ملخص
مصطلح "الشموسة" يُطلق محلياً على نوع من مدافئ الغاز المنزلية الرخيصة التي تباع بأسعار منخفضة لا تتجاوز 30 دولاراً، ويُروَّج لها على أنها اقتصادية وتعمل لفترة طويلة مقابل أسطوانة غاز واحدة، وتقول تقديراته إنها تلقى رواجاً ويباع منها كل عام أكثر من 25 ألف قطعة.
في كل شتاء، يبحث الأردنيون عن الدفء بأقل كلفة ممكنة، لكن هذا البحث نفسه تحوّل إلى رحلة محفوفة بالموت، ففي غضون يومين فقط توفي 10 أشخاص من بينهم أطفال وشباب اختناقاً بغاز أول أكسيد الكربون داخل منازلهم، بعد استخدامهم مدفأة غاز منزلية رخيصة تُعرف محليا باسم "الشموسة".
الحوادث التي وقعت في الزرقاء وعمّان أعادت إلى الواجهة قضية سلامة وسائل التدفئة المنزلية في الأردن، وسط انتقادات حادة لغياب الرقابة، وتكرار هذه الحوادث بشكل سنوي مع بدء فصل الشتاء.
القاتل الصامت
ففي مدينة الزرقاء توفي أربعة أفراد من عائلة واحدة اختناقاً، ثم في اليوم التالي توفي خمسة آخرون من عائلة أخرى في حادث مماثل، وأخيراً في العاصمة عمّان توفي شاب يبلغ 19 سنة بنفس السبب خلال أقل من 24 ساعة على رغم تحذير الأمن العام.
ووفقاً للسلطات ارتبطت جميع الحالات باستخدام نفس نوع المدفأة داخل غرف مغلقة مع ضعف التهوية، ما أدى إلى تراكم غاز أول أكسيد الكربون المعروف طبياً باسم "القاتل الصامت"، والذي لا لون له ولا رائحة، ويمكن أن يودي بالحياة سريعاً من دون إنذار.
وكان بيان للأمن العام طالب المواطنين الأردنيين الذين يمتلكون مدفأة "الشموسة" إيقاف استخدامها فوراً وعدم إشعالها داخل المنازل تحت أي ظرف، بخاصة بعد أن ثبت بأن حالات الاختناق التي وقعت اشتركت بذات نوع المدفأة.
لاحقاً قامت السلطات بفحص عينات من جميع أنواع تلك المدافئ وباشرت بحصرها داخل المحلات التجارية والمعامل التي تقوم بتصنيعها لمنع بيعها لحين الحصول على النتائج المخبرية، بينما منعت هيئة الإعلام الترويج أو الدعاية أو الإعلان لهذا النوع من المدافئ بعد أن تسببت بحوادث اختناق ووفيات لعدد من العائلات.
بدورها منعت مؤسسة المواصفات والمقاييس الأردنية ثلاثة مصانع محلية من بيع هذه المدافئ وسحبت أكثر من 5000 جهاز من الأسواق لحين انتهاء التحقيقات الفنية، كذلك تم تشكيل لجنة حكومية مشتركة تضم الجهات الأمنية والفنية لفحص العينات وتحديد الأسباب الفنية للعيوب.
"الشموسة القاتلة"
ومصطلح "الشموسة" يُطلق محلياً على نوع من مدافئ الغاز المنزلية الرخيصة التي تباع بأسعار منخفضة لا تتجاوز 30 دولاراً، ويُروَّج لها على أنها اقتصادية وتعمل لفترة طويلة مقابل أسطوانة غاز واحدة، وتقول تقديراته إنها تلقى رواجاً ويباع منها كل عام أكثر من 25 ألف قطعة.
لكن التحقيقات الأولية والتحذيرات الرسمية أكدت أن هذه المدافئ غير آمنة للاستخدام داخل المنازل، خصوصاً في الأماكن المغلقة أو التي تفتقر إلى التهوية بشكل جيد، لأنها قد تنتج غاز أول أكسيد الكربون عند الاحتراق غير الكامل.
ووفقاً لخبراء فإن أول أكسيد الكربون هو غاز سام لا يمكن تمييزه بالحواس، وينتج عند احتراق الوقود بشكل غير كامل في الأماكن المغلقة، وقد يؤدي إلى فقدان الوعي والموت خلال دقائق إذا تراكم في الهواء.
