها، وفقاً لما جاء في الوثيقة الدستورية، مجدداً في الوقت ذاته التزام القوات المسلحة حماية الفترة الانتقالية حتى الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة، يختار فيها الشعب السوداني من يحكمه، مؤكداً الحرص على التوصل إلى توافق وطني وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية في الحكومة الانتقالية، بإشراك قوى الانتفاضة كافة، عدا حزب المؤتمر الوطني المحلول.

تجدد الاتهامات

وجدد رئيس مجلس السيادة الاتهام لبعض القوى السياسية التي لم يسمِّها، بأنها تحاول شغل الرأي العام بافتعال مشكلات مع القوات المسلحة والدعم السريع والتشكيك في وطنيتها، والزج بها في معضلات تعيق الانتقال السياسي، هي التي تسببت فيها برفضها الحوار ومشاركة الآخر.

وعزز البرهان ما سبق أن ذكره دقلو، قبل أيام، بأن من يقرر في شأن قيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية هو من يختاره الشعب عن طريق الانتخابات، وأن تلك الأجهزة ليست مكاناً للمزايدة السياسية، ولن تخضع للمحاصصات الجارية حالياً.

وأشاد البرهان بالتضحيات الكبيرة للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى، على الرغم من الظروف التي تمر بها البلاد، مؤكداً السعي لتحسين أوضاع أفرادها المعيشية وبيئة عملهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إرباك المشهد

في المقابل، هاجم ابراهيم الشيخ، وزير الصناعة، القيادي في "الحرية والتغيير"، تصريحات رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ووصفها بأنها تأتي في سياق إحداث المزيد من الإرباك في المشهد السياسي والمخاطرة باستقرار البلاد وأمنها، ودفعها إلى المجهول، باختلاق صراع لا يرى الشيخ، مبرراً له في الأصل.

ويضيف، "تصريحات البرهان تأتي في ذات سياق الحملة السابقة المستمرة بالهجوم الممنهج على قوى الحرية والتغيير، وتنادي بالمطالب ذاتها الداعية إلى استبدال حكومتها سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائه هنا وهناك".

ويردف "تتزامن تلك الحملة مع بداية تباشير نجاح سياسات الحكومة الاقتصادية، وظهور شواهد التغيير، وقطف ثمار معاناة الشعب السوداني على مدار الأعوام الـ30 الماضية، قبل التغيير وبعده، فبدأت مثل تلك التصريحات والهجوم والاستهداف الممنهج للحرية والتغيير بإغلاق الطرق والموانئ وآبار البترول، كلها أفعال لن تقود السودان سوى إلى الفجيعة وهو ما لا نرجوه".

وأوضح الشيخ أن حملات البرهان تأتي في إطار التصعيد والتصعيد المضاد، لكن سيشهد التاريخ ونثبت أن البرهان هو من بادر إليه ثم لحق به نائبه، في وقت كان الاتجاه العام يمضي نحو التهدئة وحلحلة قضايا البلد في ظل الوضع المتأزم في شرق السودان، متسائلاً: "ما هي خيارات البرهان في حال ذهاب هذه الحكومة؟ هل سيأتي بفلول النظام السابق أم بالعسكريين؟ أم الأجسام التي يسعى من خلالها إلى الإحلال والإبدال؟".

لماذا حل الحكومة؟

لا يرى الشيخ أي سبب لحل حكومة الفترة الانتقالية الحالية، التي تسعى ليل نهار إلى المضي قدماً في سياساتها التي انتشلت البلاد من وهدتها، وفكت الحصار الاقتصادي عنها، ورفعت اسمها من قائمة الإرهاب، وحررت سعر الصرف، ورفعت الدعم برضا شعبي على الرغم من المعاناة، لكنها وضعت اقتصاد البلاد على الطريق السليم، وهي ذاتها التي أنجزت أضخم موسم زراعي في تاريخ السودان بزراعة مليون و600 ألف فدان قطن في النيل الأزرق، تجري الاستعدادات الآن لحصادها.

واعتبر الشيخ أن حل الحكومة شأن يديره رئيس الوزراء، وهو صاحب الحق في إجراء أي تعديلات يراها بالتشاور مع "الحرية والتغيير"، لأنها صاحبة الحق الدستوري أيضاً في تقديم مرشحيها الذين تتشكل منهم الحكومة. ونفى علمه بأن يكون اللقاء المغلق الأول لرئيس الوزراء بالمكون العسكري تطرق إلى مسألة حل الحكومة، على الرغم من أنه اعتبر الأمر ليس مستبعداً.

واتهم القيادي في "الحرية والتغيير"، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، بأنه جزء من أزمة المجلس التشريعي، لجهة أن بيده 60 مقعداً لم يتقدم بقائمة مرشحيها حتى الآن، وكان من المفترض أن ينجزها بالتشاور مع "الحرية والتغيير"، مشيراً إلى أن المقاعد المخصصة لـ"الحرية والتغيير" (165) مقعداً، أوشكت على الفراغ بعد تسلّم مرشحي 13 ولاية وتبقى 5 فقط، وأن لا مشكلة كبيرة في تشكيل المجلس حال فرغ البرهان من تجهيز قائمة المكون العسكري في المجلس فضلاً عن "الجبهة الثورية".

