Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركا اللاتينية نحو اليمين... ما تقوله نتائج انتخابات تشيلي

محللون يرجحون أن تؤدي إلى تعزيز احتمالات التدخل الأميركي في القارة ورئيسة المكسيك: على الحركات اليسارية إجراء مراجعة واسعة

الرئيس التشيلي المنتخب وزوجته لدى وصولهما إلى سانتياغو لحضور اجتماع مع رؤساء الأحزاب، 15 ديسمبر 2025 (أ ف ب)

ملخص

سيخلف كاست في مارس المقبل الرئيس اليساري غابرييل بوريك، ليصبح أول زعيم من اليمين المتطرف يتبوأ السلطة في تشيلي منذ نهاية ديكتاتورية أوغوستو بينوشيه عام 1990.

شكل الانتصار الكبير لليمين المتطرف بالانتخابات الرئاسية في تشيلي تأكيداً على تحول ملحوظ في أميركا اللاتينية إلى الخيار اليميني، يعبر عن مطلب إجراءات أمنية حازمة لمكافحة الهجرة غير النظامية، على غرار تلك التي يطبقها الرئيسان الأميركي دونالد ترمب، والسلفادوري نجيب بوكيلة.

ولاحظ المتخصص في مركز الدراسات الاقتصادية والسياسية الفرنسي غيوم لون، في تصريح لوكالة "الصحافة الفرنسية" أن "اليسار لم يفز بأية انتخابات رئاسية خلال السنة الجارية" في هذه المنطقة.

وانتخب 58 في المئة من التشيليين، الأحد الماضي، المحافظ المتشدد خوسيه أنطونيو كاست (59 سنة) رئيساً، بفارق كبير عن منافسته جانيت خارا التي مثلت ائتلافاً يسارياً واسعاً وحصلت على 42 في المئة. وسيخلف كاست في مارس (آذار) المقبل الرئيس اليساري غابرييل بوريك، ليصبح أول زعيم من اليمين المتطرف يتبوأ السلطة في تشيلي منذ نهاية ديكتاتورية أوغوستو بينوشيه عام 1990.

وفي هندوراس، حيث توقف فرز الأصوات، يتقدم المحافظ نصري عصفورة، المدعوم من ترمب، بفارق طفيف على مرشح يميني آخر هو سالفادور نصرالله. وقد نددت الرئيسة اليسارية المنتهية ولايتها زيومارا كاسترو بـ"تزوير" نتيجة الانتخابات الرئاسية، وبـ"التدخل" الأميركي.

أما بوليفيا فاختارت في أكتوبر (تشرين الأول) رئيساً من يمين الوسط هو رودريغو باز، واضعة حداً لسيطرة الحكومات الاشتراكية على السلطة طوال 20 عاماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي البيرو، تولى المحافظ خوسيه خيري منصب الرئاسة بالوكالة بعد عزل الرئيسة دينا بولوارتي، واعتمد خطاباً مناهضاً للجريمة، بأسلوب يذكر من نواح عدة بالرئيس بوكيلة.

وفي كولومبيا، قرر الحزب الرئيس في المعارضة اليمينية، أمس الإثنين خوض انتخابات 2026 الرئاسية بالسيناتورة بالوما فالنسيا التي تؤيد ترمب وضغوطه على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو.

وقبل 2025، شهدت أميركا اللاتينية تولي شخصيات يمينية السلطة في دول عدة، أبرزها الليبرالي المتطرف خافيير ميلي في الأرجنتين نهاية 2023، ودانيال نوبوا في الإكوادور في العام نفسه، وقبلهما جايير بولسونارو في البرازيل (2019-2022).

ولاحظ مايكل شيفتر من مركز "الحوار بين الأميركتين" للأبحاث في واشنطن، أن هذه الموجة تعكس "خيبة الأمل إزاء مجمل الأحزاب السياسية التقليدية".

أما المتخصصة في العلاقات الدولية بجامعة "الأنديز" في بوغوتا كارولاينا أوريغو- ساندوفال، فرأت أيضاً أن شعبية كاست تندرج ضمن مناخ أوسع مؤيد للأفكار السياسية المتمحورة على الأمن ومن يوصفون بـ"أعداء الداخل".

