Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معرض باريسي شامل يكشف دور الأشياء في قلب المعايير الفنية  

رموز الثورة التشكيلية المعاصرة استوحوا معالم الحياة اليومية من التكعيبية إلى السوريالية وما بعد الحداثة 

لوحة من معرض مركز "بومبيدو" للرسام برنار بوفييه (الخدمة الإعلامية للمعرض)

بعد معرض "أشكال الزمن" الذي نظمه القائمون على "مركز بومبيدو" (باريس) العام الماضي وقاربوا فيه الطرق المختلفة التي مثل فيها فنانو الحداثة مفهوم الزمن، ها هم ينتقلون إلى موضوع آخر لا يقل أهمية في معرض جديد يحمل عنوان "صوت الأشياء" ويهدف إلى كشف أهمية الشيء أو الغرض (objet) في تاريخ الحداثة انطلاقاً من أعمال نموذجية لطلائع مطلع القرن العشرين تشهد على الثورة التي أحدثوها في المعايير الجمالية، وأخرى أكثر حداثة زمنياً تسائل عالمنا المعولم.

وتجدر الإشارة بدايةً إلى أن عنوان المعرض، الذي يتوزع مضمونه على 13 صالة، مستعار من عنوان ديوان الشاعر الفرنسي فرانسيس بونج، "الانحياز للأشياء" (1942)، الذي أسس لطريقة جديدة في النظر إلى الأشياء وفي إحيائها. لكن قبل هذا الديوان المرجعي، يتبين لنا في الصالة الأولى كيف انخرط بيكاسو وجورج براك معاً مطلع القرن الماضي في عملية تحويل عميقة للفضاء التشكيلي ألقى الناقد لويس فوكسيل عليها تسمية "تكعيبية"، مستعينين بموضوع "الطبيعة الميتة" الذي يعبر كل تاريخ الفن من أجل قيادة اختباراتهما التشكيلية.

 

اختبارات ما لبث أن شارك فيها جوان غري وهنري لوران وليوبولد سورفاج وألكسندر أرشيبنكو وألبرتو مانييلي، واستلهمت التغييرات الراديكالية التي طرأت على ظاهر الحياة المدينية في باريس وأنماطها خلال "الحقبة الجميلة"، مع وصول التيار الكهربائي إلى المدينة وابتكار الباطون المسلح وتشييد المترو وأنفاقه، وتكاثر السيارات في الشوارع، وانتشار التكنولوجيات الجديدة المختلفة التي نتجت عنها أشياء كثيرة لم تكن معهودة من قبل.

خرق ومسامير في لوحات بيكاسو

وبينما نرى في الصالة الثانية كيف بدأ بيكاسو، إثر هذه الاختبارات، في إدخال مماسح وخرق ومسامير في لوحاته، قبل أن ينجز أعمالاً مكونة كلياً من أشياء متفرقة عثر عليها في الشوارع أو في الطبيعة؛ تنقلنا الصالة الثالثة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى لكشف افتتان الفنانين آنذاك بالآلات الصناعية الجديدة، كما يتجلى ذلك في بيان "ما بعد التكعيبية" الذي خطه الرسام أميديه أوزيفان والمهندس والرسام لو كوربوزييه وحددا فيه مبادئ المذهب الصفائي (purisme) الذي تاق إلى تجاوز الصراع بين التقدم والابتكارات التقنية، وإلى التخلص من "الفنون الاعتراضية" ومن التكعيبية التي حددها كـ"فن ملتبس لحقبة ملتبسة". بيان دعا إلى "دقة صارمة" في الرسم، أو إلى "كلاسيكية حديثة"، وإلى ضرورة بلوغ حصيلة بين تصوير وهندسة، انطلاقاً من صورية بسيطة تحضر أشياء الحياة اليومية فيها بشكل واضح وبلا زخرفة أو تنميق. وفي ذلك، يلتقي مع بيان "الفن الصافي" الذي أصدره الفنانان البلجيكيان رونيه ماغريت وفيكتور سيرفانكس عام 1922، ودافعا فيه عن الجمالية نفسها.

