Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثروة لبنان النفطية في حقل "كاريش" ضائعة بسبب "مرسوم"

بعد تشكيل حكومة جديدة باتت فرص العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل حول ترسيم الحدود مرتفعة

لا أحد يعرف ما الذي تنتهي إليه المفاوضات "في ما يخص الحدود البحرية" بين لبنان وإسرائيل (أ ب)

بينما إسرائيل ماضية في إبرام العقود مع شركات التنقيب عن الغاز والنفط في الجزء الشمالي من حقل "كاريش" القريب من القسم المتنازَع، لا يزال لبنان يتخبط في مرسوم تعديل حدوده الجنوبية مع تل أبيب، في ظل انقسام في الآراء حول الإبقاء على الحدود التي أقرها المرسوم 6433 في عام 2011، والتي على أساسها انطلقت المفاوضات بين الدولتين في 4 مايو (أيار) 2020، قبل أن تتوقف مع تبني لبنان خطاً آخر يعطيه مكاسب إضافية، الأمر الذي جمّد المفاوضات حينها بعد تعثر خمس جولات من المفاوضات. وتبلغ حصة لبنان من الغاز في هذا الحقل نحو 40 في المئة من إجمالي حجمه.

ومع تشكيل حكومة جديدة في لبنان، أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، توجيه رسالة حازمة لبيروت من خلال إعلانه أن "إسرائيل لا تنتظر لبنان وبدأت التنقيب في حقل كاريش"، الأمر الذي قرأه البعض بأنه رسالة واضحة إلى الجانب اللبناني بأنّ العودة إلى مفاوضات الترسيم مشروطة بالتزامه الانطلاق من إحداثيات الخط 23 المعترف بها في خرائط الأمم المتحدة لناحية حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية.

توقيع العقد

وبعد أسبوع من إعلان الشركة الأميركية "هاليبرتون"، المختصة بالتنقيب عن موارد الطاقة، فوزها بالعطاء الإسرائيلي حول التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية، التي تشكل صراعاً بين لبنان وإسرائيل، وقعت الشركة عقداً مع شركة "نوبل إينرجي" اليونانية، لتولي التنقيب في حقل كاريش، الذي يقع على بعد 160 كيلومتراً شمال غربي حيفا، وسبق وطرح في جلسات المفاوضات بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني في السنة الماضية، حول الحدود الإقليمية، وكان أحد أبرز جوانب الخلاف بين الطرفين.

وفي حينه رفض الوفد الإسرائيلي، بإيعاز من وزير الطاقة، آنذاك، يوفال شطانيتس، أي تطرق له في المحادثات باعتباره منطقة إسرائيلية لا نقاش عليها.

وفي الوقت الذي تشهد إسرائيل نقاشاً واسعاً حول مصادر الطاقة والغاز وكيفية استغلالها، أثار الموقع الإخباري "إسرائيل ديفنس"، الاتفاقية بين "إينرجي" و"هاليبرتون" تحت عنوان "لن ننتظر لبنان: إسرائيل تبدأ التنقيب في القسم الشمالي من كاريش"، علماً أن التنقيب عملياً لم يبدأ، ومع هذا أثار العنوان اهتمام جهات عدة ليعيد مجدداً النقاش الإسرائيلي حول الخلاف مع لبنان على الحدود البحرية والإقليمية وتداعيات توسيعه.

وفق الاتفاق بين الشركتين، بحسب "إسرائيل ديفنس"، سيشمل التنقيب ثلاثة إلى خمسة آبار غاز في القسم الشمالي من "كاريش"، القريب من "بلوك 9" الذي يعتبر لب الخلاف بين إسرائيل ولبنان، إلى جانب استكشاف وتطوير آبار طاقة بحرية في إسرائيل، من دون أن يحدد الاتفاق بين الشركتين كافة المواقع الجغرافية لتلك الآبار.

