حرب الناقلات التي لا تريدها إيران...مخاوف من تصدع جبهتها الداخلية

القائد الجديد لحرس الثورة وأمام نواب البرلمان شدد على أهمية تعزيز الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات الأميركية

ناقلة نفط تقترب من ميناء الفجيرة (أ.ف.ب)

لا تزال طهران تصر على أن الخطوات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط لا ترقى إلى مستوى الاستعداد لخوض عملية عسكرية. هذا الموقف هو خلاصة الرؤية التي قدمها قائد حرس الثورة الجديد العميد حسين سلامي في جلسة الاستماع المغلقة في البرلمان الإيراني.

سلامي، وقبل أن تصل إلى مسامعه العملية التخريبية التي تعرضت لها ناقلات نفط عدة في ميناء الفجيرة الإماراتي، أكد أنه "يجب عدم الخوف من أميركا، فهي غير قادرة على الحرب، والانتشار العسكري لهذا البلد ليس حربياً، بل يدخل في إطار المناقلات الدورية، لذلك تُقرن هذه المناقلات بحرب نفسية وتستخدم لاهداف سياسية لإجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات".

التطور الأمني الذي شهدته مياه بحر العرب، خارج مضيق هرمز، يحمل الكثير من الرسائل التحذيرية إلى الجانب الإيراني، من مغبة تطوّر الأمور إلى حدّ لا يمكن الحائك الإيراني ورئيس دبلوماسيتها محمد جواد ظريف رتق ما انفتق منها، وإمكان أن تنتهي إلى حرب لا ترغب طهران في أن تصل إليها في مواجهتها مع واشنطن مع آلة الضغوط المتزايدة التي تمارسها الأخيرة على النظام الإيراني.

من هنا، يمكن فهم مسارعة وزارة الخارجية الإيرانية إلى إدانة العمل التخريبي الذي وقع في ميناء الفجيرة والدعوة إلى فتح تحقيق دولي لكشف حقيقة ما حدث. وهي بذلك تستعيد ذاكرتها العسكرية والسياسية والتفاوضية التي خاضتها عام 1987 خلال الحرب العراقية الإيرانية، أو ما عرف حينها بحرب الناقلات في مياه الخليج ومضيق هرمز، والتي أجبرت الولايات المتحدة والدول الأوروبية على التدخل المباشر ضد أهداف إيرانية نفطية عائمة وثابتة، للحفاظ على أمن إمدادات الطاقة العالمية التي تخرج من هذه المنطقة.

وعلى الرغم من أن إيران في تلك المرحلة كانت تخوض معارك على جبهتين، واحدة برية مع العراق وشهدت في حينها تراجع قدرات إيران القتالية وخسارتها بعض المناطق التي سيطرت عليها داخل الأراضي العراقية والإيرانية، وأخرى بحرية، تلقت فيها ضربات موجعة. إلا أن استمرار المعارك على كلا الجبهين كان مترافقاً مع اقتناع القيادة الإيرانية بأن الأمور قد وصلت إلى نهاياتها، وأن على طهران القبول بما يعرض عليها من آليات لإنهاء الحرب وإعلان القبول بوقف إطلاق النار والدخول في مسار السلام والتفاوض.

استمرار إيران في تلك الحرب، خصوصاً تلك التي كانت في مواجهة الولايات المتحدة مباشرة على مياه الخليج، وأن العامل الذي سمح في إدامة الحرب على الرغم من وصول الحل العسكري إلى طريق مسدود وأن الأثمان والخسائر باتت باهظة وقد تؤدي إلى الانهيار الاقتصادي بما يهدد مصير النظام، هو العامل الداخلي، أو ما يمكن تسميته الجبهة الداخلية للنظام الذي استطاع حشد المجتمع الإيراني خلفه في هذه الحرب التي يهدف الأعداء من ورائها إلى النيل من استقرار إيران ووحدة أراضيها. كان المجتمع الإيراني معبأً باتجاه دعم خيارات النظام العسكرية والأمنية، وقد ساعده في ذلك الإجراءات التي سبق أن اعتمدها في "تنظيف" الساحة الداخلية السياسية والحزبية من الأصوات المعارضة، إما عن طريق السجن والمحاكمة والإعدام بتهمة خيانة الثورة والوطن (جماعة مجاهدي خلق وحزب توده الشيوعي والجماعات الملكية)، وإما عن طريق التهريب والقمع ضد كل الأصوات المنتقدة حتى تلك التي كان لها دور تاريخي في المعارضة والثورة وبناء الدولة (حركة تحرير إيران والجبهة الوطنية وبعض المرجعيات الدينية). وقد لعب في هذه المسألة على موضوع الشعور الوطني والإحساس القومي اللذين يعتبران ميزتين لدى المكونات الإيرانية (حب الوطن من الإيمان).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الحالة، سمحت للنظام في تلك المرحلة بالدخول في مفاوضات لإنهاء الحرب وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، مدفوعاً بهاجس التقليل من خسائر السلام بعد إدراكه العجز عن تحقيق أي انتصار في المعركة العسكرية والعمل للحد من خسائر الحرب على الجبهتين البرية مع العراق الذي استعاد بعضاً من قوته في الأشهر الأخيرة من الحرب، والبحرية التي أظهرت فيها واشنطن حزماً عالياً في التصدّي للتصرفات الإيرانية المزعزعة لأمن الطاقة واستقرار الدول الخليجية الحليفة لها.

