Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اسكتلندية تبيع شقتها لتسير مشيا عبر السعودية من الشمال إلى الجنوب

"السعودية بلد مثير للجدل وتقاليده تختلف جذرياً عن الغرب لكن عندما تمشي بطوله تدرك أن البشر متشابهون في كل مكان وأن اللطف والإنسانية هما ما يصنع الفارق وأن الحواجز الثقافية وجدت لتكسر"

أنهت أليس موريسون للتو رحلتها التاريخية عبر السعودية من الشمال إلى الجنوب (حقوق الصورة : أليس موريسون)

ملخص

رافقها جملين أطلقت عليهما اسمَي "جوسي" و"لولو"، وعرض رجل سعودي عليها الزواج.

"استغرق الأمر عامين من التخطيط وجمع التمويل، بل بيع شقتي للمساهمة في تمويل الرحلة، قبل أن أصل إلى نقطة الانطلاق"، قالتها الكاتبة والرحالة الاسكتلندية أليس موريسون قبل أن تجوب السعودية سيراً على الأقدام في رحلة استغرقت 112 يوماً، قطعت خلالها 2196 كيلومتراً.

تقول أليس بعد إنهائها الرحلة المثيرة، "أصبحتُ أول شخص موثق يقطع السعودية سيراً على الأقدام من شمالها إلى جنوبها، خطوة بخطوة، كنت أقطع ما يعادل تقريباً نصف ماراثون يومياً".

وتعادل السعودية ثلثي مساحة الجزيرة العربية، وهي تفوق بمساحتها بضع دول أوروبية، وتضاريسها مختلفة في شمالها عن جنوبها، والطقس أيضاً مختلف.

لم تكُن مغامرة الصحافية التي وثقت رحلتها ضمن تقارير نشرتها في "ذا تلغراف" و"ذا صن" البريطانيتان سهلة، إذ كانت كما تقول تسير في "حرارة قاربت 39 درجة مئوية، وأحياناً أخرى صقيع على خيمتي، وعقارب وثعابين ورياح عاتية ورمال مرهقة… كلها كانت جزءاً من الرحلة".

 

"لكن كان هناك أيضاً قدر كبير من المتعة، في اتساع الصحراء البرية، وفي التخييم إلى جوار نقوش صخرية تعود لآلاف السنين، وفي شرب القهوة بالهيل داخل خيام البدو على الطريق".

"فصل من حياتي"

ومع اكتمال "رحلتي الملحمية"، كما كتبت في "ذا تلغراف" "شعرت بالإنجاز. بعد هذا الجهد الهائل، حين وصلت أخيراً بمساعدة فريقي إلى نجران على الحدود اليمنية، كانت لحظة مؤثرة، إيذاناً بنهاية فصل كامل من حياتي".

وبدأت رحلة المغامرة الستينية من حالة عمار على الحدود مع الأردن، وقسمتها إلى مرحلتين، من الأول من يناير (كانون الثاني) حتى الـ14 من فبراير (شباط) الماضيين، وانتهت عند المسجد النبوي في المدينة المنورة، ثاني أقدس المساجد لدى المسلمين، ثم استأنفتها لاحقاً من الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حتى أنهتها في الـ15 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري.

ورافقها طوال الرحلة فريق دعم جاء أفراده من السعودية والسودان واليمن وإيرلندا.

والمثير في رحلة موريسون أنها اصطحبت جملين أطلقت عليهما "جوسي" و"لولو"، وتقول "لم أكُن بحاجة حقيقية إليهما، إذ كنت أمشي ولدي مركبات دعم، لكن الجمال جزء أصيل من الثقافة السعودية، وشعرت بأن السير في طرق الحج والقوافل القديمة من دونها سيكون خطأ".

لم تكُن رحلة الكاتبة والمؤلفة التي نشرت جزءاً من رحلتها عبر حسابها على منصة "تيك توك" فكرة حديثة، إذ كان لديها حلم قديم وتحقق أخيراً. وتقول "عندما كنت في الـ11، أهداني والدي كتاب "رمال عربية" لويلفريد ثيسيغر، الصادر عام 1959 الذي يروي عبوره الربع الخالي مع رفاقه البدو. علقت القصة في ذهني، وكانت أحد أسباب دراستي اللغة العربية في الجامعة، ثم عيشي لاحقاً في المغرب".

 

لكن مع انفتاح السعودية بعد الجائحة، "رأيت فرصتي لاستكشاف قلب العالم الإسلامي"، واستغرق الأمر عامين من التخطيط وجمع التمويل، كما تروي، وتقول "بعت شقتي للمساهمة في تمويل الرحلة، قبل أن أصل إلى نقطة الانطلاق". وكان ذلك بعدما خسرت رعاة وممولين كانوا يرون عدم جدوى تلك المغامرة، إضافة إلى آخرين لديهم مواقف متطرفة من المملكة.

لكن عزيمة وحلماً بدأ من كتاب "رمال عربية" صدر  قبل أكثر من ستة عقود، وتقول "أؤمن بقوة المعرفة والفهم. أعتقد بأن الطريقة الوحيدة للتعايش كبشر هي أن نتعرف إلى بعضنا بعضاً على المستوى الإنساني، لا فقط عبر نشرات الأخبار".

