ملخص
ينتظر أن يكون اجتماع باريس مقدمة لانعقاد مؤتمر دعم الجيش اللبناني، لكن نجاحه يبقى مرهوناً بطبيعة ما سيقدمه قائد الجيش العماد رودولف هيكل من خطط تنفيذية واضحة يثبت فيها خلو منطقة جنوب الليطاني من السلاح، وجداول زمنية واضحة لنزع السلاح شمال الليطاني.
وأكدت مصادر عسكرية أن العماد هيكل سيحمل إلى باريس ملفاً شاملاً يتضمن آخر المستجدات في تنفيذ خطة نزع السلاح جنوباً، ورؤية متكاملة حول أوضاع الجيش على المستويات كافة، بشرية كانت أم لوجستية أم مالية.
يقف لبنان على أعتاب محطة فارقة قد تحدد مستقبل جيشه وقدرته على بسط السيادة الكاملة على أراضيه، فالاجتماع التحضيري في باريس، الذي يعقد تمهيداً لمؤتمر دعم الجيش اللبناني، لم يعد مجرد لقاء دبلوماسي روتيني، بل تحول إلى امتحان صعب لإرادة الدولة اللبنانية في حسم ملف السلاح غير الشرعي. وينعقد غداً الخميس الاجتماع الثلاثي الذي دعت إليه فرنسا بمشاركة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، ومستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آن كلير لوجاندر، والموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، والموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، وقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل. وتعكس هذه الخطوة مدى اهتمام المجتمع الدولي وجديته في مساعدة لبنان في تخطي أزماته، كما يشكل محطة مهمة من شأنها رسم خريطة تقنية ولوجستية لكيفية مؤازرة الجيش في تنفيذ مهمته وخطته لنزع السلاح، وما يليها من مهمات لجهة حفظ الأمن والاستقرار وسيادة الدولة على كامل أراضيها.
الرهان على إقناع الشركاء الدوليين
ويراهن كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي جعل دعم الجيش على رأس أولوياته، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، على الاجتماع الباريسي لرسم خريطة طريق واضحة نحو عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش طال انتظاره، وحددت له مواعيد افتراضية كثيرة، كما اقترحت فرنسا عقده في الرياض، لكن التحفظات الأميركية والسعودية حالت دون تحديد موعد نهائي، خصوصاً في ظل غياب أي تقدم ملموس على صعيد نزع سلاح "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني وشماله، تطبيقاً لقرار الحكومة اللبنانية في الخامس من أغسطس (آب) الماضي، وفي ظل غارات إسرائيلية تقول تل أبيب إنها تستهدف مراكز ومستودعات عسكرية تابعة للحزب.
ويأتي اجتماع باريس قبل موعد عقد اجتماع لجنة الميكانيزم المقرر يوم الجمعة الـ19 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وقبل جلسة الحكومة اللبنانية في الخامس من يناير (كانون الثاني) 2026 التي سيقدم فيها قائد الجيش تقريره الأخير حول تنفيذ خطته، وبعد جولتين نظمتهما قيادة الجيش في منطقة جنوب الليطاني، الأولى للإعلاميين والثانية لسفراء ودبلوماسيين وملحقين عسكريين، في مؤشر إلى إظهار حجم التقدم الذي حققه الجيش اللبناني، رداً على ما حمله أكثر من موفد دولي وعربي من رسائل إسرائيلية مشككة.
في حقيبة هيكل أرقام وحقائق
وتكشف مصادر عسكرية عن أن قائد الجيش سيحمل إلى باريس ملفاً شاملاً يتضمن آخر المستجدات في تنفيذ خطة نزع السلاح جنوباً، والتقارير الثلاثة التي عرضها في جلسات مجلس الوزراء منذ قرار الحكومة بسط سيادتها وحصر السلاح. وتضاف إلى هذه التقارير رؤية متكاملة حول أوضاع الجيش على المستويات كافة بشرية كانت أم لوجستية أو مالية، استناداً إلى دراسة معمقة جرت على احتياجات الجيش وعدده وعديده وكيفية مواجهته للتحديات القائمة لا سيما في الجنوب، وبالتزامن مع عملية نزع السلاح وعدم تنفيذ إسرائيل لإتفاق وقف الأعمال العدائية الذي يؤثر في حركة الجيش.
