Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشروع "كوفاكس" أمام مستقبل مجهول بسبب نقص إمدادات اللقاحات

يواجه برنامج لقاحات كورونا العالمي الذي تقوده "منظمة الصحة العالمية" سلسلة تحديات في تحقيق أهدافه النبيلة

حصل اليمن على دفعة من اللقاحات في مارس لكن برنامج التطعيم يعاني شيئا من البطء (غيتي) 

أُنشِئَت "كوفاكس" Covax، المبادرة العالمية لتشارك اللقاحات، في الأسابيع الأولى من جائحة كورونا، وحينها لم يكن الحجم الكامل للأزمة قد تبلور بعد. اليوم، يواجه البرنامج تحديات ومعوقات عدة لا تقلّ قدراً عمّا كانت عليه حاله في أبريل (نيسان) 2020.

البرنامج، الذي يشرف عليه تحالف من مجموعات صحية وجمعيات خيرية وهيئات، من بينها "منظمة الصحة العالمية" والتحالف العالمي للقاحات والتحصين "غافي" Gavi، حدَّد لنفسه هدفاً طموحاً يتمثَّل في تقديم أكثر من ملياري جرعة تحصينية إلى 92 دولة من أفقر دول العالم، بحلول نهاية عام 2021 الحالي.

ولكن، في ظل موجة "القومية" المحيطة باللقاحات التي اجتاحت العالم، وبلغت ذروتها في غمرة حظر التصدير، وتكديس اللقاحات، والنقص في التوريد، يسود شكّ في ما إذا كان في وسع "كوفاكس" تحقيق أهدافه على أرض الواقع.

بينما يحتلّ العالم الغربي موقع الصدارة في جهود التحصين، يعاني سكان بلدان الجنوب العالمي (النامية) الانتظار الطويل والمرير للحصول على لقاحات "كوفيد" المنقذة للحياة. ومع مرور كل أسبوع، تتسع أكثر الفوارق بين الأغنياء والفقراء.

من بنغلاديش إلى البرازيل، ومن المكسيك إلى ميانمار، تواجه البلدان نقصاً كبيراً في إمدادات الجرعات التي توقعت أن تصلها بحلول مايو (أيار) الجاري، ما يترك العاملين في مجال الرعاية الصحية والمسنين والمرضى عرضة لعدوى "كوفيد- 19"، فيما السكان الأقل عرضة للخطر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وإسرائيل يصطفون لتلقي اللقاحات.

وفق وثائق صادرة عن "كوفاكس" اطلعت عليها "اندبندنت"، كان مقرراً تخصيص حوالى 237 مليون جرعة من لقاح "أسترازينيكا/ أكسفورد" بين فبراير (شباط) المنصرم ومايو الجاري. ولكن، اعتباراً من يوم الأربعاء الماضي، سلّم البرنامج 53.8 مليون جرعة فقط إلى 121 بلداً، أي ما نسبته 22.7 في المئة فقط من الرقم المستهدف.

عُزيت التأخيرات الأخيرة في إمدادات اللقاحات، التي كان يُفترض بـ"كوفاكس" تسليمها للدول، إلى حظر التصدير المفروض على "معهد سيروم" الهندي Serum Institute of India  (SII)، المزوِّد الأكبر للمشروع العالمي. بينما تصارع الهند طفرة مدمِّرة من إصابات كورونا، توقَّفت الشركة المصنِّعة عن تزويد البرنامج بالجرعات التي تنتجها له، وجرى تحويلها لصالح السكان المحليين.

وفق أحد مصادر "كوفاكس"، تأخّر "معهد سيروم" في تسليم البرنامج 90 مليون جرعة تقريباً كان مقرراً أن تصله على مدى مارس (أذار) وأبريل (نيسان) الماضيين، فيما ما زالت عمليات التسليم المستقبلية "غير مؤكدة في الأشهر المقبلة".

تقول كيت إلدر، كبيرة مستشاري سياسة اللقاحات في "منظمة أطباء بلا حدود": "ربما ينصبّ الاهتمام على حظر التصدير، ولكن من الذي ارتأى أن وضع البيض (في إشارة إلى إنتاج الجرعات) كله في سلة شركة واحدة في الهند (معهد سيروم) فكرة صائبة... يبدو أن هذا التساؤل يستحق العناء".

