Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يسلك التوتر الروسي - الأميركي طريق "الصواريخ الكوبية"؟

ميدفيديف يستذكر أنه بعد الأزمة السابقة لم تظهر خلال كل القرن العشرين لحظة اقتربت فيها موسكو وواشنطن كثيراً من الحرب

دميتري ميدفيديف يستذكر أزمة الصواريخ الكوبية في ظل التصعيد الأميركي الروسي الحالي (رويتر)

في ظل أجواء شديدة التوتر تشهد تصعيداً يتسم بكثير من العداء بين واشنطن وحلفائها من بلدان البلطيق وشرق أوروبا من جانب، وروسيا من جانب آخر، حذر دميتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن القومي، ونائب الرئيس الروسي السابق من مغبة استمرار مثل هذه الأوضاع التي قال إنها تعيد إلى الأذهان "حقبة الحرب الباردة" بين موسكو وواشنطن.

سياسة خارجية غير مستقرة

وإذ تذكر ميدفيديف استقباله من موقعه كرئيس سابق لروسيا خلال الفترة 2008-2012 لجو بايدن، وكان آنذاك نائباً للرئيس باراك أوباما، قال إنه ترك لديه آنذاك انطباعاً جيداً، لكنه عاد ليعزو ما صدر عنه من تصرفات وتصريحات خلال الفترة القليلة الماضية إلى "تقدم العمر"، بل ومضى ميدفيديف إلى ما هو ابعد، حين قال في معرض تعليقه على ما وجهه إلى الرئيس فلاديمير بوتين من اتهامات، ومنها إنه "قاتل"، و"إن الزمن لم يرحمه"، مستشهداً في ذلك بما قاله سيغموند فرويد عالم الطب النفسي حول أن "لا شيء أغلي في الحياة من المرض والغباء"!

وفي مقال نشرته وكالة أنباء "ريا نوفوستي" الروسية الرسمية، قال ميدفيديف، إن "الولايات المتحدة انزلقت إلى سياسة خارجية غير مستقرة، وهذا يتجلى في البلاغة أو المفردات التي اختارها الرئيس الأميركي جو بايدن".

كما فسر نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي ما تشهده الساحة الدولية في شقها الأوروبي، من مواجهات وتضارب وارتباك إلى "وجود عدة أسباب من بينها تراجع هيبة ومكانة الولايات المتحدة، كزعيمة للعالم الغربي". غير أن كثيراً من هذه الأسباب ليس وليد اليوم، بل يعود إلى سنوات كثيرة مضت، قال ميدفيديف إنها تعيد إلى الأذهان أزمة الصواريخ الكوبية، التي كانت قد اندلعت في أعقاب فشل محاولة الغزو الأميركي لكوبا في عام 1961 بهدف إطاحة الرئيس الكوبي فيديل كاسترو.

وبهذا الصدد قال نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، إنه "بعد حل أزمة الصواريخ الكوبية، لم تظهر خلال كل القرن العشرين، لحظة اقتربت فيها موسكو وواشنطن كثيراً من الحرب"، على ضوء ما أعرب عنه ميدفيديف من اعتقاد أن "الجانبين تعلما الدرس القائل إن التعاون في حل المشاكل الدولية أفضل من المواجهة".

لكنه سرعان ما عاد ليقول إن الأوضاع الراهنة تختلف عن ذي قبل بعد أن انزلقت الولايات المتحدة إلى ما وصفها بـ"السياسة الخارجية غير المستقرة". واستشهد في ذلك "بتراجع الولايات المتحدة عن الاتفاق النووي الذي وقعته مع إيران، إلى جانب قرارها حول الانسحاب من معاهدة السماوات المفتوحة وعدد من المعاهدات الأخرى، بل وبلغ الأمر بها حد استخدام مثل تلك المفردات التي اعتمدها أخيراً الرئيس الأميركي الجديد".