وبخصوص أزمة شرق السودان، كشف الشيخ أن قوى "الحرية والتغيير" أحدثت خرقاً في طريق حل الأزمة، ولا تزال تبذل جهوداً كبيرة وتجري لقاءات مكثفة من المنتظر أن تسفر عن حلول ومعالجات نهائية للمشكلة خلال هذا الأسبوع، ومن شأنها أن تعالج وضع المسارات المختلفة بشكل جذري، بما فيها مسار الشرق الذي يحقق رضا كل الأطراف الفاعلة فيه.

وعلى صعيد رئاسة المجلس السيادي، أعلن الشيخ أن المجلس المركزي لـ"الحرية والتغيير"، اعتمد بشكل رسمي انتقال رئاسة مجلس السيادة الانتقالي إلى المكون المدني في توقيته المحدد في نوفمبر المقبل، وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية.

ودعا الوزير إلى إجراء مراجعة كاملة لمشروع الشراكة مع المكون العسكري، مبيّناً أن قوى "الحرية والتغيير" تعمل الآن على إطلاع الشعب السوداني وإشراكه بالوسائل كافة، لمعرفة آخر مجريات الأحداث حول الأزمة الراهنة.

خطر تواصل التصعيد

وفي سياق تعقيدات الأزمة وتعدد أوجهها، حذّر كمال الجزولي، المحامي وعضو لجنة مراجعة صياغة الوثيقة الدستورية، من استمرار الأمور في اتجاه التصعيد المتواصل بين الجانبين، كما يحدث الآن، ما قد يقود إلى صدام ممكن أن يؤدي إلى مزيد من الدماء والضحايا، لأن الشعب، خصوصاً الشباب، عازمون على المضي بالانتفاضة حتى تصل إلى أهدافها، ولن يسمحوا للتيار العسكري أن ينتصر عليها بأي ثمن، بما يجعل الردة مستحيلة إلى الحكم العسكري مجدداً.

كما يرى أن العودة إلى منصة التأسيس تعني بالضرورة إعادة النظر في هيكلة كل أجهزة الفترة الانتقالية لتثبيت الانتفاضة، بما في ذلك إعادة النظر في تكوين مجلس السيادة نفسه وكذلك الجهاز التنفيذي، ووضع أسس ومبادئ تحكم العلاقة بينهما بحيث لا يمكن تجاوزها، مشيراً إلى أن هذه الأزمات المركبة الراهنة التي يكمن بعضها داخل الآخر، لا بد من أن تعالج من خلال إحداث انتفاضة داخل الانتفاضة.

وأضاف الجزولي "الشراكة ظلت تمر بأزمات متلاحقة منذ فترة طويلة وهي معقدة جداً، عنوانها الأبرز تجاوز المكون العسكري للوثيقة الدستورية والانتهاكات التي يتعمدها، كما أن الأزمة حول رئاسة مجلس السيادة هي أيضاً سياسية، على الرغم من أنها تبدو أيضاً قانونية من الزاوية الأخرى، كونها نابعة من المشكلة الأم.

حميدتي يرفض

وكان النائب الأول لرئيس مجلس السيادة قد سبق البرهان في إعلان رفض المكون العسكري القاطع، تسليم جهازَي الشرطة والأمن والاستخبارات إلا لحكومة مدنية منتخبة، مبرراً تمسكهم بتلك الأجهزة بدعوى الخوف من استغلالها بواسطة المدنيين في البطش بالمواطنين.

وقال دقلو، في سياق الاتهامات التي أطلقها، إن الأزمة الراهنة كشفت لهم أن طموح المدنيين ينحصر فقط في كراسي السلطة، بينما تتردى الأوضاع وتتدحرج البلاد نحو الهاوية، على حد وصفه.

كذلك برّر صمت الشق العسكري، على ما وصفه حيال خرق الوثيقة الدستورية من جانب المدنيين، بأنه كان تغليباً لمصالح البلاد، مؤكداً أنهم ليسوا ضد التغيير والمدنية كما يروج البعض.

في غضون ذلك، أطلق ناشطون سودانيون حملة توقيعات إلكترونية للمطالبة بتنحي الفريق أول ركن البرهان ونائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو من مجلس السيادة والسلطة الانتقالية عموماً.

وذكرت وسائل إعلام محلية أن تجمع برلمان الانتفاضة السودانية الإلكتروني، الذي يضم سياسيين وقانونيين، طالب أيضاً بتنحي البرهان ودقلو، وفق تصريحات معلنة سابقة لهما عن استعدادهما للتنحي متى طلب منهما الشعب ذلك.

وتفجرت الأوضاع بين مكونات السلطة في السودان، قوى "إعلان الحرية والتغيير" والمكون العسكري، خلال الفترة الماضية، ما يشكل تهديداً لمسيرة الفترة الانتقالية التي تشهدها البلاد، والتي يفترض أن تنتهي في يناير (كانون الثاني) 2024 بإجراء الانتخابات.

وتتولى الحكم في السودان سلطة انتقالية، تضم مدنيين وعسكريين، شُكلت بناء على اتفاق سياسي (الوثيقة الدستورية)، بين قوى "الحرية والتغيير" والمجلس العسكري الانتقالي، وُقّع في أغسطس (آب) 2019 عقب إطاحة الرئيس السابق عمر البشير الذي حكم البلاد على مدى ثلاثة عقود، إثر احتجاجات شعبية عارمة.

المزيد من تقارير