ولكن في الحقيقة، تمتدّ التحديات "والصعوبات التي يواجهها كوفاكس" إلى ما هو أبعد من الارتكان إلى جهة مصنِّعة رئيسة واحدة. وفق مصادر مطلعة في المشروع، لا تتوافر منذ أشهر قدرة إنتاجية كافية حول العالم تضمن تدفقاً ثابتاً ومتاحاً من الإمدادات لدول الجنوب العالمي، التي لقيت الخذلان في سعي المحموم إلى تأمين الجرعات.

معلوم أن أغنى دول العالم اشترت مليار جرعة زائدة على حاجة مواطنيها، وفق التقديرات، مع اتساع نطاق التطعيم في هذه البلدان يوماً تلو آخر.

في الوقت نفسه، لم تحصل دول من قبيل بنغلاديش وباكستان وميانمار بعد على جرعة تحصينية واحدة من اللقاحات المرصودة لـ"كوفاكس". ويستبعد بحث أخير تطعيم 9 من كل 10 أشخاص في 70 بلداً منخفض الدخل طوال عام 2021.

تقول إلدر: "نتجه إلى مرحلة تشهد نقاشات حول السبل التي تتيح لنا بذل مزيد من الجهود في سبيل تعزيز القدرة الإنتاجية. شخصياً، لست متفائلة جداً. صحيح أنه لن يفوت الأوان، ولكن ألم يكن من المفترض تضمين ذلك (القدرة الإنتاجية) كجزء لا يتجزأ من البنية الأصلية بطريقة مدروسة أكثر".

بسبب نقص الأموال والمصانع اللازمة لتكثيف الكمية المنتجة من الجرعات، بدأ "كوفاكس" تنظيم حملات تحثّ البلدان التي تمتلك فائضاً من الإمدادات على التبرّع بجرعاتها للبلدان الفقيرة. لحسن الحظ، شهدت الأيام الأخيرة بعض "الخطوات الإيجابية" في هذا المجال، على ما يقول ويل هول، مدير قسم السياسة العالمية في "ويلكوم" Wellcome، المعنية بتمويل بحوث ترمي إلى تحسين صحة الإنسان والحيوان.

صرّحت السويد وإسبانيا وفرنسا بأنها ستتشارك جرعاتها الفائضة مع دول أخرى بحاجة إليها، ومن المتوقع أن تتبرّع الحكومة الفرنسية بما يربو على 10 ملايين جرعة تحصينية بحلول نهاية العام الحالي، كما علمت "اندبندنت".

كذلك، ارتأت النرويج ونيوزيلندا أن تعيدا كمية من الجرعات التحصينية كانت حصلتا عليها بفضل عضويتهما في برنامج "كوفاكس"، مع موافقة نيوزيلندا على دفع تكلفة 1.6 مليون جرعة كان مقرراً أن تجد طريقها إليها.

"علينا أن نحرص على أن تبدأ الآن البلدان ذات الجرعات الفائضة في تقاسم الأخيرة مع الدول الأكثر احتياجاً. وتتوفّر أمام دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وغيرها فرصة حقيقية للتحلِّي بدور ريادي في هذه المسألة"، يضيف هول.

في الواقع، تأخيرات برنامج "كوفاكس" في تسليم اللقاحات تترك عواقبها في مختلف أنحاء العالم. في أفريقيا مثلاً، وبمعدلات التحصين الحالية، لن تفلح القارة في تطعيم سكانها البالغين قبل عقد من الزمن. بحلول 6 مايو، بلغ نصيب 54 دولة في أفريقيا 1 في المئة فقط من الجرعات الموزَّعة عبر العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"في الوقت الراهن، جهود "كوفاكس" متعثّرة في أفريقيا ولا شيء (جرعات) قريب المنال قبل يونيو (حزيران)" المقبل، تقول الدكتورة أيواد ألاكيجا، الرئيسة المشاركة في تحالف تسليم اللقاحات التابع للاتحاد الأفريقي.