وتركزت حملة خوسيه أنطونيو كاست بالفعل على وعود بمكافحة انعدام الأمن والهجرة غير الشرعية، متعهداً إعادة النظام في مواجهة "الفوضى"، علماً أن تشيلي من أكثر دول المنطقة أمناً.

تأثير بوكيلة

وأشارت المتخصصة إلى أن الرئيس السلفادوري الشاب الذي ينتهج سياسة التشدد في قمع العصابات أصبحت "مرجعاً لبقية أميركا اللاتينية".

ويحظى بوكيلة بشعبية كبيرة في المنطقة لنجاحه في خفض معدل جرائم القتل في بلده الذي أنهكه العنف، على رغم انتقادات المدافعين عن حقوق الإنسان الذين ينددون بالتجاوزات. ويعد سياسيون كثر أن بوكيلة يشكل مثالاً يحتذى.

ومن بين هؤلاء التشيلي كاست الذي زار السلفادور عام 2024 للاطلاع على سجن "سيكوت" الشديد الحراسة، وأجرى محادثات أخيراً مع وزير الأمن السلفادوري.

 

واعتبر المتخصص مايكل شيفتر أن "المشهد القائم هو عبارة عن رفض للحكومات التي لا تحقق نتائج ملموسة، أكثر مما هو تحول عقيدي". ولاحظ أن "الناس باتوا مهيأين أكثر لاختبار فاعلية السياسات الأكثر راديكالية وتطرفاً يمكن أن تنجح".

ورأت رئيسة المكسيك اليسارية كلوديا شينباوم، أمس الإثنين، أن الانتخابات التشيلية ينبغي أن تدفع الحركات اليسارية في أميركا اللاتينية إلى إجراء مراجعة واسعة.

تحالفات ومصالح

وتوقع غيوم لون، أن يؤدي وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في تشيلي على الصعيد الجيوسياسي إلى تعزيز احتمالات التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية، لا سيما في مسائل متعلقة بالدبلوماسية والأمن.

لكنه اعتبر أن آفاق التعاون أكثر محدودية "في ما يتعلق بأكثر ما يهم ترمب، وهو محاولة دفع الدول إلى الابتعاد عن الصين، خصوصاً في علاقاتها الاستثمارية والتجارية". ورجح المحلل ألا يكون الرئيس المنتخب في تشيلي بصدد "مخالفة رغبات ومصالح النخب التشيلية الكبرى".

ورأى أن "كاست سيركز على المسائل الداخلية، ويدخل في الوقت نفسه في شبكات" تحالفات تربطه بها توجهات مشتركة، في شطري القارة الأميركية وأوروبا.

وستكون الزيارة الخارجية الأولى له بعد الانتخابات اليوم الثلاثاء، إلى الأرجنتين، حيث سيستقبله خافيير ميلي.

عصر اليمين

وانتخب التشيليون، الأحد الماضي، الرئيس الأكثر يمينية منذ انتهاء ديكتاتورية أوغستو بينوشيه قبل 35 عاماً، إذ أظهرت النتائج الرسمية تحقيق المرشح المحافظ خوسيه أنطونيو كاست فوزاً ساحقاً على منافسته اليسارية جانيت خارا التي أقرت بالهزيمة.

وقالت خارا في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، "الديمقراطية قالت كلمتها بصوت عال وواضح"، مضيفة أنها تواصلت "مع الرئيس المنتخب لتتمنى له النجاح".

وبعد فرز كل الأصوات تقريباً، حصل كاست على نحو 58 في المئة محققاً تقدماً مريحاً على الشيوعية المعتدلة خارا التي تمثل ائتلافاً يسارياً واسعاً.

وقد ركز كاست، وهو كاثوليكي ملتزم وأب لتسعة أبناء، في حملته الانتخابية على مكافحة الجريمة في تشيلي التي تعاني أنشطة العصابات العنيفة. ووعد أيضاً بترحيل ما يقارب 340 ألف مهاجر غير نظامي، معظمهم من الفنزويليين الذين فروا من الأزمة في بلادهم.

 

وخاطب كاست مساء الأحد، الآلاف من أنصاره المبتهجين قائلاً، "تشيلي أرادت التغيير"، متعهداً "استعادة احترام القانون"، وفي الوقت نفسه بأن يكون حاكماً لكل التشيليين، وأن يصغي إلى المنتقدين.

وكانت تشيلي تعد من أكثر دول الأميركيتين أماناً، لكن وباء "كوفيد-19" وما تلاه من احتجاجات اجتماعية عنيفة أضرا بها، إضافة إلى تدفق عصابات الجريمة المنظمة الأجنبية.

وفي وسط سانتياغو، أطلق أنصار كاست أبواق سياراتهم احتفالاً، ولوحوا بالأعلام، وهتفوا لرجل جاهر بدفاعه في السابق عن ديكتاتورية أوغستو بينوشيه.

وأعربت المتقاعدة جينا ميلو عن أملها في أن يقوم كاست "بنشر الجيش" في الشوارع منذ اليوم الأول، و"سجن جميع تجار المخدرات، وترحيل أي شخص جاء إلى هنا لارتكاب جرائم".

وردد مؤيدوه النشيد الوطني وهتفوا "بينوشيه بينوشيه"، وحملوا صوراً للزعيم الراحل. كما ارتدى أحدهم زي الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويعد هذا أحدث انتصار لليمين في أميركا اللاتينية بعد الأرجنتين وبوليفيا وهندوراس والسلفادور والإكوادور.

وسارع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى تهنئة كاست الذي أضاف فوزه الأحد، زعيماً يمينياً آخر أقرب إلى الرئيس دونالد ترمب في أميركا اللاتينية.

وقال روبيو في بيان، "نحن على ثقة بأن تشيلي بقيادة كاست ستدفع قدماً بالأولويات المشتركة لتضم تعزيز الأمن وإنهاء الهجرة غير الشرعية وتنشيط علاقاتنا التجارية".

كاست رئيساً

وأعرب الرئيس الأرجنتيني الليبرالي المتطرف خافيير ميلي، حليف دونالد ترمب، عن "فرحته العارمة" بعد "الفوز الساحق لصديقه"، قائلاً إنه متأكد من أنه يستطيع العمل معه حتى "تتبنى المنطقة أفكار الحرية، ونتمكن من تحرير أنفسنا من نير الاشتراكية القمعي".

وأدلى كاست بصوته في باين على بعد نحو 40 كيلومتراً عن سانتياغو، والتقط صور "سيلفي" مع مؤيديه وسط تصفيق حار من أنصاره الذين هتفوا "كاست رئيساً".

وتعهد السعي إلى توحيد الصفوف في بلد يشهد استقطاباً شديداً، قائلاً إن "الفائز ينبغي أن يكون رئيساً أو رئيسة لكل التشيليين".

أما منافسته خارا البالغة 51 سنة، وهي وزيرة العمل سابقاً في عهد الرئيس المنتهية ولايته غابرييل بوريك، فوعدت برفع الحد الأدنى للأجور وحماية المعاشات التقاعدية.

وقالت إنها تتطلع "لمستقبل أفضل لتشيلي، كبلد لا يكون فيه الكره والخوف في المقدمة"، معربة عن عزمها على "التصدي بشدة" للاتجار بالمخدرات والفساد.

وفي الجولة الأولى التي جرت في 16 نوفمبر (تشرين الثاني)، حصل كل من المرشحين على ربع الأصوات، مع تقدم طفيف لليسار. لكن جميع مرشحي اليمين مجتمعين حصدوا 70 في المئة من الأصوات.

الجريمة والهجرة

وقالت إيزيدورا سوتو، وهي مصممة أزياء تبلغ 27 سنة، إنها ستصوت لخارا "من أجل الصالح العام للمجتمع التشيلي، وليس فقط من أجل فئة قليلة".

وأكد أرتورو هيشاكيو، وهو سائق سيارة أجرة في الـ57 من العمر، أنه سيصوت لخارا "لتفادي الخسائر في المجال الاجتماعي"، فيما يدعو كاست لتخفيضات كبيرة في الإنفاق العام.

وخارا هي أيضاً خيار فرانشيسكا دوران الشابة العشرينية التي تدرس الأنثروبولوجيا، والتي لا تريد التصويت لـ"فاشي".

أما أورسولا فيلالوبوس التي كانت تستعد للتصويت لكاست، فترى أن "الأهم من المزايا الاجتماعية هو العمل والأمن، وأن يتمكن الناس من الخروج من منازلهم من دون خوف".

وقالت ربة المنزل هذه البالغة 44 سنة لوكالة "الصحافة الفرنسية"، "نحتاج إلى اتخاذ إجراءات استثنائية نوعاً ما في البداية لننعم في نهاية المطاف ببلد يعمه السلام".