 

ورصدت الصالة الرابعة لاستخدام مارسيل دوشان أشياء عادية كقطع فنية جاهزة سلفاً (ready-made)، أثناء تأملاته في معنى الفن. وفي هذا السياق، ثبت أولاً عجلة دراجة على مقعد، ضمن مسعى تحريضي تبناه الدادائيون بعده، قبل أن يشتري عام 1915 في بازار، حاملة قناني ليعتمدها كقطعة فنية من دون إجراء أي تعديل أو إضافة عليها. ومع صديقه مان راي، ما لبث أن ابتكر في نيويورك مفهوم "قطع عاطفية"، وهي عبارة عن تركيبات هجينة لأشياء متفرقة.

وتحط الصالة الخامسة بنا مطلع عشرينيات القرن الماضي، حين ابتعد الشاعر أندريه بروتون عن الذهنية الدادائية التي تشربها وخط البيان السوريالي الأول الذي أشار فيه إلى "ضرورة أن يقود الشعر إلى مكان ما". بيان وضع صاحب "نادجا" فيه الأسس النظرية للحركة السوريالية، فدافع عن تفوق الخارق على الواقع وعن ثمار الآلية في جميع أشكالها، وعن قدرات الحلم في "تغيير الحياة". وفي هذا السياق، دعا أصدقاءه الفنانين إلى خلق "أشياء ذات وظيفة رمزية" جمع عام 1936 نماذج منها في المعرض السوريالي في غاليري "شارل راتون، مثل "طيف الغاردينيا" لمارسيل جان ولوحات لمارغريت عرّى فيها الحياة الداخلية لشخصياته، وأخرى لإيف تانغي وفيكتور برونر تحضر فيها وجوه بشرية والمناخ المأزوم لمرحلة ما بين الحربين العالميتين.

ديوان "الإنحياز للأشياء"

وخصصت الصالة السادسة لديوان بونج "الانحياز للأشياء" الذي يعكس عنوانه موقف شاعر أدار ظهره للبشر وسعى إلى الفرار من أي ذاتية، تماماً كما فعل بعض الفنانين التصويريين الذين رفضوا اتباع التيارات التجريدية الطاغية آنذاك وجهدوا لمنح الكلام إلى من أو ما لا ينعم به. وفي هذا السياق، نشاهد أيضاً في الصالة نماذج معبرة من عمل الرسام الفرنسي برنار بوفيه الذي وصف كـ"فن لا حياة فيه تبدو الأشياء المحددة بدقة في أشكالها داخله كمجرد ظاهر للواقع".

 

في الصالة السابعة، يتضح الاهتمام الخاص الذي أولاه المصورون الفوتوغرافيون بالشيء أو الغرض منذ ابتكار وسيطهم، خصوصاً السورياليون منهم الذين استثمروا طاقته الشعرية والرمزية في العشرينيات والثلاثينيات وحولوه إلى أداة قوية وفعالة لشعر بصري. وأيضاً مصورون طلائعيون دافعوا في الفترة نفسها عن "رؤية جديدة" وسعوا إلى تغيير طرق استخدام وسيطهم وأيضاً الطرق التقليدية للنظر. وبينما أصبح بعد 1945 موضوعاً مفضلاً في الدراسات الشكلية لممثلي الصورة "الذاتية"، استخدمه المصورون "الوثائقيون" و"التشكيليون" انطلاقاً من الثمانينيات كركيزة جامدة ومخادعة في صمتها الظاهر تسمح بكل أنواع إعادة التملك والاختطاف.

في الصالة الثامنة نرى كيف وسع فنانو الديزاين منذ الخمسينيات حدود الشيء عبر مساءلتهم بعده الوظيفي وأيضاً الروحي. ففي إيطاليا، عمد بيار جياكومو وأشيل كاستيغليوني إلى اختطاف مقاعد دراجات هوائية أو جرافات لتأثيث مكاتبهم، بينما أصبحت القطعة الفنية توليفاً لمجموعة أشياء متباينة مع غاي ألينتي وميشيل دو لوتشي. وفي مطلع السبعينيات، جعل جياني بيتينا من الجسد محركاً للشيء، وساءل غايتانو بيتشي بعده العاطفي بكراسيه الشبحية المصنوعة من مادة الصمغ. أما اليوم، فيسائل فنانو الديزاين تاريخ الشيء وراهنيته عن طريق جمع ودراسة عناصره الطبيعية وطباعته بتقنية 3D، كالثنائي دوف غانشرو وآيمي دراش، وجان باتيست فاستريز. وأحياناً، يحضر كوحدة ذاتية تمكن "معالجتها" (مجموعة 5.5. ديزاينرز)، أو مساءلتها كوسيط وحي (أندريا برانزي). وبين أشياء مبتذلة ومراجع روحانية عن الماضي، صار فنان الديزاين، مثل عالم الآثار، ذلك الذي يكشف البعد الشاماني للأشياء.

الأشياء المصنعة

في الصالة التاسعة، يتبين لنا كيف تعززت وتيرة استخدام الأشياء المصنعة وعمليات إنتاجها منذ الخمسينيات، إثر تقديمها في الغرب كثمار طبيعية لـ"التقدم". وفي هذا السياق، نشطت الدعايات على التلفزيون والراديو في مدح فضائلها ما سهل اكتساحها الحياة اليومية للناس. ظاهرة اجتماعية ما لبث فنانو الـ"بوب آرت" أن استولوا عليها وقاربوها بطرق مختلفة، مثل أندي وارهول الغني عن التعريف أو كلايس أولدنبورغ الذي عمد إلى خلق نسخ مطابقة للأصل عن منتوجات استهلاكية، مثل مواد غذائية وثياب وقطع أثاث، جمعها وعرضها في محترفه بعد تحويله إلى "متجر" مفتوح للجميع. وطوال مسيرته الفنية، اهتم هذا الفنان إما بتكبير أشياء شعبية أو بتليينها بهدف إضفاء طابع إنسانوي عليها.

 

 

ورصدت الصالة العاشرة للتساؤل الذي قادته حركة "فلوكسوس" الطلائعية، بموازاة فن الـ"بوب"، حول الحدود بين جميع الأشكال الفنية والحياة، عن طريق عدد من الأداءات الجماعية. حركة تأسست على إرث الدادائية في أميركا وتبنى ذهنيتها جورج بريخت، ابن الموسيقي والشاعر والتشكيلي جون كايج، منذ أدائه الجماعي الأول في فيسبادن، في ألمانيا عام 1962، الذي لجأ فيه، كما في جميع أداءاته اللاحقة، إلى أشياء من الحياة اليومية أقدم على جمعها أو ترتيبها بحرية. ترتيبات تدعو المتأمل فيها إلى إعادة تأويل تفاهة اليومي ومكانة العمل الفني بسخرية رقيقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الصالة الحادية عشرة نشاهد تصاميم الآلة العملاقة المدمرة لذاتها التي أنجزها النحات السويسري جان تناغلي عام 1960 تحت عنوان "احتفاء بنيويورك"، ومنحوتات متحركة أخرى له تشهد على تلك الممارسة الجديدة التي انتشرت منذ التكعيبية والدادائية، وتقوم على تجميع– وتركيب- أشياء مختلفة داخل عمل واحد. نشاهد أيضاً منحوتات لرفاق تانغلي في حركة "الواقعية الجديدة"، مثل دانييل سبويري وأرمان وسيزار وكريستو، وجميعهم أسهم في إلغاء المسافة التي كانت تفصل بين الإبداع الفردي والمجتمع، عبر استخدامهم المنتوجات والنفايات الصناعية لمجتمعاتنا في فنهم.

وخصصت الصالة الثانية عشرة لكشف استثمار بعض الفنانين تقنية التجميع والتركيب بعد الحرب العالمية الثانية ضمن بحث روحي واستكشاف للذات، فحولوا أعمالهم إلى ركائز لسرديات أو ميثولوجيات فردية. وحول هذه النقطة، كتب رولان بارت: "كل شيء يمكن أن يعبر من حضور مغلق وأبكم إلى حالة شفهية مفتوحة على تملك المجتمع". عبور يجعله قادراً على تسيير أفكار ورمزية معينة وقيمة عاطفية، كما في عمل إتيان مارتان ولويز نيفيلسون ويولاند فييفر ومارسيل برودتاير الذين، بتلاعبهم وإعادة ترتيبهم لأشياء متفرقة، ابتكروا عوالم فنية خاصة.

وتختم المعرض أعمال حديثة تابع أصحابها فيها تلك المساءلة الحرة لروابطنا بالأشياء داخل عالم معولم، مستندين في ذلك على تاريخ الشيء واستخداماته المختلفة داخل الفن، ومستثمرين موضوع الطبيعة الميتة الذي لطالما شكل- ولا يزال يشكل- ذريعة لاختبار أساليب فنية جديدة أو تمثيل ما يقع خلف المشهد المرسوم.

المزيد من ثقافة