واُثارت القضية جدلاً في البرلمان، حيث أعلنت لجنة الطاقة والثروة المعدنية عن اجتماعها لمناقشة سلامة أجهزة التدفئة، بينما طالب نواب بمساءلة المسؤولين، وإقالة وزير الصناعة والتجارة، ومديرة مؤسسة المواصفات والمقاييس بسبب تراخي الرقابة على هذه المنتجات.
بينما طالب قانونيون بالمساءلة القانونية للمصنعين والبائعين إذا تبين أن الأجهزة مخالفة للمواصفات أو تم تسويقها من دون اختبارات سلامة كافية.
لكن إحدى الجهات المصنعة لهذه المدفأة، ردت على الاتهامات التي طاولت منتجها بالقول إن استخدام مدافئ الغاز أو أي وسائل تعتمد على الوقود الاحتراقي داخل المنازل يتطلب التزاماً صارماً بإجراءات السلامة العامة، محذرة من التعامل مع هذه الأجهزة بعفوية، ومشددة على ضرورة تهوية الغرف بشكل مستمر وعدم إغلاقها أثناء التشغيل.
وأكدت الجهة المصنعة أن تعليمات الاستخدام والتحذيرات مدوّنة بوضوح على جسم المدفأة وعبوتها، مشيرة إلى أخطاء شائعة يرتكبها بعض المستخدمين، أبرزها تشغيل مدافئ غاز يدوية بضغط مرتفع يتجاوز المسموح به، ما يؤدي إلى زيادة تدفق الغاز وارتفاع أخطار الحوادث.
حيلة الفقراء
يقول مراقبون إن هذه المدافئ عادة ما تكون منتشرة بين الفئات ذات الدخل المحدود بسبب سعرها الزهيد مقارنة ببدائل أكثر أماناً، وهو ما يطرح سؤالاً عن تكافؤ الفرص في سلامة السلع الاستهلاكية الأساسية وضرورة توفير بدائل آمنة بأسعار مدعومة أو منافسة، وأهمية وجود مواصفات واضحة وأنظمة ضمان جودة صارمة للأجهزة التي تُستخدم داخل المنازل، وتشجيع استخدام وسائل تدفئة بديلة أكثر أماناً مثل الكهربائية أو تلك التي تحتوي على أنظمة أمان ذاتية.
والأردن يعد واحداً من 10 دول الأكثر ارتفاعاً في أسعار الوقود والمحروقات عالمياً، والأولى عربياً، إذ تفرض الحكومة الأردنية ضريبة ثابتة مقطوعة على المشتقات النفطية منذ عام 2019 بنحو نصف دولار لليتر الواحد وهو ما يجعلها بعيدة من متناول الفقراء ومحدودي الدخل.
ووفقاً لبيانات رسمية، بلغت إيرادات الحكومة المتحققة من الضرائب المفروضة على المشتقات النفطية العام الماضي نحو 1.4 مليار دولار.
مأساة كل عام
يؤكد فارس حمودة وهو رئيس مجلس إدارة غرفة صناعة الزرقاء، أن المدافئ التي تسببت بهذه الحوادث بالأصل صنعت للاستخدام الخارجي، وكميات كبيرة منها في الأسواق صنعت في مشاغل خاصة وليست في مصانع أردنية، مضيفاً أنها وردت في السابق من كوريا قبل سنوات، لكن منذ عام 2019 يتم استيرادها من قبل تجار من الصين وهي بالأصل ليست مدافئ وإنما جهاز للطبخ بدرجة احتراق وحرارة عالية جداً تحولت الغاية منه اليوم إلى مدفأة.
لكن السؤال الأهم هو لماذا تتكرر المأساة كل شتاء؟ والإجابة تكمن في عدة أسباب يتناقلها الأردنيون على منصات التواصل الاجتماعي بشكل غاضب، أبرزها غياب حملات التوعوية المستمرة، فهي لا تزال طارئة، موسمية، وردّ فعل لا سياسة عامة مستدامة.
ووفق مراقبين عادة ما تبدأ التحذيرات بعد وقوع الضحايا، أو مع أول منخفض جوي قوي، أو عقب تصاعد التغطية الإعلامية كما حدث في الواقعة الأخيرة، ثم ما تلبث أن تختفي مع انحسار العاصفة الإعلامية، من دون بناء وعي تراكمي طويل الأمد.
ويشير آخرون إلى غياب التوعية من المناهج، فلا يوجد إدماج حقيقي لمفاهيم السلامة المنزلية والتدفئة الآمنة في المدارس، وفي المراكز الصحية، عدا عن ضعف الردع القانوني.
ويحلو للبعض وصف الذاكرة الرسمية بأنها قصيرة، فالحكومة سرعان ما تنسى الضحايا مع انتهاء الشتاء، مع غياب قاعدة بيانات وطنية علنية لضحايا الاختناق وعدم وجود سياسة عامة وتشريع دائم أو خطة وطنية للوقاية.
معركة الدفء والفقر
يفسر الباحث الاجتماعي محمد خليل معركة الدفء والفقر، بقوله إن الفقراء في الأردن لا يواجهون البرد وحده بل قلة الخيارات، فحين يتحول الدفء إلى عبء مالي، يصبح البحث عن التدفئة الأرخص قراراً قسرياً.
ويضيف الباحث الاجتماعي "الأسر محدودة الدخل لا تقارن بين الآمن والخطر، بل بين قدرة آنية على الاحتمال وبردٍ لا يُحتمل، فتندفع نحو مدافئ غاز رخيصة تفتقر إلى أبسط معايير السلامة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير خليل إلى بيئة سكنية مكتظة وضعيفة التهوية، وارتفاع كلفة الكهرباء، وغياب العزل الحراري، ما يجعل أي خطأ تقني أو سوء احتراق ثمنه الحياة، بينما تعتبر "السلامة العامة" ميزة إضافية لها مقابل، فالأجهزة الأكثر أماناً أعلى ثمناً مما يرسّخ مفارقة قاسية تترك الفقير وحيداً في مواجهة الشتاء.
تشير أرقام رسمية حول مصادر التدفئة في الأردن أن 47.6 في المئة من الأسر تعتمد على مدافئ الغاز (الأسطوانة) كمصدر رئيس للتدفئة، بينما يستخدم 31.9 في المئة مدافئ الغاز أو السولار.
ولا تزيد نسبة مستخدمي المدفأة الكهربائية على 5.9 في المئة، و3.7 في المئة فقط يستفيدون من التدفئة المركزية، في حين يعتمد 7.5 في المئة على الحطب أو الجفت أو الفحم، ووفق هذه الأرقام يتضح أن الغالبية تعتمد على مصادر احتراق الوقود أو الحجرات الصغيرة داخل المنازل.
وبسبب ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً ومحلياً، فإن الأردنيين باتوا في دائرة ضغوط أكبر وهذا يجعل الأسر ذات الدخل المحدود في حيرة بين الدفع لفاتورة الطاقة المرتفعة، مقابل تقليل الاستهلاك، مما يعني المعاناة من البرد داخل المنازل.
يؤكد خبير الطاقة المهندس محمد أبو ضبعات أن مأساة التدفئة لا يمكن فصلها عن الواقع الاقتصادي للأسر، فارتفاع كلف الطاقة يدفع المواطنين قسراً نحو الخيارات الأرخص حتى وإن كانت أقل أماناً.
ويشير إلى أن كثيرين يدركون أخطار بعض وسائل التدفئة، لكنهم يلجؤون إليها لغياب البدائل القابلة للتحمل مالياً، معتبراً أن التوفير على حساب السلامة ليس توفيراً بل مخاطرة، ويشدد على أن أي حل حقيقي يجب أن ينطلق من دراسة علمية وهندسية للبدائل المتاحة، بحيث توازن بين الكلفة والكفاءة والأمان.
وبلغة الأرقام، يوضح أبو ضبعات أن المقارنة العادلة بين وسائل التدفئة تُقاس بكلفة الوحدة الحرارية، إذ تُعد المكيفات الحديثة (الإنفرتر) الأكثر كفاءة وأماناً إذا استُخدمت بطريقة صحيحة، تليها مدافئ الغاز الجيدة المطابقة للمواصفات، بينما ترتفع كلفة الجاز والديزل مع تراجع مستوى الأمان.