وانتقد ميدفيديف ما قاله بايدن حول أن روسيا "ستدفع الثمن"، مؤكداً أن مثل هذه المصطلحات، حتى وإن كانت تتسق مع التوجهات الأميركية، فإنها تدفع بالأوضاع الراهنة إلى "طريق مسدود"، لا يبشر ببصيص نور، في الوقت الذي تعيد فيه العالم إلى زمن "أزمة الصواريخ" بعد فشل غزوة "خليج الخنازير".

أزمة الصواريخ

وبهذه المناسبة التي يتذكرها المراقبون مع حلول الذكرى الثلاثين لعملية الغزو الفاشلة التي كانت المخابرات المركزية الأميركية وراء تدبيرها ومحاولة تنفيذها بعلم الرئيس الأسبق جون كينيدي، ثمة من يقول إنه كان من الغريب وما أثار الكثير من دهشة السوفيات آنذاك أن توقيت عملية الغزو جاء ولم يكن مضى من الوقت الكثير لأول زيارة في التاريخ يقوم بها زعيم سوفياتي للولايات المتحدة الأميركية، وهي الزيارة التي قام بها نيكيتا خروشوف، وزار خلالها كثيراً من المدن الأميركية وسط احتفاء الكثيرين ممن حرصوا على أن يكونوا في استقبال الزعيم السوفياتي.

ويذكر المراقبون أن محاولة غزو الجزيرة الكوبية شارك فيها ما يقرب من 1500 من المهاجرين ممن كانوا هربوا إلى الولايات المتحدة بعد نجاح الثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو في إطاحة الديكتاتور باتيستا.

لكن الفشل كان مآل محاولة الانزال على الساحل الجنوبي لكوبا على مسافة تسعين كيلومتراً من شواطئ فلوريدا الأميركي، نتيجة نجاح قوات الثورة الكوبية في التصدي لها، واعتقال الكثيرين ممن شاركوا فيها من الكوبيين المتمردين، وذلك ما عزز في حينه مواقف الزعيم الكوبي فيديل كاسترو، وكان وراء اتفاقه مع القيادة السوفياتية على نشر صواريخ سوفياتية متوسطة المدى في أراضي كوبا.

غير أن الولايات المتحدة اكتشفت مواقع بناء قواعد إطلاق هذه الصواريخ في كوبا في أكتوبر (تشرين الأول) 1962، إلى جانب اكتشاف أقمار وطائرات التجسس الأميركية لعشرين سفينة سوفياتية كانت في عرض المحيط الأطلسي في طريقها إلى كوبا تحمل على متنها الكثير من أجزاء الصواريخ المخصصة لتركيبها في القاعدة العسكرية السوفياتية، التي تقع واشنطن والكثير من المواقع الأميركية الحساسة في مرمى نيران ما يمكن أن يكون فيها من صواريخ.

واشتعلت الأزمة وكادت تقترب من "حافتها النووية". وراح كل من الطرفين السوفياتي والأميركي يبحث لنفسه عن الحد الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه في مفاوضاته مع الجانب الآخر، وما يمكن تحقيقه من مكاسب لدى الخروج من المأزق الذي بلغته مفاوضات الزعيمين، السوفياتي نيكيتا خروشوف، والأميركي جون كينيدي فيما كان كل منهما يبعث به إلى الآخر من رسائل.

كان الاتحاد السوفياتي مدعواً تحت الضغط الأميركي إلى تفكيك ما جرى تركيبه من صواريخ متوسطة المدى تهدد حياة ومواقع 80 مليوناً من الأميركيين الذين يقعون في مرمى نيران هذه الصواريخ، وذلك ما كان خروشوف يبحث له عن المقابل الذي يمكن أن يفي بالمطلوب للحفاظ على هيبته واسم الاتحاد السوفياتي، إلى جانب ما كان يروم من أهداف أخرى، في مقدمتها حماية الثورة الكوبية من احتمالات تكرار عمليات مماثلة لما سبق وقامت بها المخابرات المركزية من خطة لغزو الجزيرة الكوبية وإطاحة قيادتها الثورية، فضلاً عن إزالة الصواريخ النووية الأميركية متوسطة وطويلة المدى الموجودة في قواعد الناتو في تركيا على مقربة مباشرة من الحدود الجنوبية للاتحاد السوفياتي.

وتأرجحت مواقف الجانبين بين حصار الأميركيين للجزيرة الكوبية، ورفض السوفييت لعودة سفنهم العشرين الموجودة في عرض المحيط الأطلسي والمحملة بالصواريخ المطلوب نشرها في كوبا، في توقيت ظل العالم بأسره يتابع حابساً أنفاسه، ما يمكن أن يجري بين الطرفين، في ظل احتمالات أن يتمسك كل منهما بمواقفه. أما النتيجة فقد تمثلت في موافقة الزعيم السوفياتي على عودة سفنه بما تحمله من صواريخ بعيداً عن المواجهة مع البحرية الأميركية في عرض الأطلسي، وإزالة ما جرى بناؤه من قواعد، شريطة إعلان الجانب الأميركي عن ضماناته برفع الحصار الذي فرضه حول كوبا وعدم التعرض مستقبلاً للثورة الكوبية وقياداتها.

أما عن رد الرئيس الأميركي كينيدي على رسالة نيكيتا خروشوف الخاصة برفع الصواريخ الموجودة في تركيا فلم يرد ما يقول إن كينيدي كتب شيئاً عن هذا الموضوع، وهو ما لم يصر عليه خروشوف في حينه على ما يبدو. وكان الجانبان قد اتفقا أيضاً على إقامة خط ساخن للاتصال الثنائي بين البيت الأبيض والكرملين لأول مرة في تاريخ البلدين، والبدء لاحقاً في مباحثات حظر التجارب النووية، وذلك ما كان مقدمة لانفراجة نسبية، أسهمت فيما توصل إليه البلدان مع مطلع سبعينيات القرن الماضي من اتفاقات ومعاهدات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقاء قريب

وثمة من يستعيد في موسكو الكثير من جوانب تلك الأزمة التي يقولون إنهم يجدون فيها مثالاً يمكن أن يحتذى لما يمكن أن يتوصل إليه البلدان من حلول أو اقتراحات للخروج من الأزمة، المأزق الذي بلغته العلاقات الروسية - الأميركية في الآونة الراهنة. وهناك من يرى البداية في نجاح الرئيسين بوتين وبايدن في التوصل إلى اتفاق حول لقاء قريب ينطلقان فيه من دعوة بايدن التي سبق وتوجه بها إلى نظيره الروسي، من دون التوقف كثيراً عند ما ارتكبه الرئيس الأميركي من "تجاوزات" في حق بوتين وبلاده، بعد توجيهه لمثل هذه الدعوة.

ولعل ما تحفل به الساحة الأوروبية من تناقضات وصراعات وتبادل عمليات "الطرد الدبلوماسي"، يمكن أن تكون الذروة، التي قد تكون مقدمة لانفراجة قبل وقوع "الواقعة". وكانت موسكو قد سارعت بإعلان سحب كل الوحدات التي شاركت في أكبر مناورات بحرية وجوية جرت خلال الأيام القليلة الماضية في حوض البحر الأسود على مقربة من الشواطئ الأوكرانية، في وقت كانت فيه أوكرانيا تدفع في اتجاه التصعيد الذي سرعان ما انضمت إليه بلدان كثيرة، ومنها تشيكيا وبولندا وسلوفاكيا وبلدان البلطيق، في الوقت ذاته الذي كشف فيه رئيس بيلاروس عن محاولة اغتياله واختطاف أبنائه بعد انقلاب جرى إحباطه في الوقت المناسب بمساعدة "الاشقاء" في موسكو، حسب تصريحات مصادر روسية.

فهل تتحقق الآمال وتستطيع الأطراف المعنية تجاوز ما يتناثر على الطريق من عقبات؟ ذلك ما يمكن أن تجيب عنه الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة، لا سيما على ضوء تحفظات الطرفين الرئيسين، روسيا والولايات المتحدة، وحرصهما على عدم قطع علاقاتهما الدبلوماسية، والاحتفاظ بوضعية سفيريهما في إطار "الاستدعاء للتشاور".

المزيد من تقارير