في ظل هذه الحال من الركود في معدلات اللقاحات المُنتجة وتناقص الإمدادات، تخشى الدكتورة ألاكيجا من أن أزمة "كوفيد" التي تعصف في الهند قد تجتاح أفريقيا أيضاً، في وقت قريب.

تشرح ألاكيجا وجهة نظرها قائلة: "مرعب أن نرى الأحداث التي تشهدها الهند. أفريقيا لا تمتلك "حتى مئة" من القدرات الطبية التي تتمتَّع بها شبه القارة الهندية. إذا اجتاحت أفريقيا (موجة) مماثلة، نكون في مشكلة خطيرة، ولا يمكننا أن نسمح بذلك".

بيد أن تصنيع اللقاحات وتقديمها ليس سوى تحدٍ واحد ضمن تحديات عدة أخرى. حذَّر كثير من خبراء الصحة العالميين من تعقيدات تشوب طرح برامج التحصين على الصعيد الوطني في البلدان منخفضة الدخل، حيث تكابد البنية الأساسية والأنظمة الصحية نقصاً في التمويل وضعفاً في الموارد.

من بين هؤلاء مارتن ماكي، بروفيسور في الصحة العامة الأوروبية في "كلية لندن للصحة وطب المناطق الاستوائية" London School of Hygiene and Tropical Medicine (LSHTM)، إذ يقول: "إن وصول اللقاحات إلى المطار في بلد ما ليس سوى خطوة أولى. بعد ذلك، تمسّ الحاجة إلى أنظمة للتأكد من إيصال اللقاحات إلى من يحتاجون إليها. إنها عملية لوجستية معقدة، وستعاني بلدان كثيرة جراء ذلك".

الدكتورة ستايسي ميرنز، كبيرة المستشارين الفنيين للصحة الطارئة في "لجنة الإنقاذ الدولية" (IRC)، علماً أنها منظمة غير حكومية تهدف إلى تقديم المساعدات الإنسانية، توافقه الرأي قائلةً: "أعتقد أن "كوفاكس" مبادرة رائعة، غير أنها لا تحلّ سوى جزء واحد من المعادلة، ألا وهي حصول البلدان على اللقاحات على نحو منصِف".

تعزيز الطلب، والحفاظ على سلسلة التبريد، وإنشاء أنظمة المراقبة، تشكِّل بعضاً من المتطلبات الإضافية التي ينبغي استيفاؤها في تلك البلدان. "وفي حال غيابها، لن يغيِّر في واقع الأمر شيئاً حتى لو امتلكت 100 ألف جرعة"، تشرح الدكتورة ميرنز.

"في حالة مثل جنوب السودان، حيث شبكات الطرقات شديدة السوء. مجرد التمكّن من الحفاظ على سلسلة التبريد الخاصة باللقاحات أثناء انتقالها من العاصمة إلى سكان المناطق الريفية النائية، يشكِّل تحدياً كبيراً".

والدكتورة ميرنز حريصة على تأكيد أن لكل بلد مجموعة من التحديات الخاصة، وأن العقبات التي تواجهها أوغندا، مثلاً، تختلف تماماً عن تلك الموجودة في اليمن الذي مزَّقته الحرب.

اليمن، الذي بدا في بداية الأزمة أنه يتجاوز أسوأ ما في الجائحة، يشهد الآن طفرة من الإصابات، ما يشكِّل ضغطاً على الخدمات الصحية في الجنوب بصورة خاصة، حيث تفيض منشآت العلاج الصحية بالمرضى وتواجه نقصاً في إمدادات الأوكسجين.

تسلّم اليمن 360 ألف جرعة عبر "كوفاكس" في 31 مارس، ولكن لم يُستفد من تلك الجرعات طوال ثلاثة أسابيع بسبب مشكلات لوجستية، قبل أن يبدأ المسؤولون في توزيعها على العاملين في مجال الرعاية الصحية وكبار السن. ومع ذلك، كما هي الحال مع بلدان أخرى منخفضة الدخل، يبقى التردَّد بشأن أخذ اللقاحات مرتفعاً.