كما يشمل اتفاق التنقيب بين إسرائيل والشركة الأميركية أن تتولى "هاليبرتون" كافة الأعمال المطلوبة حتى الحصول على الغاز من حفر وتنقيب في عمق البحر، وتأمين كافة المستلزمات تضمن بيانات دقيقة تُقدم لإسرائيل وفيها تقييم إمكانية الإنتاج، علماً أن إنتاج حقل "كاريش" للغاز يتراوح بين ستين وثمانين مليار متر مكعب.

استفزاز

من جهتها، اعتبرت إسرائيل طرح لبنان لحقل "كاريش" أسوة مع لافيتان أمراً استفزازياً، وفي أعقاب المفاوضات بين الطرفين أعلنت تل أبيب استعدادها لإمكانية أن يترجم لبنان طلبه إلى واقع على الأرض بهدف زيادة مساحته. وفي رد على مطلب لبنان لحقل "كاريش" عرضت إسرائيل خطاً يقع شمال ذاك الذي أودعته إسرائيل في الأمم المتحدة في 2010. وعرض الإسرائيليون مبررات قانونية تعلل الطلب الإسرائيلي في المنطقة الموسعة. وشددوا بأنهم غير معنيين حقاً بالخط الأسود، بل يريدون خوض المفاوضات فقط على المثلث الذي كان معروفاً مسبقاً كموضع خلاف.

ضمن ما في حوزة إسرائيل من مشاريع لمساحات التنقيب تم إعدادها لتكون جاهزة في حال أي تطور من طرف لبنان حول "كاريش" وقد صادق عليها وزير الطاقة السابق، شطاينتس، وعرضت خلال المحادثات بين البلدين ومن الممكن طرحها من قبل حكومة بينيت: الخط الأسود وهو مسار يعتبره الإسرائيليون أكثر اعتدالاً وخط 310 الأحمر والذي يأكل مناطق أوسع بكثير في المياه الاقتصادية للبنان.

وعلى الرغم من تشديد إسرائيل أن أفضل الحلول مع لبنان أن يتبنى الطرفان نهجاً براغماتياً يسهم في التقدم إلى حل الخلاف، إلا أن حكومة بينيت – لبيد تعتزم الاستمرار بالمخططات الجاهزة وعلى رأسها حقل "كاريش"، الذي تخشى جهات ليس فقط أن يعمق الخلافات ويوسع رقعتها إنما بداية لتصعيد بحري تخشى منه إسرائيل منذ ثلاث سنوات على الأقل.

مقاربة جديدة

وتشير المعلومات إلى أن الضغط الإسرائيلي دفع الحكومة اللبنانية باتجاه إمكانية الطلب من الأمم المتحدة العمل على إعادة إطلاق المفاوضات مع إسرائيل ضمن مراقبة جديدة بعيدة من ترسيم منفرد للحدود من كلا الجانبين، بحيث يتم تكليف شركة عالمية مختصة بمسح الحدود مع الدول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن المقاربة المستجدة تصطدم بعوامل سياسية بارزة، أولها عند رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يسعى لحصر الملف بدوائر الرئاسة بعد أن كان لسنوات طويلة تحت إشراف رئيس مجلس النواب نبيه بري، وذلك على الرغم من نفي مصادر رئيس الجمهورية لتلك المعلومات، إضافة إلى مقاربة "حزب الله" التي تتابع المفاوضات خلف الكواليس سواء كانت إدارة الملف بيد رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب.

ووفق المعلومات أيضاً، فإن ملف ترسيم الحدود يصطدم بمصالح استراتيجية لـ "حزب الله"، الذي لن يتخلى عن دوره بالمفاوضات، على الرغم من إعلان أمينه العام حسن نصر الله بأن الحزب يترك التفاوض على الحدود بيد الدولة. حيث تؤكد مصادر عدة أن الحزب كان له تأثير مباشر في الوفد اللبناني المفاوض، وأنه يريد إبقاء ملف الترسيم والنفط ورقة بيده للتفاوض مع إسرائيل والغرب عبر قنوات خلفية.