بعد ثلاثة عقود ونيف على جدلية الحرب والنفط، وإيران وأميركا، تمر المنطقة بعد حادثة ميناء الفجيرة في ما يشبه ما حدث في عام 1987، إلا أن المعطيات الميدانية هذه المرة تختلف إلى حد كبير عما كان موجوداً في السابق، خصوصاً لجهة الجبهة الإيرانية.

فإذا ما كانت إيران قد استطاعت خلال هذه المدة الزمنية من بناء قدراتها العسكرية والأمنية والسياسية، التي وفرت لها حضوراً واضحاً ونافذاً في الإقليم، إن كان في المجال السياسي الذي مهد لها الأرضية لطرح نفسها لاعباً إقليمياً مستفيدة من سلسلة الأخطاء الدولية منذ احتلال العراق وصولاً إلى توقيع الاتفاق النووي والتسوية التي أقامتها مع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، بالتالي الحديث عن سيطرتها على قرار أربع عواصم عربية، أو على المستوى العسكري من خلال بناء قدراتها الصاروخية وتطويرها، إلى جانب بناء أذرع عسكرية وأمنية لها على امتداد تلك العواصم العربية ما يسمح لها بتهديد دول المنطقة وحتى إلحاق الأذية بالقوات الأميركية. فإن التحدي الأبرز الذي تواجهه هذه المرة، يأتي من مكان أكثر خطورة من المواجهة العسكرية. فهي تدرك أنها من ناحية، ستغامر بكل الإنجازات السياسية والاقتصادية التي حققتها على صعيد الداخل، ومن ناحية أخرى سيكون عليها مواجهة الجبهة الداخلية، التي تفتقر هذه المرة إلى حالة الانسجام والوحدة والصلابة، التي كانت موجودة نسبياً خلال عقد الثمانينيات في المجتمع الإيراني ودعمه خيارات النظام في التصدي للاعتداء على الأراضي الإيرانية.

فالنظام الإيراني اليوم يواجه أزمة داخلية معقدة، فهو لم يعد أو غير قادر على إقناع شرائح واسعة من المجتمع الإيراني السياسية والشعبية والاقتصادية والثقافية بخيار المواجهة مع الولايات المتحدة الأمركية، وقد برزت هذه الحالة بشكل واضح في أزمة الحركة الخضراء عام 2009 عندما رفع بعض المتظاهرين شعارات تنال من الخيارات الإستراتيجية للنظام في الإقليم، وأصبح الدعم الإيراني لحزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية محور الاحتجاجات الشعبية التي عمت شوارع غالبية المدن الإيرانية وسببت حرجاً كبيراً للنظام الذي لم يجد أمامه سوى التعامل بقسوة وعنف مع هذه التحركات وقمعها، ومحاولة حصر الاعتراضات الشعبية في المستوى الداخلي وتحويلها إلى معركة نفوذ وسيطرة على مراكز القرار في النظام، بوصفه "الحركة الخضراء" بالفتنة ووضع قياداتها قيد الإقامة الجبرية ومحاصرة الرئيس السابق محمد خاتمي وتهشيم دور وصورة أحد أركان الثورة والنظام هاشمي رفسنجاني وإبعاده عن المشهد السياسي ودوره التسووي داخلياً وخارجياً. وبالتالي فإن أي حرب قد يعمد النظام هذه المرة إلى إشعالها في المنطقة ستكون خيار الطبقة الحاكمة والمؤسسة العسكرية وتخدم مصالحها على حساب مصالح الشعب الإيراني وطموحاته. وحتى تتعارض مع التوجهات والرغبة التي يريدها رئيس الجمهورية حسن روحاني وفريقه الدبلوماسي والمفاوض.

