Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مولدوفا وأوكرانيا تختاران "الصداقة" في مواجهة موسكو

الكرملين يتابع أبعاد ومغزى تصريحات رئيسي البلدين بشأن المناطق المتنازع عليها مع روسيا

على غير ما درج سابقوها من رؤساء مولدوفا في اختيار الوجهة الأولى لزياراتهم الخارجية، بعد تقلدهم رئاسة الجمهورية السوفياتية السابقة، اختارت مايا ساندو الرئيسة الجديدة للبلاد عاصمة أوكرانيا، كييف، بديلاً عن موسكو لتكون أول زيارة رسمية بعد انتخابها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. 

الدلالات لا تحتاج إلى تفسير، والعاصمة الأوكرانية تظل الخصم والغريم الأكبر لموسكو في المنطقة منذ اندلاع ثورتها البرتقالية الأولى عام 2004. كما أن بدايات الزيارة تشي بتحول واضح بعيداً عن موسكو، التي سبق أن كانت الحليف الرئيس لسلفها إيغور دودون الذي خسر الانتخابات الرئاسية في جولتها الثانية، وكانت تعلق عليه روسيا كثيراً من خطط الدعم لمواقعها في المنطقة، على مقربة من "إقليم ما وراء الدنيستر" الذي أعلن انشقاقه عن مولدوفا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، في إشارة واضحة إلى الرغبة في البقاء ضمن الفضاء السوفياتي السابق. 

وكانت ساندو اختارت السيارة وسيلتها للوصول إلى كييف، على الرغم من طول المسافة التي تمتد إلى ما يقرب من 700 كيلومتر، بحجة تخفيض النفقات وتجاوز مخاطر وباء كورونا، على حد تفسيرات سورينا شتيفيرتسا الناطقة الرسمية باسمها، وإن كشفت مصادر مولدوفية عن أن تكاليف السفر جواً كانت أقل كثيراً من النقل البري.

وبغض النظر عن مثل تلك التفاصيل، فقد بدت ساندو أكثر ميلاً صوب التقارب مع أوكرانيا ذات الحدود المتاخمة لبلدها، على الرغم من تأكيدها في مناسبات كثيرة أنها رومانية الجنسية. 

إشارات إلى روسيا

واستهلت رئيسة مولدوفا الزيارة بالذهاب إلى النصب التذكاري المقام تخليداً لذكرى ضحايا الثورة الملونة عام 2014، وما تلى ذلك من استعراض لحرس الشرف في القصر الرئاسي الأوكراني، فضلاً عن حرصها على التعامل مع نظيرها فولوديمير زيلينسكي باللغة الأوكرانية. 

وكان زيلينسكي استبق زيارة نظيرته بتصريحات أكد فيها أن مباحثاته المرتقبة معها ستكون بداية علاقات متميزة بين البلدين، استناداً إلى ما يجمعهما من "قيم مشتركة"، وقناعة ساندو وعدم خشيتها من الاعتراف بأن شبه جزيرة القرم "أوكرانية"، في إشارة واضحة إلى تقارب المواقف المناهضة لسياسات روسيا في المنطقة. 

ومن هنا، كانت تصريحات دميتري كوليبا، وزير خارجية أوكرانيا، التي قال فيها، إن الأوضاع في منطقة "بريدنيستروفيه" ستكون في صدارة الموضوعات التي من المقرر أن يبحثها الرئيسان. وأضاف كوليبا أن كييف تؤيد وحدة أراضي مولدوفا وضرورة جلاء القوات الروسية عن المنطقة. 

وكانت ساندو، زعيمة حزب "العمل والتضامن" المعروف بميوله الموالية للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاضت معاركها الانتخابية ومنها الانتخابات الرئاسية الأخيرة تحت شعارات تدعو إلى الانضمام لبروكسل والناتو، مؤكدة علاقة بلادها التاريخية والوثيقة مع رومانيا المجاورة.

وتقول المصادر الرسمية الأوكرانية، إن مباحثات الرئيسين تناولت المسائل المتعلقة برفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى "الشراكة الاستراتيجية" والتعاون الوثيق في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب تنسيق الجهود المشتركة الرامية إلى انضمامهما إلى الاتحاد الأوروبي والتعاون مع بروكسل في إطار ما يسمى "الشراكة الشرقية"، والتحول نحو "التسهيلات الحدودية" والأمن المشترك. 

وأكد الرئيسان ضرورة العمل من أجل مزيد من التعاون لتأمين وحدة أراضي واستقلال وسيادة بلديهما، في إشارة واضحة إلى ما يتردد بشأن التهديدات الروسية. 

وقد حرصت كييف على إضفاء أكبر قدر من الاهتمام الإعلامي والشعبي على زيارة ساندو، بخاصة لجهة اختيارها أوكرانيا كأول عاصمة أجنبية تزورها بعد تقلدها منصبها. 

وفي هذا السياق، وقع الجانبان عدداً من اتفاقيات التعاون التجاري والاقتصادي وبناء أول طريق عصرية بينهما، عبر نهر الدنيستر بما يقلص المسافة الفاصلة بين العاصمتين إلى خمس ساعات بدلاً من سبع، وربط الشبكات الكهربائية للبلدين وتسوية المسائل المتعلقة بعبور مصادر الطاقة من أوكرانيا إلى رومانيا عبر أراضي مولدوفا. 

وقد تضمن البيان الصادر عن اللقاء كثيراً من الإشارات حول تنسيق العمل المشترك مع الشركاء في منطقة جنوب شرقي أوروبا ومنطقة البحر الأسود والانضمام إلى نشاط ما يسمى منطقة "البحار الثلاثة"، في إشارة إلى المناطق الواقعة على مقربة من البحر الأسود وبحر الأدرياتيك وبحر البلطيق.

وفي هذا الصدد، أعرب الرئيسان عن أملهما في التوصل مع بروكسل إلى اتفاق بشأن إمداد بلديهما باللقاح المضاد لوباء كورونا، بما يمكن أن يسهم في تسريع برنامج تكامل البلدين مع الاتحاد الأوروبي. 

ومن اللافت في صدد تأكيد توجه الرئيسين المناهض لسياسات موسكو في المنطقة، ما حرص الرئيس الأوكراني على التصريح به حول تقديره وشكره لنظيرته المولدوفية جزاء "أنها لم تخش الإعلان عن أن القرم أوكرانية"، مؤكداً في الوقت نفسه ثبات موقف بلاده من تسوية مشكلة "ما وراء الدنيستر"، في إطار الموقف الرسمي لأوكرانيا تجاه تأييد سيادة ووحدة أراضي جمهورية مولدوفا داخل الحدود الدولية المعترف بها. 

وكان فلاديمير فيسينكو، الخبير السياسي الأوكراني توقف عند ما يمكن وصفه بالكيمياء المشتركة التي جمعت الرئيسين منذ اللحظات الأولى للزيارة، ليشير إلى التقارب العمري بينهما، إذ يبلغ زيلينسكي 42 عاماً، فيما تقترب ساندو من عامها الـ48، فضلاً عن التوافق المشترك في التوجهات الليبرالية الموالية لأوروبا. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن آخرين ممن يقفون على طرفي نقيض من التسرع في تأكيد التقارب بين الجانبين، ومنهم ميخائيل ناكونيتشني صاحب الميول القريبة من روسيا، يقولون، إن مولدوفا جاءت تنشد العون من أوكرانيا التي تبدو في حقيقة الأمر عاجزة عن أن تقدمه بسبب نقص إمكانياتها وقدراتها، بما في ذلك توفير اللقاح المضاد لكورونا، التي قالت ساندو، إنها تأمل في الحصول عليه. أما فيكتور كاسبروك، الخبير السياسي، فقد أشار من المنطلقات نفسها إلى ضرورة عدم التسرع في التوقعات وانتظار ما سوف تكون عليه أوضاع ساندو في الداخل، هي التي لم تتسلم دفة القيادة إلا منذ أسابيع معدودة.     

ويتوقف كثير من المراقبين في روسيا وخارجها عند مغزى توقيت وأبعاد زيارة رئيسة مولدوفا لأوكرانيا، والحرص المتبادل من جانب كل من زيلينسكي وساندو على تأكيد التقارب المشترك والإعلان عن سيادة بلديهما على المناطق المتنازع عليها مع روسيا (القرم بالنسبة إلى أوكرانيا، ومنطقة ما وراء الدنيستر لمولدوفا). 

وتتصاعد التساؤلات مع اقتراب موعد تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن في 20 يناير (كانون الثاني) الحالي، وهو الذي سبق أن أعلن تأييده كثيراً من مواقف وسياسات أوكرانيا المناهضة لروسيا، في توقيت لم تستقر فيه بعد الأوضاع في بيلاروس المجاورة. 

وكان عدد من المراقبين في كييف كشفوا صراحة عما تعلقه القيادة السياسية الأوكرانية من آمال على دعم وعون الإدارة الأميركية الجديدة في تسوية القضايا العالقة مع روسيا، وفي مقدمتها حسم الأوضاع في جنوب شرقي أوكرانيا الذي أعلن انفصاله عنها من جانب واحد، منذ اندلاع الأزمة في البلاد عام 2014، واستعادة شبه جزيرة القرم التي انضمت إلى روسيا. 

رد فعل موسكو

حتى الآن، لم تصدر أي تعليقات من الكرملين بشأن زيارة ساندو لكييف. كما أن الأوضاع الراهنة في كثير من أرجاء الفضاء السوفياتي السابق تفرض على موسكو ضرورة التريث إلى حين استيضاح ما ستكون عليه هذه الأوضاع خلال الفترة القريبة المقبلة. وهذا ما ينسحب على الأوضاع في إقليم ناغورنو قره باغ، إذ تركز موسكو كثيراً من نشاطاتها واهتماماتها من أجل تفعيل دورها في تحقيق الاستقرار المنشود فيه، سعياً نحو التوصل إلى تسوية شاملة للأزمة القائمة بين أذربيجان وأرمينيا، بعيداً عن تدخل أطراف أخرى. 

كما تظل موسكو على مقربة من الأوضاع في بيلاروس، المهمة بالنسبة إليها لأسباب تاريخية وجغرافية وجيواستراتيجية، إلى جانب متابعة ما سوف تكون عليه سياسة الإدارة الأميركية الجديدة في المنطقة.                        

المزيد من تقارير