Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طاهر رحيم يسجل أن "الموريتاني" أول فيلم هوليوودي محوره مسلم ودود

رفض أداء شخصيات إرهابية لعشر سنوات واختلف الأمر مع دور محمدو ولد الصلاحي الذي سجن وعذب في غوانتانامو 14 سنة

يعتقد الممثل الجزائري الفرنسي طاهر رحيم أن فيلم "الموريتاني"، الذي لعب فيه البطولة، يكسر بعض الصور النمطية (أ.ب)

عندما فتح طاهر رحيم ملف سيناريو فيلم "الموريتاني" The Mauritanian، ووقع بصره على عبارة "غوانتانامو"، أحس بالانقباض. يشرح الممثل الفرنسي من أصل جزائري ونجم دراما "الثعبان" The Serpent التي أنتجتها "بي بي سي"، ذلك الأمر "اعتقدت أنه قد يكون أحد تلك الأدوار النمطية التي عرضت عليّ مراراً من قبل هوليوود طوال السنوات العشر الماضية. وأنا لم أشأ أن أكون جزءاً من تلك الأفلام".

وبعد انطلاقته المدوية في فيلم "نبي" A Prophet، تلك الدراما القاسية عن حياة السجون، ساد افتراض بأن يصبح طاهر رحيم محط اهتمام العالم، إذ كان ذلك الشاب مجهولاً تماماً حين تقدم كي يؤدي تجربة للدور الرئيس في الفيلم أمام المخرج جاك أوديارد. وما لبث أن أدى دور "مالك"، السجين الشاب وغير المتعلم الذي تحول من انطوائي خجول، إلى مجرم عديم الرحمة. وقد جاء أداء رحيم في الفيلم المذكور، هائلاً وعميقاً ونضراً. وكذلك رشح الفيلم لجائزة أوسكار. وكتب الناقد مارك كيرمود عن الممثل الصاعد "الشهرة والثروة تنتظران هذا الممثل القدير الشاب"، لكن بدل أن يحدث ذلك، راحت السيناريوهات ترده تباعاً عارضة عليه أداء أدوار شخصيات إرهابية. وعن هذا تحدث طاهر (39 عاماً) والمولود في "بيلفور"، فرنسا، لأبوين جزائرين "اعتقدت أن الخيال سيكون أكبر عند بعض المخرجين والكتاب، حتى هنا في فرنسا، لكن الأمر لم يكن مختلفاً. لا أريد الاستمرار بمشاهدة الصورة ذاتها التي اعتدنا مشاهدتها عن شعوب الشرق الأوسط. أريد صناعة أفلام أرغب في مشاهدتها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أن "الموريتاني" جاء مختلفاً. شخصيته الأساسية، محمدو ولد الصلاحي، ليس إرهابياً، بل اتهم ببساطة أنه كذلك. ومحمدو، الشخص الحقيقي الذي يستند الفيلم إلى مذكراته في 2015، أدين باتهامات مبهمة دفع ثمنها 14 سنة من دون محاكمة قضاها في "خليج غوانتانامو" (مقر المعتقل الشهير الذي يحتجز في الجيش الأميركي مقاتلين مفترضين في تنظيم "القاعدة")، حيث تعرض للتعذيب على يد جنود أميركيين. ويبدو محمدو، في الدور الذي أداه رحيم، شخصية رقيقة حولته سنوات الظلم الرهيب الذي وقع عليه إلى شخص مشارف على التوحش، غير أنه إلى حد ما ينجح بالتمسك بإنسانيته. وتؤدي جودي فوستر في الفيلم دور محامية الدفاع التي لا تفوت فرصة للقتال في سبيل إطلاق سراحه.

وبصدد ذلك الفيلم، يذكر طاهر رحيم "إنها المرة الأولى التي أرى فيها فيلماً هوليوودياً محوره شخصية مسلم متعاطفة وحساسة". وجاء ذلك كي يمنحه الرضا بعد مجموعة أدوار عرضت عليه وسببت له نفوراً. ويملك رحيم لكنة غريبة، يبدو أنه طورها حين لعب دور عميل لـ"أف بي آي" (الشرطة الفيديرالية الأميركية) في "البرج الماثل" Looming Tower، الدراما التي تتناول أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، إذ تبدو لكنة رحيم تلك فرنسية مطعمة بتأثير من نبرة توم كروز الأميركية. أما هيئته الشخصية، في الأقل على شاشة كمبيوتري الشخصي، فهي بالغة الأناقة (وفرنسية بامتياز)، إذ يرتدي كنزة سوداء بياقة عالية، وشعره مسرح بإتقان. إلا أنه لا يبدو مرحاً وعديم المبالاة، بل يظهر ككتلة من الطاقة، يتميز بابتسامته المائلة، وسلوكه المضطرب. إنها تلك الصفات الشخصية التي استبطنها على نحو مثير عندما أدى شخصية قاتل متسلسل في فيلم "الثعبان"، الذي عرض مطلع العام الحالي.

وقد مضى رحيم في "الموريتاني" إلى الذروة كي يبرز ويؤدي شخصية محمدو، إذ طلب أن يجري تقييده بالسلاسل لمدة ست ساعات. وكذلك طلب غمره بالماء أيضاً [بهدف التعذيب وفق أساليب الأميركيين في معتقل غوانتانامو]. لماذا؟ نسأله... "لأنه لا يمكنني أداء الدور من دون هذه الأشياء"، يجيب هازاً كتفيه. وقد تعلم عزف آلة الترومبيت أنثاء إعداد مسلسل نتفليكس "ذي إيدي" The Eddy إخراج داميان شازيل، الذي تدور أحداثه في ناد لموسيقى الجاز. و"هذا يشكل أمراً مماثلاً"، بحسب تشديد منه. ويضيف "احتراماً لمحمدو والجمهور والمخرج، كان علي الاقتراب قدر المستطاع من حالته، فيمكنني أداء دوره بطريقة غير مصطنعة. لماذا التقليد فيما يمكننا الخلق؟". هل نجح في هذا؟ يومئ برأسه، ويتابع "في لحظة من اللحظات بدا الأمر كأنه غدا تجربة أمر بها أكثر من كونه أداءً وعرضاً. وصلت إلى غاية الإنهاك، ودخلت في حمية غذائية. وقد أدى التعامل معي على هذا النحو إلى تفجر كثيف في عواطفي التي لم أتمكن في الحقيقة من التحكم بها، لذا عمدت إلى السير خلفها".

واستطراداً، حقق فيلم "الموريتاني" نتائج جيدة، فرشح طاهر رحيم لجائزة "غولدن غلوب"، وفازت جودي فوستر بها. في المقابل، أغفل الفيلم في جوائز الأوسكار، ربما لأنهما لم ينحازا يوماً إلى الأعمال ذات الأداء الاستعراضي على حساب الأداءت الأصيلة. في المقابل، سرت بعض الهمهمات النقدية، إذ ظهر رأي مفاده أن التركيز على فوستر وبينيديكت كومبيرباتش (أدى دور المحقق العسكري الذي يعاني تأنيب الضمير)، أوصل الفيلم إلى تكريس سردية "المخلص الأبيض". عند هذه النقطة، يشعر رحيم للمرة الأولى والوحيدة (خلال حديثنا) بالانزعاج. ويورد "أرى أن التفكير بهذه الطريقة ليس جيداً". نطق تلك العبارة ذلك متجهماً، وأشعل ولاعته مرة أخرى. وأردف "كفى، لا نريد كذباً. إنها قصة حقيقية. هؤلاء الناس ساعدوه (محمدو) في الخروج من الجحيم. إذن ماذا نفعل؟ هل نغير التاريخ؟ هل نغير قصة حياته لمجرد إرضاء بعض الناس؟ لا. إنها الحقيقة. ونحن لا نغيرها".

وفي هذا الإطار، يبدو رحيم حريصاً ومتحفظاً تجاه القصة لأسباب ليس أقلها التأثير الهائل لمحمدو الحقيقي عليه، حين التقاه. وتأتي الخاتمة الموسيقية في الفيلم مع أداء محمدو المبتسم أغنية لبوب ديلان، فتمنحنا لمحة قيمة عن شخصية هذا الرجل. ويتناول رحيم تلك النقطة "لقد تفاجأت وذهلت بقدرته على مسامحة الناس. لم يشعر بالضغينة إثر محنته المرعبة". وحين جلسا وحدهما معاً، سأل رحيم محمدو مرة أخرى إن كان ثمة غضب يعتمر في مكان ما بداخله، حتى لو غضب ضئيل. وأخبره "يمكنك أن تخبرني". ورد محمدو بجواب من قبيل "لا، كنت غاضباً في ذلك الوقت [في المعتقل]، قبل أن أدرك أنه حين يسامح المرء الناس الذين يؤذونه، يمكنه أن يحرر عقله". وكذلك ذكر أن هناك أمرين مهمين. يتمثل الأول والأهم في أن تبقى إنساناً صالحاً، حتى (عندما تكون مسجوناً). ويتمثل الأمر الثاني في ضرورة أن يعرف الناس أنه بريء.

واستكمالاً لتلك الصورة، جاء اجتماعه ومحمدو مفيداً جداً، بل فكر رحيم فيما بعد بفعل الأمر ذاته في دراما "الثعبان". وعلى الأرجح، فإن تشارلز سوبراج، الفنان المحتال الذي قتل 12 سائحاً على الأقل في جنوب شرقي آسيا في سبعينيات القرن العشرين، فشل في أن يمثل مصدر إلهام على غرار ما شكله محمدو، إذ إن سوبراج المذكور الذي تمكن من التخفي، أو حتى الهرب من السجن مرات عدة، اشتهر بطلب مبالغ كبيرة من المال كي يقبل إجراء المقابلات. وعن تجربته في ذلك الدور، يروي رحيم "فكرت بلقائه لأني أردت أن أرى كيف سيعمل على خداعي. ثم قررت أن لا أفعل ذلك، احتراماً للضحايا وعائلاتهم. إنه سؤال أخلاقي، ثم إنني لم أتصور نفسي وأنا أدفع مالاً لمجرم. إذاً لا، كانت تلك فكرة سيئة. وفي النهاية لم أقابله".

واستطراداً، لم يكن رحيم محتاجاً إلى ذلك [مقابلة سوبراج]. ففي تلك الدراما المرة والمغوية عن الجريمة، وقد شاركت في بطولتها جينا كولمان، أدى رحيم دور سوبراج بإحساس رهيب من الإنفصال، متعاملاً مع الناس حوله ببرودة وحش مفترس يترصد طريدته. وبدلاً من أن يستلهم تصرفات سوبراج بحذافيرها، استلهم رحيم أفعى الكوبرا. وعن ذلك يشرح "فكرت في روبرت دي نيرو في "سائق التاكسي". لقد اختار السلطعون كي يستلهم تصرفاته منه، لذا عمد دائماً إلى المشي في الهوامش عندما يقارب الناس". ويذكر رحيم أن على المرء كي يبدو صادقاً، الظهور في هيئة دجاجة... "لذا، رحت أفكر أنه عليّ أن أجد حيواني. وبالطبع فكرت في الثعبان".

في سياق متصل، من النادر أن يعتمد طاهر رحيم منهجاً ما في مقاربة الدور، بيد أنه يعتمد تبديل طريقة تصرفه في موقع التصوير. قد يأتي أشخاص ويحادثونه، لكنه سيعمد وقتذاك إلى مجرد التحديق بهم، إلى أن يغادروا. ألا يشعر بالغرابة في أفعال كهذه؟ يجيب باسماً "أجل، أشعر بالسوء إزاءها، لأن الأمر ليس لائقاً، لكنني فعلاً احتجت إلى العثور على شخصيتي". وفي هذا الإطار، يستذكر أمراً أخبره إياه مارك سترونغ أثناء تصوير فيلم "ذهب أسود" Black Gold في 2011، حين أدى سترونغ دور سلطان، وأدى رحيم دور ابنه، إذ أخبره سترونغ "عندما تلعب دور ملك، ليس المهم أن تبدو ملكاً في عين نفسك، بل في أعين الآخرين الذين يحيطون بك". لذا أنا لا أتحدث مع أحد [أثناء التصوير]. وبات ذلك يخلق جواً عاماً تلقائياً. حين أجيء إلى موقع التصوير، يبدأون في تغيير تصرفاتهم وطريقة كلامهم، فيخفضون أصواتهم بعض الشيء، ويشعرون بقدر أقل من الراحة". وبعد مرور أسبوعين أنهى أداء الدور. حينذاك "شعرنا جميعنا بالراحة، وصرت أتكلم معهم. لكني احتجت إلى أسبوعين [من الصمت] كي أؤدي دوري".

في ملمح بارز، لم يرد رحيم أبداً أداء أدوار أشخاص طيبين، ولم يكن مهتماً بالأدوار النمطية، إذ يتمثل ما يثيره كثيراً في أنه بدأ أخيراً يؤدي أنماط الأدوار التي رغب دائماً في مشاهدتها. وصمم أيضاً على تحقيق القدر الأكبر منها الآن. عن هذا الأمر، يشير رحيم إلى فيلم "نبي" الذي جاء بمثابة انفجار، بمعنى أني لم أشأ يوماً أن أكون الشاب الذي يسيء التصرف مع الناس لأنه نجم. وهذا لم يحصل أبداً. في المقابل، لم أتوقع أن شيئاً آخر يمكن أن يحدث. ويفسر ذلك سبب حرصي الزائد على نفسي. أنا لم أعمل فعلاً على استغلال ما حدث معي، لأنني لم أكن في ذاك المزاج". تشتعل الولاعة مرة أخرى. ويختم "الآن بت أتقبل كل شيء تمنحني إياه الحياة".      

© The Independent

المزيد من سينما