وبحسب المصادر يحتاج الجيش اللبناني إلى تعزيز قدراته العسكرية من عتاد وأسلحة وذخائر متطورة براً وبحراً وجواً تضاف إلى المساعدات التي تقدمها بعض الدول، وأبرزها الولايات المتحدة، كما هو بحاجة إلى تطوير وحداته وصيانة آلياته وتأمين النفط والدعم اللوجستي، وتزويده بأحدث التقنيات لا سيما المتعلقة بالمسيرات، وتدريب عناصر جديدة وزيادة عدد العناصر جنوباً إلى 10 آلاف عنصر، أما على الصعيد الإنساني فإن الجيش يحتاج إلى الاستدامة في مسألة التغذية والرواتب وتأمين الخدمات الطبية والرعاية الاجتماعية لهم ولعائلاتهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فرنسا والمجتمع الدولي: جاهزية مشروطة
"اجتماع باريس" الذي قد يتطرق إلى مرحلة ما بعد انتهاء مهمات "اليونيفيل" ووضع قوات أممية بديلة، يتوقع بحسب مصادر دبلوماسية فرنسية، أن يكون أيضاً مقدمة لعقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي تأخر انعقاده. وتؤكد المصادر عينها أن باريس تسعى إلى الاتفاق على آلية يتم من خلالها التحقق من جدية حصر السلاح، وأن فرنسا وشركاءها مستعدون لتأمين كل ما هو مطلوب للجيش اللبناني من عتاد وتجهيزات تمكنه من فرض سيادته على كامل أراضيه وتعزيز قدراته في حماية الأمن والاستقرار على الحدود وفي الداخل اللبناني، لكن بشرط واحد واضح، أن تظهر الدولة اللبنانية جدية حقيقية في حصر السلاح بيدها. وتكشف عن أنه في حال سارت الأمور بصورة مطمئنة، قد يحدد موعد المؤتمر المذكور في أوائل عام 2026. لكن المصادر تشير إلى أن نجاح الاجتماع يبقى مرهوناً بطبيعة ما سيقدمه قائد الجيش في الاجتماع من خطط تنفيذية واضحة يثبت فيها خلو منطقة جنوب الليطاني من أي سلاح غير شرعي، وأن يحدد أيضاً جداول زمنية واضحة لنزع السلاح شمال الليطاني، وكيفية حصول ذلك في ظل تصاريح متكررة للأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم عن رفضه تسليم السلاح. كما يتوقف نجاح الاجتماع، على ما حملته التقارير التي رفعها سفراء الدول المعنية والدبلوماسيون الذين جالوا جنوباً منذ أيام ضمن زيارة نظمتها قيادة الجيش.
العقبة الكبرى: تمسك "حزب الله" بسلاحه
والتحدي الأصعب يكمن في كيف يمكن إقناع الشركاء الدوليين بجدية نزع السلاح، بينما يصرح مسؤولو "حزب الله" بعكس ذلك. ويرى الدكتور خطار بوذياب، أستاذ العلاقات الدولية في باريس، أن "نتائج الاجتماع تتوقف كلياً على ما سيبلغه قائد الجيش للمجتمعين ومدى قدرته على إثبات أن الدولة حسمت أمرها في مسألة نزع السلاح". ويضيف أن "الأجواء لا تزال ضبابية، والدول المانحة تتساءل عن جدوى دعم جيش في دولة يتمسك فيها طرف مسلح بقوته العسكرية".
ويشير بوذياب إلى أهمية الموقف الأميركي، خصوصاً بعد زيارة الموفد الأميركي توم براك إلى إسرائيل، وما يحمله من تفاهمات حول ملف السلاح شمال الليطاني، لجهة احتوائه تمهيداً لتعطيله وإلغاء مفاعيله. واعتبر بوذياب أن "للموقف الأميركي أهميته في نتائج اجتماع باريس حول دعم الجيش، مما سيؤثر حكماً في الموقف السعودي، وبالتالي في مصير المؤتمر برمته".