صمت لافت

وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة للأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، لإسرائيل من المس بموارد الطاقة في المياه الإقليمية اللبنانية، مهدداً باستهداف محطات النفط البحرية الإسرائيلية، يؤكد مصدر أمني لبناني أن إعلان إسرائيل بدء التنقيب في حقل "كاريش" لن يؤدي إلى توترات أمنية، معتبراً أن "الجو الإقليمي ذاهب باتجاه الحوار والتسويات"، مشدداً على أن التوتر قد يكون مرتبطاً بتأزم الأوضاع الإقليمية أكثر من القضايا المتعلقة بلبنان، موضحاً أن "حزب الله" يستخدم خطاب التهديد ضد إسرائيل للحفاظ على موقفه ولا سيما تجاه بيئته.

في حين، تؤكد مصادر "حزب الله" أنه جاهز للتصدي لأي محاولة للسيطرة على حقوق لبنان الاقتصادية ضمن مياهه الإقليمية، واضعاً أي تحرك أمني في المنطقة في سياق المصلحة الرسمية اللبنانية.

تعديل المرسوم

في سياق متصل، أوضح وزير الداخلية الأسبق، والمستشار القانوني زياد بارود، أنه في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2011، أصدر لبنان المرسوم رقم 6433 الذي حدّد الحدود البحرية اللبنانية التي تشمل المياه الإقليمية ومنطقته الاقتصادية، إلا أنه في 4 مايو (أيار) 2020 ومع بدء المفاوضات مع إسرائيل، رأى الوفد اللبناني من خلال دراسة معمّقة تولّتها قيادة الجيش وخبراؤها أنه يقتضي تعديل الخط المعتمد سابقاً تحسيناً وتحصيناً لحقوق لبنان وفق ما تنص عليه اتفاقية قانون البحار.

وأشار بارود إلى أن الاعتراض يجب أن يقترن، أولاً، بتعديل المرسوم النافذ، "وقد بات ذلك متاحاً بعد نيل الحكومة الثقة، ومن بعدها تتمّ مراسلة الأمم المتحدة لأخذ العلم"، موضحاً أنه "من شأن هذه الإجراءات أن تؤدي إلى اعتبار المنطقة متنازعاً عليها، بالتالي هذا يعني أن أعمال تنقيب إسرائيل يجب أن تتوقف ريثما يتم حسم النزاع".

الحدود الرسمية

من جهة ثانية، اعتبر الخبير الدولي في شؤون الطاقة، رودي بارودي أنه "إلى حين الاتفاق على تعديل المرسوم، فإن اتفاق إسرائيل مع شركتي "هاليبرتون" "وإينرجي"، حول حفر آبار بمسافة 6 إلى 7 كلم جنوب الحدود اللبنانية المعتمدة لدى الأمم المتحدة، قائم كونها لا تعتبر منطقة النزاع.

وأوضح أن المنطقة المتنازع عليها الآن وبحسب الأوراق الرسمية لدى الأمم المتحدة هي 365 كيلومتراً، مشيراً إلى أن "الفقرة 3 تنصّ على أنه إذا حصلت أي إحداثيات جديدة مثلما هي الحال اليوم يحق للبنان إرسالها إلى الأمم المتحدة".

وقال بارودي "ليتركوا الجيش اللبناني يرسل الإحداثيات عبر وزير الخارجية"، مؤكداً أنه "يحق للبلدين أن يعدّلوا الحدود كل جانب بحسب طلبه (لبنان بحسب طلبه في الـ 2010 وإسرائيل بحسب طلبها في الـ 2011)، وطالما صور الأقمار الاصطناعية أكثر تطوراً ودقّة فهذا يعطي لكل جانب مسافة متساوية صارمة وهذا يكون عادلاً للجانبين".

منطقة متنازع عليها

ويشير الخبير في شؤون النفط والغاز الدكتور شربل سكاف، إلى أنه بعد تشكيل حكومة جديدة باتت فرص العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل حول ترسيم الحدود مرتفعة، لا سيما انتفاء ذريعة عدم وجود حكومة قادرة على إصدار المراسيم، لافتاً إلى أن أهمية إصدار مراسيم تعديل الحدود من النقطة 23 التي يشير إليها المرسوم السابق رقم 6433 إلى النقطة 29، يحوّل أجزاء كبيرة من حقل "كاريش" إلى مناطق متنازع عليها، بالتالي يمنع إسرائيل بموجب القوانين الدولية من استكمال أعمال التنقيب.

ويضيف أنه إلى جانب الضغط القانوني الذي يحدثه تعديل المرسوم على إسرائيل، فإن الشركات المستثمرة لن تكون في وضع مريح، لا سيما أن احتمالات المخاطر الأمنية والاقتصادية تصبح مرتفعة، موضحاً أن عدم تعديل المرسوم يفقد لبنان حقه في منطقة غنية بالنفط ويعطي ذريعة لإسرائيل التنقيب بشكل منفرد ويحصر المنطقة المتنازع عليها بين الخطين 1 و23 أي بمساحة لا تزيد على 860 كلم مربع بدل مساحة 1430.

حصر الملف

من ناحيته، يستغرب المحلل الاستراتيجي العميد ناجي ملاعب، عدم تطرق الحكومة اللبنانية في أولى جلساتها إلى ملف ترسيم الحدود البحرية والانتهاكات الممارسة بحق لبنان من قبل إسرائيل، بخاصة بعد انطلاقها بعملية التنقيب في حقل "كاريش" المتنازع عليه، كاشفاً عن "استدعاء وزير الخارجية عبدالله بو حبيب للوفد اللبناني المفاوض للحديث معهم بشأن هذا الملف"، الأمر الذي يعطي انطباعاً أن رئيس الجمهورية يحاول حصر الملف بيده بعيداً من الحكومة، والتي عليها تعديل مرسوم الحدود وإيداعه للأمم المتحدة لكي يصبح الخط 29 معترفاً به.

ويرى ملاعب أن سبب حصر ملف ترسيم الحدود بيد رئيس الجمهورية، يهدف لاستخدامه في ورقة التقارب بين التيار الوطني الحر والإدارة الأميركية، مشيراً إلى تحسن مستجد في العلاقات بين فريق رئيس الجمهورية والإدارة الأميركية، واضعاً زيارة الباخرة الأميركية التابعة للأسطول الخامس إلى لبنان وقيامها بمناورات وجلسات مع البحرية اللبنانية للتنسيق مستقبلاً سواء في القيادة أو في شبك الاتصالات مع الأسطول الخامس، في إطار تقدم المفاوضات حول ترسيم الحدود.

خط 2024

كما يوضح أن "الحضور الأميركي القوي على شواطئ المتوسط، وتحديداً في لبنان، ممكن أن يكون مبرر أو ممهّد لقبول لبنان بالشركة الأميركية التي انطلقت بحفر حقل كاريش، بأن تكون هي الموجودة بجنوب لبنان والموّكلة لاستثمار بحقل قانا والحقول المجاورة لشمال إسرائيل"، لافتاً أن "الأميركيين مهتمون بشكل كبير بنفط الشرق المتوسط، وحتى الإمارات العربية المتحدة، بحيث يُحكى أنها بدأت تستثمر بثلث حقل كاريش، وذلك بعدما استثمرت في ميناء حيفاء".

ويقول ملاعب إن "إسرائيل سبق أن عقدت اتفاقيات في عام 2017 مع قبرص واليونان، بحضور وزير الخارجية الأميركي آنذاك، من أجل إنشاء خط مباشر للغاز من تحت المياه، من حيفا باتجاه قبرص ثم اليونان"، مشيراً إلى أن هذا الخط سينتهي عام 2024، ما يعني أن هناك اهتماماً جدياً وكبيراً، لجعل ميناء حيفاء المصدر الوحيد للخارج، سواء بترول للخليج أو الغاز من داخل إسرائيل، مشدداً على أن حقل "كاريش" يقع في الاستراتيجية النفطية الإقليمية، مؤكداً أن غياب لبنان عن تحصين حقوقه في هذا الحقل سيفقده ثروة يعول عليها لنهضة البلاد.

المزيد من متابعات