ومثلها، صوت غريغوريو رييرا (49 سنة) لكاست. وقال "تركت فنزويلا بسبب الشيوعية، ولا أريد تكرار الوضع".

 

وتعد الجريمة والهجرة من أهم مخاوف التشيليين، إلى جانب الصعوبات الاقتصادية المرتبطة بتباطؤ النمو.

وقد ردد خوسيه أنتونيو كاست، المرشح للمرة الثالثة للانتخابات الرئاسية تحت راية الحزب الجمهوري الذي أسسه عام 2019، مراراً عبارة "البلاد تنهار".

في تجمعاته الانتخابية التي تقام خلف زجاج مضاد للرصاص في واحدة من أكثر دول أميركا اللاتينية أماناً، يصور كاست تشيلي على أنها غارقة في "الفوضى"، مؤججاً بذلك مخاوف الناخبين.

ويقول الخبراء، إن مشاعر الخوف نمت بوتيرة أسرع بكثير من ارتفاع معدلات الجريمة.

وبعدما تضاعف معدل جرائم القتل في العقد الماضي، انخفض في السنوات الأخيرة وبات أقل بكثير من المتوسط الإقليمي. لكن تشيلي شهدت في المقابل ازدياداً في نسبة الجرائم العنيفة، كالخطف والابتزاز.

وقد خفف كاست، المعارض للإجهاض حتى في حالات الاغتصاب، والرافض أيضاً لزواج المثليين، من حدة مواقفه المحافظة خلال هذه الحملة الانتخابية.

وأعربت الرئيسة اليسارية السابقة ميشيل باشليه (2006-2010، و2014-2018) المرشحة لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، عن أملها في أن يتحرك "المواطنون كي لا تتراجع بعض الحقوق أو حتى تفكك".

بينوشيه آخر

تحتل الهواجس الأمنية مساحة متزايدة في الخطاب الذي يتبناه اليمين واليمين المتطرف في تشيلي، نظراً إلى حال الإحباط الواسعة التي أثارتها الحكومة المنتهية ولايتها.

ويحظى الرئيس بوريك، الزعيم الطلابي السابق الذي وصل إلى السلطة بعد احتجاجات عام 2019 الحاشدة المطالبة بمزيد من المساواة الاجتماعية، بنسبة تأييد تبلغ نحو 30 في المئة.

وتشير الباحثة في جامعة "الأنديس" في بوغوتا كارولاينا، أوريغو- ساندوفال إلى أن فشل حكومة بوريك في إصلاح دستور بينوشيه قد ولد "إرهاقاً من النزعة التقدمية". مضيفة "ما يريده الناس هو التغيير".

وتوضح عالمة السياسة كلوديا هيس، أن الاضطرابات الاجتماعية التي اتسمت بالعنف كانت "مؤلمة للغاية"، وقد أدت، تزامناً مع جائحة "كوفيد"، إلى "تحول نحو النزعة المحافظة".

كما تشير إلى أن الناخبين البالغ عددهم 5 ملايين، الذين كانوا يمتنعون عن التصويت قبل أن يعود التصويت إلزامياً قبل بضع سنوات، "يميلون بشدة إلى اليمين واليمين المتطرف".

ستصوت سيسيليا مورا، المتقاعدة البالغة 71 سنة، لمصلحة خارا حفاظاً على المكاسب الاجتماعية. فهي ترى في كاست "بينوشيه بلا زي عسكري"، في بلد خلفت الديكتاتورية 3200 قتيل ومفقود بين عامي 1973 و1990.

وكان كاست مؤيداً للديكتاتورية العسكرية، قائلاً إنه كان سيصوت لبينوشيه لو كان الأخير لا يزال على قيد الحياة.

وكشفت تحقيقات أجرتها وسائل إعلامية عام 2021 أن والد كاست، المولود في ألمانيا، كان عضواً في حزب أدولف هتلر. ويدعى خوسيه أنتونيو كاست أن والده جند قسراً في الجيش الألماني، وينفي تأييده للحركة النازية.

وبحسب المتخصص في مجال العلوم السياسية في جامعة "تشيلي" روبرت فونك، فإن الناخبين الذين سيدعمون كاست سيفعلون ذلك "على رغم من دعمه لبينوشيه، لا بسببه".

المزيد من تقارير