والمؤسسة العسكرية، خصوصاً حرس الثورة، تدرك هذه المرة أن القدرات العسكرية الإيرانية محدودة، ولا تقارن بما تمتلكه القوات الأميركية وقدراتها التدميرية والسرعة في حسم المعركة لصالحها، لذلك فإنها لا تريد ولا تتمنى الوصول إلى مواجهة عسكرية معها، لأنها في حال حصلت فإن تداعياتها لن تقف عند حدود موجات التدمير التي ستقوم بها الحشود الأميركية المنتشرة في المنطقة حول إيران وخسارة كل الإنجازات الصناعية والاقتصادية التي تملكها، بل إن هذه المعركة ستكون لها تداعيات على مستقبل النظام واستمراره، لأن الجبهة الداخلية هذه المرة لن تقف مكتوفة الأيدي، وقد لا تنتهي الأمور إلى قلب النظام، ومن الممكن أن يشهد هذا البلد حركة تغييرية تعيد بناء النظام على أسس جديدة تنسجم مع المطالب الداخلية والتعددية السياسية، إضافة إلى إعادة رسم الدور والنفوذ في الإقليم، في مسعى إلى قطع الطريق على ما هو أخطر قد يصل إلى حد تفكيك إيران على أسس قومية وعرقية قد لا تكون في صالح أي من دول المنطقة وحتى المجتمع الدولي.

من هنا، فإن التحرك الذي قام به حسن روحاني باتجاه شريحة واسعة من القيادات السياسية والثقافية والحزبية التي في غالبيتها مصنفة من قبل النظام في صف المعارضة وتمثل القوى الإصلاحية، كان العنوان الرئيس فيها البحث في الآليات الكفيلة لتعزيز وحدة الصف الداخلي في مواجهة التحديات الأميركية وعقوباتها. والإعلان عن هذه الخطوة الرئاسية تحت أعين قيادة النظام، تكشف مدى الحاجة التي تشعر بها هذه القيادة لمثل هذه الوحدة هذه المرة، في وقت كانت الدعوة إلى الوحدة الوطنية التي وجهها رفسنجاني عام 2010 بعد انتهاء النظام من قمع الحركة الخضراء والإصلاحيين تعتبر خيانة وطنية، ومحاولة منه لإظهار الانقسام في المجتمع الإيراني الذي لا يعاني من أزمة وفق تعبير المرشد الأعلى للنظام حينها.

خطوة روحاني الانفتاحية المحكومة بهاجس الجبهة الداخلية وخطورة ما قد ينتج منها في حال الوصول إلى الحرب والمواجهة مع واشنطن، لم تكن خطوة يتيمة، فالقائد الجديد لحرس الثورة سلامي وأمام نواب البرلمان في جلسة الاستماع شدد على أهمية تعزيز الوحدة الداخلية والوطنية لمواجهة التحديات الأميركية وأي حرب محتملة. وهي دعوة شكلت في الأيام الأخيرة موقفاً مشتركاً لدى كل القيادات الإيرانية ومراكز القرار، التي لا شك استشعرت خطورة ما قد يأتي من ناحية هذه الجبهة في حال تعرض النظام إلى ضربة عسكرية.

الموقف الصادر عن الخارجية الإيرانية حول اعتداءات ميناء الفجيرة، يكاد يكون الموقف الرسمي اليتيم الصادر عن طهران، ودعوتها إلى تحقيق دولي حول الاعتداءات، والقول بوجود مستفيدين يرغبون في إشعال المواجهة والحرب بين طهران وواشنطن، يأتي من باب إدراك التداعيات الخطيرة على المساعي التي تبذلها من أجل الوصول إلى نقطة وسط مع الإدارة الأميركية للخروج من نفق التصعيد المتبادل والعودة إلى طاولة المفاوضات، وتدرك أيضاً، أنه في حال تبني واشنطن خيار توجيه أصابع الاتهام إلى طهران، فإن شروط التفاوض ستكون لصالح واشنطن، وستكون طهران مجبرة على الجلوس إلى الطاولة من دون أن تملك خيارات تفاوضية قوية وواضحة، وسيكون عليها القبول تحت تهديد المعاقبة إلى جانب العقوبات.

المزيد من سياسة