وتضيف "أنا مستكشفة"، لست مدافعة عن أحد. أعرف أن هناك كثيراً مما يثير القلق، لكنني لا أؤمن بأن إدارة الظهر لتلك المشكلات هي الحل. قد يصفني بعضهم بالملهمة أو المتهورة، لكنني أردت أن أعرف كيف يكون شعور امرأة غربية تقوم بشيء غير مألوف تماماً، في بلد ما زال العالم ينظر إليه بريبة".

الطريق البطيء عبر السعودية

وتوضح "اعتدت سريعاً على الروتين، الاستيقاظ الساعة 4:45 فجراً، المشي قبل شروق الشمس عند 6:15، والتوقف عند الظهيرة تفادياً لذروة الحر. استخدمت نظام GPS وسجلت المسار كاملاً، مع تصحيحات ملاحية من آلان موريسي".

وتضيف "أحياناً كنت أمشي وحدي، وأحياناً أخرى برفقة أحد أفراد الفريق. وكنت أطرح الأسئلة باستمرار عن الأرض والحياة البرية والناس والعادات والقبائل، وكان لدي أيضاً وقت طويل للتفكير واختبار سكينة السير عبر العالم. بدأ الطريق في حقول الحمم البركانية شمالاً، بمشهد أقرب إلى ’موردور‘، حيث الصخور السوداء الحادة تغطي السهول، والجبال الداكنة شاهقة لا تخترق".

 

وتردف "ثم انحدرت إلى وادي الديسة، ذلك الأخدود الخلاب في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية. جدران الوادي الحمراء تحمي واحة خضراء مليئة بأشجار الدوم، وتنساب المياه في وسطها، بينما يقود الرعاة قطعانهم عبر حمير مزودة بأجراس. وكانت العلا، مركز السياحة السعودية الجديدة أبرز محطات الشمال، بما تحويه من آثار الممالك النبطية والدادانية وحديقة وطنية شاسعة. ورأيت المها العربي المعاد توطينه يركض بين التشكيلات الصخرية التي ’تغني‘ عند الغروب مع مرور الرياح".

الجنوب… والرموز

وتروي موريسون "ثم واصلتُ إلى المدينة المنورة، إحدى أقدس مدن الإسلام التي فُتح مركزها لغير المسلمين حديثاً. وبدأت المرحلة الثانية مع أذان الفجر خارج المسجد النبوي، وسرتُ عكس تيار المصلين من أنحاء العالم".

 

وتضيف "أما جنوب البلاد فأكثر وحشية وبعداً، وهو أيضاً أشد حرارة. كنت أشرب أربعة لترات ماء يومياً ولا أذهب إلى المرحاض إلا مرتين. ومع الجِمال، اضطررت إلى تخطيط الطريق عبر الرمال، خصوصاً حين أصيبت ’لولو‘ (ناقة) ببثور وصنعنا لها حذاء بدائياً".

وعند وصولها إلى مطافها الأخير في نجران، تقول "الصحراء فسيحة تحفّها جبال عالية. سرت في أودية مليئة بالأشجار الشوكية ومعسكرات الرعاة. التضاريس إما مناسبة للجمال وقاسية للبشر (رمال عميقة)، أو العكس (ممرات جبلية صخرية). وفي أحد الأيام الطويلة، عثرت على نقوش صخرية لأيد منفردة. وبعد أسبوعين، أخبرني الباحث محمد هريش المستطر بأنها رموز للإله ’وَدّ‘، أحد تجليات إله القمر".

 "عرض علي الزواج"

وكتبت موريسون "امرأة تمشي وحيدة في البرية السعودية مشهد نادر للغاية. حرصت على اللباس المحتشم، مما ساعد أيضاً في الحماية من الشمس. المجتمع هنا ذو أدوار جندرية واضحة، والإسلام منسوج في تفاصيل الحياة اليومية، والروابط الأسرية والقبلية أساسية".

 

وتردف "كنتُ أكسر كثيراً من المحرمات، ومع ذلك لقيت ترحيباً أينما ذهبت. لكنني تعلمت التعايش مع الحرج الاجتماعي. وعندما قلت إنني غير متزوجة ولا أنجب أطفالاً، ظهرت علامات الاستياء… وتلقيت عرض زواج واحداً من رجل مسن بلا أسنان!".

إحساس بالتحرر

وتتابع أن "الاستكشاف بطبيعته مفاجئ. حرية التنقل والتخييم، وكم التاريخ المنتشر على طول الطريق، أدهشاني. خلال أكثر من 100 يوم، عشت لحظات استثنائية، أدوات من العصر الحجري وأشجار عُلّقت عليها ضباع وذئاب نافقة وشرب حليب نوق طازج وأكل لسان رأس خروف مطبوخ".

وتقول "نعم، السعودية بلد مثير للجدل وتقاليده تختلف جذرياً عن الغرب، لكن عندما تمشي بطوله، تدرك أن البشر متشابهون في كل مكان، وأن اللطف والإنسانية هما ما يصنع الفارق، وأن الحواجز الثقافية وجدت لتكسر".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات