Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين وضع الروسي بوشكين ألف ليلة وليلة والعولمة في خدمة كليوباترا

"الليالي المصرية" سهرة شعرية عاطفية تنهل من الشرق ودفئه وغرابته

ألكسندر بوشكين (بريشة بيوتر كونشالوفسكي 1932، محفوظة في متحف سانت بيترسبيرغ)

يعرف هواة الموسيقى الروسية المؤلف آرنسكي بشكل خاص من خلال باليه "الليالي المصرية" الذي غالباً ما يقدم من دون ذكر الكسندر بوشكين. ولكن لماذا ترانا نتحدث عن شاعر الروس الأكبر هنا في معرض الحديث عن ذلك العمل الموسيقي الذي يعد من أشهر ما كتب للباليه خلال الحقبة الفاصلة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؟ ببساطة لأن بوشكين هو صاحب النص القصصي الذي بنى آرنسكي هذا الباليه المطعم بما تصور أنه موسيقى شرقية، وهو يقدم في الحقيقة جملاً موسيقية تنتمي إلى فنون أواسط آسيا، وربما كذلك إلى نمط معين من الموسيقى التركية، مقنعاً جمهوره بأنه إنما يستمع إلى موسيقى عربية، دون أن يفوته الزعم في طريقه بأن ثمة في تلك الموسيقى ما هو "فرعوني" متأخر. ولكن لماذا كان كل ذلك الخلط في عمل واحد؟ سؤال سيجد جوابه بعد سطور، ولكن ليس من خلال الحديث عن الباليه نفسه، بل من خلال الحديث عن العمل الأدبي البوشكيني الذي استند إليه الموسيقي آرنسكي في كتابة ذلك العمل الذي يبقى له سحره الخاص والذي ينضوي ضمن إطار ذلك الاهتمام الروسي الموسيقي بالشرق، والذي نجده قد وصل إلى ذروته في عملين على الأقل لرمسكي – كورساكوف، أستاذ آرنسكي، هما القصيدتان السيمفونيتان "شهرزاد" وعنترة"، كا في مقطوعات عديدة لدى تشتيكوفسكي الكبير نفسه. ومهما يكن من أمر هنا فليس العمل الموسيقي ما يهمنا، بل النص الأدبي.

الذات من خلال تاريخ مركب

وبصدد الحديث عن هذا النص لا بد من الإشارة أولاً إلى أن بوشكين إنما كتبه على شكل نزوة إبداعية، وكذلك على شكل تمرين في الأسلوب خلال العامين الأخيرين من حياته ولم يستكمله أبداً، وعلى الأقل لم يستكمل فصله الثالث والأخير بحيث بقي القراء على ظمأهم لمعرفة ما آلت إليه "الأحداث" وهو ظمأ لم تشفه الموسيقى المكتملة التي وضعها آرنسكي للعمل. فالقصة المتوسطة الطول التي كتبها بوشكين ذات حقبة سأم في حياته كان من المفروض أن توصل إلى خاتمة منطقية، لكنها لم تفعل حيث نجده وقد توفي في عام 1837 عن ثماني وثلاثين سنة دون أن يتوصل إليها. لكنها تمكن على الأقل من تحديد ملامح القصة وتحويلها إلى نوع من الكتابة الذاتية، ناهيك بأنه حقق فيها نوعاً من المزج بين عنصرين أساسيين من العناصر التي طبعت الإبداع الاستشراقي، الاهتمام بالتاريخ المصري من ناحية، وبحكايات ألف ليلة وليلة من ناحية أخرى. العنصر الأول من خلال حكاية كليوباترا التي كانت على الموضة إلى جانب كل ما هو مصري قديم في أوربا. والثاني من خلال مختارات حقيقية، أو تخيلها بوشكين نفسه من تلك الليالي العربية التي كانت تفتن القراء الأوروبيين في ذلك الحين. ولعل اللافت في الأمر هو أن "الحيلة" التي تمكن بها بوشكين من الجمع بين عالمين لم يلتقيا من قبل كانت منطقية ومبررة إلى حد كبير.

بؤس شاعر

فالحكاية التي لدينا هنا تنطلق على أية حال من روسيا المعاصرة لبوشكين نفسه، وذلك من خلال كاتب، لعله الأنا/ الآخر لشاعر الروس الكبير نفسه، ولكن تحت قناع كاتب وشاعر يدعى تشارسكي يمر بأزمة وجود وإبداع خانقة لا ينقذه منها تنقله بين سانت بطرسبرغ وموسكو بحثاً عن إلهام وربما عن مغامرة حياتية. والطريف أن ما يهرب منه تشارسكي في حقيقة أمره كان تلك الشهرة التي كشفت له ما يبدو غرقاً في وضعية تمنعه من الإبداع. ولكن في خضم تلك الوضعية يحدث أن يزوره ذات ليلة وقد بلغ فيها تأزم وضعه شخص غريب مبدئياً، لكنه سيبدو بعد حين مألوفاً لديه. وهذا الشخص سوف يقدم نفسه له بوصفه شاعراً يبني عمله على الارتجال. ثم ينطلق متحدثاً عن البؤس الذي يعيش فيه وعدم اهتمام الجمهور بمواهبه وما إلى ذلك. وهنا إذ يشعر تشارسكي أن "الزمالة" تهيب به، أي يساعد هذا الشاعر الذي من الواضح أنه يتمتع بمواهب حقيقية، يتولى على الفور تنظيم سهرة يدعو إليها المعارف والأصدقاء للاستماع إليه والتعرف إلى مواهبه التي آمن هو بها.

إبداعات سهرة ارتجالية

وتقام السهرة التي هي لب الحكاية، وخلالها يقوم الشاعر بتقديم مقطوعات مرتجلة متتالية، إذ يطلب منه الحضور في كل مرة أن يلقي شعراً حول موضوع يختارونه. وفي المنطلق سيدور الموضوع حول غراميات كليوباترا. وسينطلق الشاعر من إحلال الملكة المصرية القديمة محل ملك الليالي العربية شهريار، إذ إن الملكة تقرر ذات يوم أن تمنح قلبها وفؤادها كل ليلة لكل من يقبل بأن يتم قطع رأسه في صباح اليوم التالي. وعلى ذلك الشرط تتوالى الحكايات التي سيبتكرها شاعرنا الإيطالي الذي بات صديقاً لتشارسكي وسيتلوها بلغته الإيطالية، علماً بأن القصة نفسها كما صاغها بوشكين كتبت بالفرنسية، ما يعطيها في نهاية الأمر نكهة كوزموبوليتية طريفة، حكايات فرعونية وعربية تروى بالإيطالية في قصة ذات لغة فرنسية تدور "أحداثها" في روسيا، في تجميع لأزمنة متنوعة تمكن بوشكين من ضمها إلى بعضها بعضاً بشكل مدهش. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا العمل الذي يجمع فوق ذلك كله بين الشعر والنثر، اعتبر من بين أجمل ما كتبه بوشكين في سنواته الأخيرة منطلقاً فيه، إلى الإبتكار اللافت في مجال جمع الأزمنة واللغات، من أناقة في الأسلوب وإبداع في توظيف اللغة، لا سيما حين يقوم الأمر في اختيار جمهور السهرة الذي لن يفوت بوشكين تخصيص مقاطع عديدة للتركيز على تنوعه وردود فعله وتجاوبه مع أشعار الحكواتي الإيطالي الذي ستكشف لنا لغة بوشكين كيف تمكن من صياغة الأشعار التي يلقيها انطلاقاً مما يرصده من ردود فعل خلال تلك السهرة الارتجالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين "الليالي" وكليوباترا

إذاً، كما حال كثير من الحكايات المتعلقة بالأدب الروسي في شكل عام، تبدأ الحكاية هنا مع الشاعر المؤسس ألكسندر بوشكين (1799 – 1837). فصاحب "يوجين يونيغين" مر ذات حقبة من مساره الأدبي في مرحلة كان لا بد أن يمر بها، في تلك العقود الصاخبة الرومانطيقية من السنين، كبار المبدعين في العالم، هي مرحلة الانبهار بالشرق ثم بخاصة الانبهار بكل ما يتعلق بمصر وتاريخها. وعلى أية حال فإن "الليالي المصرية" هذه حين تصدر، لا تصدر إلا كجزء من مجموعات قصصية تتصدرها "فتاة الكبة" التي تفوقها شهرة بكثير. والحقيقة أن هذا الصدور المزدوج ليس وحده ما يجمع بين العملين، وذلك بالتحديد لأن "الليالي المصرية" إذا كانت قد بقيت في الظل أدبياً، فإنها تبدو أكثر شهرة حين تظهر بين الحين والآخر في شكل فني آخر هو الباليه. إذ هنا وحتى لو نسي كثر، أو تجاهلوا أن النص الأصلي كتبه بوشكين الذي حُول نصه الآخر "فتاة الكبة" إلى عمل موسيقي أوبرالي أيضاً، فإنهم لن ينسوا أن "الليالي المصرية" تعتبر، كباليه هذه المرة، واحداً من الأعمال الرئيسة التي تشكل مجد ذلك الموسيقي الروسي الذي لولاها لكان منسياً تماماً في أيامنا هذه، ونعني به أنطون آرنسكي. وهنا قد يكون من المفيد أن نذكر أن واحداً من الأسباب التي كمنت وراء غياب اسم بوشكين عن هذا الباليه قد يكون أن هذا الأخير قد عرف منذ تقديمه للمرة الأولى في موسكو عند بدايات القرن العشرين بـ"باليه كليوباترا" فخيل إلى كثر أنه  شيء آخر غير قصة بوشكين التي عرفت دائماً بـ"الليالي المصرية".

المزيد من ثقافة