Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراءة في أوراق الهجوم الأخير على المواقع النفطية السعودية

حمل إعلان الرياض حول الاعتداء نقطتين رئيستين تدينان "الحوثي"

بقايا الصواريخ التي استهدفت منشآت أرامكو في 2019 (رويترز)

اعتراض وتدمير الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية لم يعُد كافياً لإنهاء الخطر الذي تتعرّض له أراضي السعودية أو "الاقتصاد العالمي، وأمن واستقرار إمدادات الطاقة في العالم"، كما جاء في بيان وزارة الطاقة السعودية قبل أيام.

فعلى الرغم من أن الرياض أعلنت في وقت سابق اعتراضها اعتداء على خزانات بترولية في ميناء رأس تنورة (شرق البلاد)، فإن الدولة الخليجية الكبيرة، على غير العادة، كشفت عن الاعتداء على لسان وزارة الطاقة ووزارة الدفاع السعوديتين.

وجرت العادة أن تعلن عمليات الاعتراض على لسان تحالف دعم الشرعية في اليمن، كونه المسؤول المباشر عن متابعة ما تنتجه الأزمة اليمنية بشكل يومي.

وهذه لم تكن المفارقة الوحيدة، الإعلان الذي صدر عن طريق جهات محلية (وزارات) لا عبر التحالف الدولي، لم يسمِّ متهماً يقف وراء الهجوم على غير العادة، كما لم يوضح خط سير المقذوفات التي كانت تستهدف مؤسسات وجهات اقتصادية سعودية. فالإشارة الوحيدة التي أعطتها السلطات عن مصدر الهجوم هو أن "المسيّرة التي استهدفت ميناء رأس تنورة، كانت آتية من البحر"، أي الخليج، المطل المائي الوحيد الذي تشرف عليه المدينة القابعة شرق السعودية.

ماذا يعني ذلك؟

الورقتان اللتان ألقى بهما الإعلان السعودي طرحا أسئلة أكثر من تقديمهما إجابات، فمن الذي سيستهدف المدينة الشرقية عبر البحر؟ ولماذا وجد التحالف نفسه بعيداً من مسؤولية الإعلان عن الهجوم كما جرت العادة؟

يفسّر أستاذ الإعلام السياسي عبدالله العساف صدور البيان من الوزارتين السعوديتين المسؤولتين مباشرة على أنه "مسؤولية إيرانية كلية عن هذا الاعتداء". ويضيف "ليست المرة الأولى التي تستهدف بها طهران مصادر الطاقة السعودية، لذلك لن يكون غريباً اتهامها".

الهجوم البحري المفترض يعيد النظر إلى الخرائط، فبعد استبعاد دول مجلس التعاون الخليجي، يحافظ البحر على مرشحين اثنين اتجهت صوبهم أعين الاتهامات، بالنظر إلى الإدانات الرسمية التي طالتهما عقب هجوم سبتمبر (أيلول) 2019، إذ تملك إيران التي اتهمتها واشنطن باستهداف "بقيق وخريص" قبل عامين أطول ساحل في الضفة الأخرى من الخليج، في حين يطلّ متهم آخر كان في قائمة المتورطين أيضاً في الهجوم السابق، أي جماعات داخل الأراضي العراقية، قادرة على استخدام ساحل يطل على البحر لا يتخطى طوله 58 كيلومتراً مربعاً.

الحوثي يتبنّى والسعودية تتجاهل

وفي خضم هذه التحليلات التي أدلى بها معلقون، تبنّت ميليشيات الحوثي الاعتداء، وفق متحدثها العسكري يحيى سريع، الذي قال "تمكّنت القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر من تنفيذ عملية هجومية واسعة ومشتركة، استهدفت شركة أرامكو في ميناء رأس تنورة".

غير أن السعودية لم تعلّق على التبني الحوثي، بل نفته ضمنياً في لقاء تلفزيوني مع متحدث وزارة الدفاع السعودية وتحالف دعم الشرعية في اليمن العميد تركي المالكي، الذي أكد خلاله أن الصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار "غير موجودة لدى الجيش اليمني"، وأنها "مهرّبة من قبل النظام الإيراني للميليشيات الحوثية والحرس الثوري"، بعد تشديده على فرضية الهجوم المقبل من البحر.

هذا السيناريو ليس حديثاً، فقد أقدم الحوثي على تبني الهجوم الذي طاول المصافي السعودية قبل عامين، على الرغم من تبرئته من جميع الأطراف الدولية، وتوجيه التهمة إلى "طرف ما أرسل المقذوفات من الشمال"، أي إيران والعراق بحسب الرياض وواشنطن وعواصم غربية عدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن جانب آخر، يستمر الحوثيون في تبني الاعتداء، مؤكدين كونه "حقاً طبيعياً" كما جاء على لسان يحيى سريع، الذي قال "يأتي هذا الاستهداف في إطارِ حقِّنا الطبيعي والمشروع في الرد على تصعيد العدوان وحصاره الشامل على بلدنا العزيز، نعد النظام السعودي بعمليات موجعة ومؤلمة طالما استمر في عدوانه وحصاره على بلدنا".

الحوثي يصنع سلاحه ولا يستورده

الاتهام السعودي الأخير الموجه إلى طهران ضمناً وعلانية بمهاجمتها ودعم مهاجميها بالسلاح، فتح جبهة تراشق جديدة أشعلها المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، بعد أن خرج عن صمته معلقاً على الأزمة اليمنية، "حليف أميركا العربي القاسي القلب، يقصف الشعب اليمني المظلوم منذ ست سنوات، وبمجرد أن استطاع الشعب اليمني الموهوب صنع أو توفير معدات للدفاع عن نفسه، رداً على القصف، علت الصرخة الإعلامية لهؤلاء".

 

تعليق المرشد هذا تزامن مع افتتاح الحوثيين معرضاً للصناعات العسكرية، بمناسبة الذكرى السنوية السابعة عشر لوفاة مؤسس الجماعة، حسين بدر الدين الحوثي.

وعرضت القوات المسلحة التابعة لها عدداً من الصواريخ الباليستية من نوع "سعير، وقاصم2، و قدس2"، كما كشفت عن عدد من الطائرات من دون طيار، منها "وعيد، وعماد4، وشهاب، وخاطف، ومرصاد، ورجوم، ونبأ".

وتفتخر الجماعة في المعرض كما جاء على لسان أحد قياداتها العسكرية، علي الموسكي أن "إرادة الشعب اليمني هي من جدت واجتهدت لتكون متطلبات معركة التحرر بأيادي يمنية قادرة بما وصلت إليه".

ويؤكد بيان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة الحوثية، يحيى سريع أن "الأسلحة والنماذج الجديدة لمنظومات وطرازات الأسلحة الجديدة دخلت خطوط الإنتاج الحربي، لتكون محلية الصنع 100 في المئة".

ويتحضر الحوثيون في هذا المعرض لحلول الذكرى السابعة للحرب اليمنية، التي ستحل في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، ويشير سريع إلى أن "حجم ما وصلت إليه الصناعات اليمنية من تطور وتقدم كبيرين، قادمون في العام السابع بقوة الله".

استوكهولم أمام الاتهامات

لكن على رغم تبرئة الحوثي لحليفته إيران من تهمة تزويده بالسلاح، وإبراز قدراته الصناعية، إلا أن مناوئيهم لا يزالون يملكون روايات أخرى لاتهامهما بتهريب السلاح إلى اليمن.

فاتفاق استوكهولم الذي قيد قدرة الشرعية ومنعها من مهاجمة مدينة الحديدة الساحلية، المتهمة الأولى في استقبال المهربين، يفترض أنها قيدت بالمقابل استخدامه كميناء لتلقي الأسلحة.

إذ اتفق الطرفان المتنازعان في 2018 من العاصمة السويدية على عقد هدنة أممية في محافظة الحديدة الساحلية، ووضعت موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى في قائمة المراقبة الأممية، إضافة إلى بنود أخرى لها علاقة بتبادل المحتجزين، وتفاهمات حول تعز.

إلا أن يحيى أبو حاتم، المحلل العسكري اليمني لديه رأي آخر حول ذلك، "الطرق الخلفية التي تستخدمها الجماعة لتهريب الأسلحة متعددة، إلا أن أهمها هي الحديدة على رغم وقوعها تحت نظر الأمم المتحدة"، لافتاً إلى أن إيران بذاتها تستخدم "ميناء بندر عباس، المطل على الخليج العربي، عبر سفن تنطلق بصفتها التجارية لتلتقي في عرض البحر بصيادين وزوارق بدائية تنقل الأسلحة والمعدات".

وعن مراقبة البحر يوضح أبو حاتم "لا يمكن للتحالف أو القوى الإقليمية أن يمنعوا الصيد، بسبب اعتماد الأهالي على هذه الحرفة بشكل أساسي، إضافة إلى المناطق البرية، والسواحل الجنوبية لليمن التي تشكل خياراً ولو ضيقاً للتهريب أيضاً"، وهو ما ورد في تقرير لجنة الخبراء الخاصة باليمن والتي رفعت لمجلس الأمن مطلع العام الحالي.

ويضيف نقطة أخرى يراها تعزز فرضية التهريب "لا تمتلك الصواريخ الحوثية أي ذاكرات رقمية، وتحتاج إلى قياس الهدف والوقود بشكل تقليدي، وهو ما يحتاج إلى خبراء لديهم خبرة عالية على إطلاقها، كما هي حال الطائرات من دون طيار أيضاً"، مشيراً إلى أن تجربة الجماعة مع مثل هذه الأسلحة ليست طويلة إلى حد امتلاكها هذه الخبرة.

وقال عضو المجلس السياسي الأعلى التابع للميليشيات، محمد علي الحوثي، في تعليق جاء في أحد المناسبات السابقة، "منع دخول المشتقات النفطية شاهد على أنه لا يمكن تهريب السلاح عن طريق الحديدة".

وعلى الرغم من أهمية الاتفاقية التي بدأ طرحها للمرة الأولى في مشاورات الكويت في 2016، إلا أنها لم تأت ثمارها حتى الآن، كما دعت الأمم المتحدة لتنفيذ الاتفاق بأكمله في ذكراه السنوية الثانية في عام 2020.

السعودية تتعلم بالطريقة الصعبة

وعند العودة بالزمن إلى أعقاب الانفجارات التي وقعت نتيجة "هجمات إرهابية في معامل شركة أرامكو في خريص وبقيق"، كما أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان في سبتمبر (أيلول) 2019، سيكون ما يرمي إليه السعوديون أسهل للفهم.

إذ جاءت التصريحات السعودية على اعتداء بقيق محملة باتهامات مباشرة إلى النظام الإيراني، وفقاً لمؤتمر متحدث وزارة الدفاع، الذي عقد بعد أربعة أيام من الهجمات، مستعرضاً معلومات أكدت دور طهران في استهداف أحد أهم مواقع إنتاج النفط، الأمر الذي أكدته أيضاً أطراف دولية وقفت على مكان الهجوم.

وفي تشابه أقرب منه للتطابق، شدد المالكي آنذاك على أن "نتائجنا بشأن التحقيقات الأولية لهجوم خريص وبقيق وصلت إلى أن هذا الهجوم لم يكُن من اليمن، كما ادّعى الحوثيون، وأن مصدر الهجوم من الشمال، وبلا شك مدعوم من إيران"، الأمر الذي نفته طهران في أكثر من مناسبة.

لكن أهم ما تبرزه التجربة الحالية هو أن السعودية ألفت اعتراض وتدمير الاعتداءات الجوية على منشآتها النفطية، بعد أن تعرض حقل الشيبة البترولي إلى اعتداء خلف حريقاً وأضراراً محدودة في أغسطس (آب) 2019.

وبعد ذلك بنحو شهر، أعلنت الطاقة السعودية توقف عمليات الإنتاج في معامل بقيق وخريص بشكل مؤقت نتيجة هجمات في سبتمبر (أيلول) 2019.

وكانت وزارة الطاقة السعودية قد أعلنت آنذاك، أن الانفجارات قد أدت إلى توقف كمية من الزيت الخام تقدر بنحو (5.7) مليون برميل، أي نحو 50 في المئة من إنتاج الشركة.

ولكن، الإعلان الجديد عن اعتداء الخزانات البترولية في ميناء رأس تنورة، أكد عدم وقوع أي إصابات أو خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

إذ يبدو أن السعودية قد تعلمت بالطريقة الصعبة التعامل مع هذه التهديدات، بعد أن نجحت في ملء الفجوات ونشر الأنظمة الصاروخية أرض-جو طويلة المدى "الباتريوت" في المناطق الحساسة وميناء رأس تنورة، بشكل تجاوزت فيه مشكلات المرة الماضية.

إلا أنها لا تزال عرضة للخطر، نظراً لمساحتها الممتدة والتهديدات المستمرة طالما استمرت الحرب في اليمن.

موقف الأقطاب الدولية

تبرز المواقف الدولية تعاطفاً مع السعودية وإدانة للهجوم الحوثي المستمر، كان ذلك جلياً في بيان صدر عن عواصم غربية اليوم الجمعة، أكد فيه التزامه بسلامة الأراضي السعودية ورفضه للهجمات التي تتعرض لها.

إلا أن الحسابات تختلف من دولة إلى أخرى، فواشنطن التي تقف في مقدمة المنددين كانت قد تراجعت عن قرار تصنيف الحوثي منظمة إرهابية في فبراير (شباط) بعد تولّي الرئيس جو بايدن مقاليد الحكم.

وعلى الرغم من تراجعها عن التصنيف، توالت تصريحات مسؤوليها حول التزام واشنطن أمن حليفتها السعودية، وقال متحدث الخارجية الأميركية نيد برايس، "ندين الهجوم السافر للحوثيين بطائرة مسيّرة وصاروخ ضد منشآت أرامكو. هذه ليست أفعال مجموعة جادة بشأن السلام".

لكن تتمسك واشنطن بعدم معاقبة الحوثي بشكل مباشر لإبقاء الباب أمام العمليات الإنسانية وفرص المفاوضات مفتوحاً، وهو ما أكدته بعثة الأمم المتحدة الخاصة باليمن في حديثها مع "اندبندنت عربية" عندما قالت إنها تملك تفويضاً من الفاعلين الدوليين بـ"فرض العملية السلمية"، إذ حصلت أخيراً على "تفويض للتوسّط بغية التوصل إلى حلّ سياسي تفاوضي لإنهاء النزاع في اليمن بشكل شامل ومستدام"، وعليه يدعو المبعوث الخاص الميليشيات وجميع الأطراف إلى "التهدئة والحد من العمليات العسكرية".

في حين يبرز دور موسكو في إدارة توازن بين علاقتها مع الرياض وعلاقتها الأخرى مع طهران، إذ تتعامل مع إيران على نحو يتّسم بالشراكة والتعاون، لكنها على الأرجح تتباين بين الملفات الاستراتيجية والتكتيكية بشأن قضايا الأمن المشترك، إلى جانب توافر قدر من عدم الثقة الطويلة الأمد بينهما، وضعف العلاقات الاقتصادية.

وتعمّقت العلاقات بينهما على المستوى العسكري والاقتصادي والدعم الدبلوماسي، نتيجة لتعرّض إيران لضغوط الولايات المتحدة، والعقوبات الدولية، إضافة إلى تعزيز مبيعات الأسلحة الروسية إلى إيران، التي اعتبرت أهم متغير على مستوى العلاقات الثنائية، إذ أصبحت إيران ثالث أكبر متلقٍ للأسلحة الروسية بعد الصين والهند.

إلا أنه في هذا الملف بالتحديد، قررت روسيا أن تمسك العصا من المنتصف بعد مؤتمر ثنائي بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، ونظيرة الروسي سيرغي لافروف، أكد فيه الأول أن "استمرار الصراع في اليمن مصدره استمرار تزويد إيران للحوثيين بالأسلحة المتطورة بما فيها الصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار المفخخة، وكان لا بد من تمديد حظر السلاح على إيران".

من جانبه، دعا لافروف الحوثيين إلى التوقف عن استهداف السعودية والمناطق التابعة للشرعية، قائلاً إن "على الحوثيين أن لا يتعاملوا مع رفعهم عن قوائم الإرهاب الأميركية على أنه شيك على بياض لمواصلة إطلاق النار". 

لكن بالنظر إلى الأزمة بشكل أكثر شمولاً بعيداً من تفاصيلها، فالنتيجة هي أن الإبقاء على الأزمة اليمنية معلقة من دون تقديم حل جذري يعد أساس المشكلة، ويسهم في استمرار حالة اللااستقرار بالمنطقة، على الرغم من محاولات المبعوثين الدوليين وواشنطن أخيراً إيجاد حل للصراع اليمني عبر قنوات دبلوماسية عقب "فشل الحل العسكري"، بحسب تصريحات فاعلين دوليين.

المزيد من العالم العربي