وفق نشطاء في مجال الصحة يبذلون جهودهم على أرض الواقع، تتساءل مجتمعات محلية عن السبب الذي يحدو بالدول الغنية إلى أن تتبرّع بجرعاتها، على افتراض أن عيباً ما يشوبها وأنها غير آمنة. "عندما يخذل العالم اليمن مراراً وتكراراً، تجد أن لهذا النمط من التفكير ما يبرّره. حتى الأطباء والممرضات ترتابهم الشكوك"، يقول عامل في إحدى الجمعيات الخيرية، طلب عدم ذكر اسمه.

قال البعض إن التشارك المفتوح "للمخططات" الأولية الخاصة باللقاحات بين الشركات المصنِّعة وأخرى نظيرة لها سيعزِّز الإنتاج العالمي للجرعات ويعطي دفعاً جديداً لبرنامج "كوفاكس". في وقت سابق من الأسبوع الحالي، اتخذت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الخطوة التاريخية إذ صرّحت أنها تدعم مقترحات "منظمة الصحة العالمية" الداعية إلى التنازل عن حقوق الملكية الفكرية.

أبدى رأيه في هذا الشأن أحد كبار المستشارين العلميين لدى حكومة المملكة المتحدة، التي لم تؤيد هذه السياسة بعد، إذ قال إن هذه الخطوة تنطوي على إمكانية "تحفيز" مواقع التصنيع في دول الجنوب العالمي وتؤذن بإحداث "تأثيرات على المدى الطويل" في ما يتعلَّق بإنتاج الجرعات. ولكن مع ذلك، على المدى القصير، ربما لا يجني هذا النهج المكاسب المرجوة منه، كما ذكر المستشار.

وتوضح البروفيسورة سارة غيلبرت، العقل المدبر خلف تطوير لقاح "أكسفورد- أسترازينيكا"Oxford / AstraZeneca ، أن تبادل تكنولوجيا اللقاح بين الشركات ينطوي على تحديات عدة، بدءاً من الحفاظ على معايير سلامة الإنتاج في المصانع، وصولاً إلى ضمان الحصول على إنتاجية عالية.

"سمعت أناساً يقولون، "أعطونا التركيبة وسنصنع اللقاح المضاد في أماكن أخرى". ولكن الأمر أبعد من التركيبة، ولا يقتصر عليها فقط. سيكون ذلك بمثابة إعطاء شخص ما قائمة بمكونات قالب حلوى، ثم تركه يتدبَّر أمره، ويكتشف كيفية استعمال تلك المكونات"، تقول البروفيسورة غيلبرت.

وتضيف أن تخصيص الموارد والوقت والقوى العاملة لمساعدة الشركات والمصانع عديمة الخبرة (في مجال صناعة اللقاح) في عملية التصنيع الآمن للقاحات "كوفيد" المختلفة، بينما نحرص على إنتاج كمية كبيرة من الجرعات، يمكن أن يفضي إلى نقص في خطوط الإنتاج الحالية".

ولكن مع ذلك، يسود اعتراف واسع النطاق بالحاجة الماسة إلى تعاون أكبر في الأشكال كافة في سبيل تحقيق الأهداف السامية التي حدَّدها "كوفاكس".

ننتقل من اللقاحات إلى علاجات "كوفيد- 19"، سواء الأدوية أو إمدادات الأوكسجين الأساسية، على العالم بذل جهد إضافي كي نضمن أن تتمكّن كل البلاد من الوصول إلى تلك الأدوات القادرة على إنقاذ الأرواح.

تختم الدكتورة ستايسي ميرنز قائلةً: "الحقيقة الجلية منذ فترة طويلة، إنما التي لم تلق حتماً أي اهتمام هو أن الجميع يخوض هذه الأزمة سوياً. أدركنا ذلك منذ البداية، وآمل في أن يتنبّه العالم لهذا الواقع. في هذه الجائحة، نحن جميعاً مترابطون بعضُنا ببعض مثل حلقات في سلسلة، ولن يزول (كورونا) حتى ينتهي في كل مكان".

© The Independent