هل تسترجع "الايادي النظيفة" اموال الشعب الجزائري المنهوبة؟

تواجه صعوبات كبيرة منها انعدام الشفافية وعدم استقلال القضاء

الشعور الأكثر انتشاراً في الشارع الجزائري هو أن استعادة الأموال أمر مستحيل (رويترز)

يسأل الشارع الجزائري عن مصير الأموال المنهوبة من "العصابة" التي استطاعت أن تنسج شبكة من علاقات الفساد على مدى عقدين. يتردد السؤال منذ بدأت اعتقالات رموز نظام عبد العزيز بوتفليقة وتجميد الأموال والتحفظ على ممتلكات بعضهم وملاحقتهم قضائياً. وعلى الرغم من تطمينات قائد الأركان أحمد قايد صالح أن غاية "حملة الأيادي النظيفة" هي استرجاع أموال الشعب المنهوبة، فإن الشعور الأكثر انتشاراً في الشارع الجزائري هو أن استعادة الأموال أمر مستحيل.

ويقبع رجال أعمال ومسؤولون شغلوا مناصب سياسية وأمنية في الحبس المؤقت، تمهيداً لمحاكمتهم، فيما ينتظر آخرون دورهم ضمن أحداث متسارعة منذ أن أجبرت احتجاجات شعبية الرئيس بوتفليقة على الاستقالة من منصبه، وبينما طمأنت أطراف وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، بأن المحاسبة تأتي في سياق استعادة العدالة كامل صلاحياتها واسترجاع أموال الشعب المنهوبة، تخشي فئات واسعة من أن تكون العملية رد فعل على مخطط يستهدف أمن الدولة، لا علاقة لها بقضايا اقتصادية.

شعارات

يرى أستاذ العلوم الاقتصادية في جامعة الجزائر، عبد العزيز دحوش، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن هناك دوافع تفسر سعي السلطات إلى محاربة الفساد، وأولها تعزيز ثقة الرأي العام الثائر الذي يرفع شعارات المحاسبة، إضافة إلى مواجهة المشكلات الاقتصادية، من خلال الاستفادة من استعادة الأموال المنهوبة.

ويلاحظ دحوش أن كثيرين يعلقون آمالاً على استعادة أموال ضخمة منهوبة، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، داعياً إلى ضرورة تحقيق القضاء في الصفقات العمومية والتحويلات إلى الخارج، على اعتبار أن الاتفاقات الدولية المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال تنص على إلزام الدول الموقعة عليها، بالتعاون في ما بينها لتمكين دولة من استعادة أموال في أرصدة بأحكام قضائية.

تعهد وواقع صعب

دعا قائد الأركان، في خطاباته، جهاز العدالة إلى تسريع وتيرة متابعة قضايا الفساد ونهب المال العام، ومحاسبة كل من امتدت يده إلى أموال الشعب، وثمن "الاستجابة للنداء الذي جسد جانباً مهماً من المطالب المشروعة للجزائريين. وهو ما من شأنه تطمين الشعب بأن أمواله المنهوبة ستسترجع بقوة القانون وبالصرامة اللازمة"، منتقداً التحريض على عرقلة عمل مؤسسات الدولة ومنع المسؤولين من أداء مهماتهم.

ويعتبر عضو البرلمان خوجة الأرقم، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن استرداد الأموال المنهوبة يواجه صعوبات كبيرة لاعتبارات عدة أهمها انعدام الشفافية في تسيير المرفق العام، لا سيما المؤسسات المالية وتسيير الصفقات العمومية، وعدم استقلالية القضاء، إضافة إلى ضعف المفاوض الجزائري لغياب الجدية اللازمة ووجود أزمة شرعية في نظام الحكم. ويشير إلى أن تقرير البنك الأفريقي للتنمية ومؤسسة النزاهة المالية يعتبران الجزائر الدولة الرابعة في أفريقيا التي تعاني من تهريب الأموال إلى الخارج، بعد نيجيريا وليبيا وجنوب أفريقيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منح المتورطين فرصة

ويشدد دحوش على أن استرجاع أموال الشعب التي حصل عليها متعاملون اقتصاديون بأشكال مختلفة، هو الأهم في المرحلة الراهنة، مقترحاً منح المتورطين فرصة لإصلاح ما أفسدوه، من خلال إرجاع الأموال التي أخذوها، مثلما حدث في إيطاليا التي استرجعت أكثر من 70 مليار دولار خسرتها بسبب التهرب الضريبي. ويذكّر بتجربة تونس التي اتخذت الإجراءات نفسها بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وتمكنت من استرجاع مئات المليارات.

ولفت إلى أن الوزير السابق للتجارة بختي بلعايب كشف عن تحويلات بـ20 مليار دولار سنوياً، ما يمثل حوالى 30 في المئة من التجارة الخارجية للجزائر، وذلك بسبب تضخيم الفواتير.

"الخليفة" و"سوناطراك"

وعرفت فترة حكم الرئيس بوتفليقة قضايا فساد مرتبطة بتمويل مشروعات بنى تحتية وفي قطاع الطاقة، وأهمها ما يعرف بقضية "سوناطراك" البترولية، وتبين أن شركات إيطالية وأميركية وصينية متورطة في منح رشى لمسؤولين جزائريين، للحصول على مشاريع طرق ومياه واتصالات وطاقة. وقبلها قضية عبد المومن خليفة الذي بنى إمبراطورية مالية من المال الفاسد، تضم مصارف وشركة طيران عملاقة ومجمعاً إعلامياً. وقد أظهرت تقديرات اقتصادية أنه ألحق خسائر فادحة بالخزينة العمومية الجزائرية بلغت حوالى ملياري دولار. وثبت التبييض ولم يُسترجع المال.

ويربط متابعون قدرة الجزائر على استعادة أموالها المهربة نحو الخارج، بتوافر إرادة سياسية ودبلوماسية وقضائية قادرة على التفاوض.

وكرر قايد صالح مرات عدة أن وزارة الدفاع تملك معلومات مؤكدة، تم تسليمها إلى القضاء، في شأن ملفات فساد ثقيلة، مشدداً على أن العدالة تحررت من الضغوطات والإملاءات.

المزيد من العالم العربي