Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غسل الأموال بالمغرب... تشديد قانوني وتساهل في التطبيق

ظاهرة منتشرة تعانيها البلاد نظراً إلى ارتباطها بمجال الجريمة المنظمة والاقتصاد العشوائي والفساد

المغرب في الرتبة الرابعة في تصنيف الدول الأكثر عرضة لأخطار غسل الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (أ ف ب)

ملخص

أوضح رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أن بلاده جعلت من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية وطنية، مؤكداً التزامها المبادئ والمعايير الدولية لمكافحة تلك الظاهرة، في ظل وجود نجاعة في التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات الوطنية.

أطلقت الحكومة المغربية أخيراً، عملية التقييم المتبادل للمنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في جولتها الثالثة، التي تمتد إلى مايو (أيار) 2028، موعد مناقشة تقرير التقييم النهائي واعتماده خلال اجتماع مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (GAFIMOAN).

وأوضح رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أن بلاده جعلت من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية وطنية، مؤكداً التزامها المبادئ والمعايير الدولية لمكافحة تلك الظاهرة، في ظل وجود نجاعة في التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات الوطنية.

في فبراير (شباط) 2023، أعلنت مجموعة العمل المالي (GAFI) وهي هيئة مراقبة دولية للجرائم المالية، خروج المغرب من مسلسل المتابعة المعززة المعروف بـ"اللائحة الرمادية"، إثر قيامه بحزمة من الإجراءات التشريعية والتنظيمية، وفق توصيات المجموعة، حيث يسهم ذلك في تعزيز الثقة، ومن ثم جذب الاستثمارات الأجنبية وخلق مناخ تنافسي في مجال الأعمال، إضافة إلى تيسير الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، وكذلك تحسين التصنيفات السيادية للبنوك المحلية.

معضلة بنيوية

لكن وعلى رغم من ذلك، لا يزال يعاني المغرب معضلة غسل الأموال، بالنظر لارتباطها بمجال الجريمة المنظمة والاقتصاد العشوائي والفساد، حيث يشير عضو الحزب الاشتراكي الموحد، منير الطاهري، إلى أن تبييض الأموال بالمملكة ليس ظاهرة معزولة، ولكنه جزء من بنية اقتصادية–سياسية تنتجها الجريمة المنظمة، والاقتصاد غير المهيكل، وضعف الشفافية، موضحاً أنه وعلى رغم من التقدم التشريعي والمؤسساتي، لا تزال الفعالية التنفيذية وإرادة الإصلاح العميقة أساساً للحل.

ويضيف الناشط السياسي أن تبييض الأموال يعد أحد أهم التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد المغربي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بالجريمة المنظمة، ومن ثم فإن الإشكال الأساس يظل في فعالية التنفيذ وشفافية تدبير المال العام، وترصد تقارير "ترانسبارانسي المغرب" و"مجموعة العمل المالي" استمرار وجود أخطار بنيوية تتعلق بتضارب المصالح، وضعف الإفصاح عن الملاك المستفيدين، واستعمال النقد في الاقتصاد، وهي كلها عناصر تخلق بيئة معقدة لتبييض الأموال، على حد تعبيره.

تقرير أساسي

من جانبه يؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي أيوب الرضواني، أنه في سبيل فهم طبيعة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في المغرب، يجب الاعتماد على تقرير "معهد بازل للحوكمة" الذي يصدر سنوياً ويرصد جهود الدول في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بحيث يعتمد على المعايير المالية والإجراءات المصرفية وسيادة القانون والشفافية، حل المغرب في تقرير عام 2023 في المرتبة 103 من أصل 152 دولة، بدرجة أخطار بلغت 4.69 نقطة، حيث تقدم بـ39 نقطة.

واستطاع المغرب أن يخرج من المنطقة الرمادية لمكافحة تبييض الأموال للأمم المتحدة، بالتالي استطاع أن يحرز تقدماً في ما يخص وجاهزية القروض والتصنيف الائتماني، لكنه تراجع عام 2024 إلى الرتبة 95 من بين 164 دولة، مما يعني أنه لا يزال بالمنطقة المتوسطة المتعلقة بخطورة غسل الأموال، وفق ما ذكر الباحث في الاقتصاد السياسي.

 

 

وتأتي المملكة المغربية في الرتبة الرابعة عربياً بعد فلسطين بـ3.97 نقطة، وتونس 4.77 نقطة، والأردن بـ4.81، مما يعني أن المملكة هي الرابعة في تصنيف الدول الأكثر عرضة لأخطار غسل الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى رغم من أن مؤشر بازل لم يصدر البيانات التفصيلية لكل دول المنطقة، واكتفى بتلك المتعلقة بالبحرين والجزائر، لكن من خلال دراسة الوضع بالمغرب يتضح أن طبيعة غسل الأموال مرتبطة بصورة أساسية بتجارة المخدرات والدعارة والفساد.

تهريب المخدرات والدعارة

يرتبط تبييض الأموال بالمغرب، كباقي دول العالم، بالنشاطات غير المشروعة، ويشكل الاتجار الدولي في المخدرات أهم مجال لغسل الأموال بالمملكة، بحسب الناشط السياسي، منير الطاهري، الذي يوضح أن الحشيش يشكل منتجاً مركزياً، إلى جانب مرور كميات من الكوكايين عبر الساحل والصحراء، مضيفاً أن طبيعة هذه التجارة تعتمد على السيولة النقدية، مما يجعل دمج الأموال في الاقتصاد الرسمي أمراً ضرورياً.

من جانبه يوضح الباحث أيوب الرضواني، أن لتجارة المخدرات نسقاً تاريخياً محلياً، باعتبار أن السلطات المغربية تعاملت بتساهل لما يقارب القرن مع تجار المخدرات ومزارعي القنب الهندي، حيث تعد المملكة من بين الدول الأقل تشدداً من ناحية العقوبات بخصوص ذلك المجال، إلى أن حاولت تدارك الموقف عام 2023 باعتماد تقنين زراعة القنب الهندي، لكن لا تزال تلك التجارة تدر أموالاً كثيرة إما أن يتم تدبيرها أو التستر عليها، وإما إعادة توظيفها في أحد مجالات تبييض الأموال.

ويضيف الرضواني أن مجال الدعارة يحظى بنفس التساهل من جانب السلطات، كما هي حال الاتجار في البشر، والاستغلال الجنسي للأطفال والنساء، باعتبار تموقع المغرب كوجهة سياحية رائدة من بين أهم 20 دولة سياحية مفضلة في العالم.

الفساد

 أسهم الفساد في تيسير عمليات تبييض الأموال في ظل وجود الاختلاسات المالية والفساد، حيث يشير الناشط السياسي المغربي، الذي يستدل بتقارير محاكم مالية وتقارير منظمة الشفافية الدولية "ترانسبارانسي" التي تشير إلى استمرار وجود اختلالات في تدبير الصفقات العمومية ومجالات العقار والجماعات المحلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبه يوضح الرضواني أنه بالعودة لتقارير بعض المنظمات التابعة للأمم المتحدة، نجد أنه خلال سنتي 2013 و2014 تم تهريب 16.6 مليار دولار من المغرب نحو الخارج، وأنه خلال الفترة الفاصلة بين 1975 و2025 احتلت المملكة مراتب متقدمة في مجال تهريب الأموال على المستوى القاري.

تمويل الإرهاب

يوضح الناشط السياسي والحقوقي، منير الطاهري أنه من خلال تحليل بعض المراجع والتقارير الدولية والإقليمية يتبين أن المنطقة المغاربية تواجه تقاطعاً معقداً بين شبكات تبييض الأموال ودوائر تمويل الإرهاب، بفعل هشاشة الحدود، وانتشار التجارة غير المهيكلة، واعتماد بعض الأنشطة على أنظمة التحويل غير الرسمية، لا سيما تقارير (FATF) وهي الهيئة العالمية المكلفة وضع معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، و(MENAFATF) الهيئة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اللتان تبرزان ضعفاً متفاوتاً في فعالية النظم الوطنية، خصوصاً في مجالات المراقبة المالية وتتبع المستفيدين الفعليين وضعف الرقابة على التحويلات النقدية عبر الحدود.

وأضاف الطاهري، أن تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي (UNODC)  والبنك الدولي تظهر أن الاقتصاد غير الرسمي المغاربي، بسبب تفاقم تهريب السلع والاتجار غير المشروع في المخدرات وتهريب البشر، يدر تدفقات هائلة من الحوالة غير المنظمة، والتي تشكل قنوات رئيسة يتم استغلالها لتمويل جماعات مسلحة، خصوصاً في ليبيا ومنطقة الساحل، مع وجود أخطار قائمة وشيكة، بحسب هذه التقارير في الجزائر وتونس والمغرب، وذلك بسبب الثغرات في تتبع حركة الأموال عبر التجارة والقطاع العقاري.

 

 

وبخصوص مستوى نتائج العمل الدولي، يعد الناشط السياسي أن الضغوط المتنامية من (FATF) وتقييمات الامتثال الدورية دفعت دول المنطقة إلى سن بعض التشريعات غير الكافية، ودفعت نحو تحسين أداء وحدات الاستخبارات المالية والرقابة الأمنية الاستخباراتية، وتطوير التعاون القضائي والأمني بين المنتظم الدولي والبلدان المغاربية، وتم أيضاً إدراج دول في قوائم المراقبة خلال الأعوام الأخيرة، وهو ما أحدث دينامية إصلاح مهمة، لكن الفوارق لا تزال قائمة بين التشريع ومساطر التنفيذ بفعل فساد أو تواطؤ الأجهزة التنفيذية، مما يشكل تضارباً للمصالح تم ضبطه بين الجهاز التنفيذي وشبكات التهريب والتمويل، التي أصبحت نافدة أحياناً في مراكز القرار.

ويرى الطاهري أن مستقبل الظاهرة سيعتمد على قدرة الدول المغاربية على تعميق الرقابة على الاقتصاد غير المهيكل وإدماج التكنولوجيا في التتبع المالي والاستخباراتي وتعزيز التعاون عبر الحدود، خصوصاً مع منطقة الساحل والصحراء، وعلى رغم من التقدم المحقق، تبقى شبكات التبييض وتمويل الإرهاب قادرة على التكيف، بسبب بطء الانتقال الديمقراطي في البلدان المغاربية، وصعوبة التحول نحو دولة المؤسسات، مما يجعل مكافحة الظاهرة رهينة باستمرارية الإصلاحات وتفعيل الشراكات الإقليمية، وكذلك تحويل الإطار التشريعي إلى ممارسة ناجعة على الأرض بإرادات سياسية صريحة نحو تغييرات سياسية ضامنة للديمقراطية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير