Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تاريخ الشعوب العربية" كتاب ألبرت حوراني ووصيته الفكرية

يوم عاتبنا ياسر عرفات لافترائنا على مؤرخ النهضة

كتابات ورسوم للعرب الأقدمين في منطقة العلا السعودية (غيتي)

حدث ذلك أواسط سنوات السبعين حين كان كاتب هذه السطور مسؤولاً عن القسم الثقافي في إحدى الصحف اللبنانية، يومها طلبنا من أحد محررينا أن يكتب مراجعة لترجمة كانت صادرة حديثاً لكتاب "الفكر العربي في عصر النهضة". ويبدو أن المحرر اعتقد أننا نريد كلاماً سلبياً عن الكتاب فـ"استجاب"، وكتب مقالاً يحطّ من قدر الكتاب ومؤلفه. ومن دون تنبه نشرنا المقال يومها. وما إن انتصف النهار حتى جاءنا اتصال من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي كان "يمون" علينا ويعيش بيننا في بيروت.

كان الاتصال معاتباً، بل صاخباً يحتج على ما جاء في قسمنا بحق مؤلف الكتاب وكتابه. وهو كاتب قال عنه عرفات يومها إن من أهم مزاياه أنه استعاد التاريخ العربي المكتوب بأي لغة أجنبية من المستشرقين والأجانب سواء كانوا مغرضين أو ذوي نوايا طيبة لكنهم دائماً قاصرون عن فهم ذلك التاريخ.

أما ألبرت حوراني، المؤلف المعني وصاحب الكتاب المذكور، فإنه "كتب تاريخاً للشعوب العربية من الداخل، كتابة أهل البيت وفرضه على العالم أجمع" فكيف نعامله تلك المعاملة الظالمة؟ تساءل عرفات غاضباً. طبعاً بعد أيام، نشرنا مقالاً يضع كتاب حوراني في مكانه الصحيح، ليس فقط استجابة لما أوحى به عرفات، بل لأننا أدركنا مدى الظلم الذي عاملنا به من تبين لنا بسرعة أنه واحد من كبار مؤرخي الشعوب العربية ومن كبار مفسري الفكر العربي وتطوره خلال القرون الأخيرة.

في ذكرى الاثنين معاً

لئن كنا قد ذكرنا هذه الحكاية فليست إلا لاستعادة ذكرى هذا المفكر العربي الكبير، واستذكار موقف زعيم كبير راحل منه. فإذا كان ياسر عرفات واحداً من السياسيين الكبار الذين مروا في تاريخنا، لا شك في أن موقفه من ألبرت حوراني يومها كان نقطة لصالحه، بقدر ما كانت لصالح حوراني نفسه.

ما ينطبق على كتاب حوراني عن الفكر العربي، ينطبق أضعافاً على كتابه الكبير الآخر "تاريخ الشعوب العربية" الذي منذ صدوره للمرة الأولى عام 1991، حلّ في الحياة العلمية الإنجليزية، محلّ العديد من الكتب والمراجع التي كانت تتناول الموضوع ذاته، وظلت على الدوام عرضة للسجالات ومخزناً للسلبيات وسوء الفهم، طالما أن كل الذين تناولوا الموضوع قبله وصولاً إلى برنارد لويس وزملائه، كتبوه من وجهة نظر لا تشعر بأي تعاطف حقيقي مع الشعوب العربية وتاريخها. ومن هنا حين أصدر حوراني كتابه انقلبت الوضعية وصار ثمة مرجع يمكن الوثوق به، ما أثّر ليس فقط في الدراسات العالمة والبحوث التي وُضعت لخدمة أصحاب القرار في العالم، بل في عدد كبير من الباحثين الجامعيين من العرب الذين بعدما كانوا مرغمين دائماً على الاشتغال انطلاقاً من دراسات استشراقية أو مغرضة أو محلية تتسّم بعاطفية غير علمية، صاروا يملكون الآن نصوصاً منهجية موضوعية أساسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إيمان بالعالم العربي

أهم ما يمكننا ذكره في هذا السياق هو أن ألبرت حوراني يعبّر مرتين على الأقل، في آخر ما صدر له من كتب، أي "تاريخ الشعوب العربية"، عن فعل إيمان لا ينضب بالعالم العربي، وثقافته، وحاضره ومستقبله، وعن فعل الإيمان هذا بطريقة غاية في الأناقة والجمال. ففي التمهيد الذي يخص به الكتاب، يثير تساؤلات القارئ عن الجدوى منه حين يقرأ سطوره الأولى فيكتشف أنه يتحدث فيه عن ابن خلدون، ثم يثير إعجابه بقدرته الفائقة على عرض حياته وأفكاره. في ذلك التمهيد يخيّل للقارئ أول الأمر أن حوراني يستعين بصاحب "المقدمة" لتبرير أسلوبه في كتابة التاريخ، أو ليرسم صورة للكيفية التي مزج فيها ابن خلدون بين التاريخ وعلم الاجتماع، وحياته وأفكاره. لكن ما إن يصل القارئ إلى ختام ذلك التمهيد حتى يجد نفسه أمام "قلبة مسرحية" حيث يكتشف أن حوراني ما أتى على ذكر ابن خلدون وتقلبات حياته وتنقله بين شتى الديار والمناطق العربية والإسلامية، إلا لكي يختم كلامه قائلاً في عبارات حافلة بعدد من المعاني، "لقد كان ثمة، على أي حال، شيء مستقر أو يبدو على الأقل مستقراً كان ذلك العالم الذي تتمكن فيه أسرة من جنوب الجزيرة العربية من الهجرة إلى إسبانيا، والعودة بعد ذلك بستة قرون إلى مناطق قريبة جداً من مسقط رأسها، من دون أن تبارح على الإطلاق بيئة مألوفة. كان ذلك العالم يشكل، إذاً وحدة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ في مجموع ذلك العالم كانت اللغة العربية تفتح أبواب أعلى الوظائف والمواقع المؤثرة، وكان متن معرفي يتنقل خلال قرون وقرون عن طريق سلسلة من أساتذة معروفين، قادرين على الحفاظ على وحدة أخلاقية معينة، حتى حين كان الملوك يتبدلون. أما أماكن الحج في مكة والقدس، فكانت على الدوام القطب الثابت لكونٍ بشريّ، حتى حين كانت الهيمنة السياسية تنتقل من مدينة إلى أخرى، هذا في الوقت الذي كان الإيمان بإله واحد خالق الكون وحافظه قادراً على إعطاء معنى لكل حروف القدر".

وصية من رؤيوي كبير

أما فعل الإيمان الثاني، الذي يعبر عنه في الكتاب نفسه، فإنه يرِد في الصفحة الأخيرة حيث يقول بعد أن يناقش مسألة رغبة تقوم بين طرفين أو أكثر في الوصول إلى السلطة في بعض البلدان العربية، "إنه من الممكن أيضاً خلال مرحلة معينة من النمو الوطني، لقوة الجذب التي تمثلها المفاهيم الدينية أن تكف عن التفوق على منظومة فكرية أخرى هي مزيج من الأخلاقية الاجتماعية والحقوق العلمانية، مع العلم أن هذه المنظومة الأخيرة سيظل بإمكانها أن تستند إلى المبادئ العامة للعدالة الاجتماعية التي يعبر القرآن عنها".

ترى أفلا يمكننا أن نرى في هذين المقطعين ما يشبه الوصية يتركها لنا ذلك المفكر الذي رحل عن عالمنا عام 1993، بعد عامين من صدور هذا الكتاب؟ والذي، ولئن كتب مؤلفاته كافة بالإنجليزية، يعرفه قراء العربية جيداً من خلال كتابه الأساس "الفكر العربي في عصر النهضة" الذي كان، حقاً، الكتاب المؤسس لكل ذلك الاهتمام بعصر النهضة وفكره، الذي تجدد مع إطلالة سنوات السبعين. صحيح أن هذا الكتاب لم يكن الأول في موضوعه، لكنه كان الأشمل والأهم، معاصراً لقلة من كتب تناولت عصر النهضة بالدرس والتحليل والربط بين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأيديولوجي في بوتقة واحدة.

الوريث الحقيقي للعصر النهضوي

يوم رحل حوراني كان في الثامنة والسبعين من عمره، مواطناً إنجليزياً يراه الكثيرون مستشرقاً أكثر منه مؤرخاً عربياً. غير أنه، وهو المتحدر من أسرة لبنانية نزحت من مرجعيون في جنوب لبنان، لم يتوقف طوال حياته الأكاديمية والفكرية عن الاهتمام بالعالم العربي. ولقد روى أن اهتمامه بعالم وطنه الأم بدأ عام 1936 مع لقائه الأول بالمؤرخ فيليب حتي، ومع اندلاع الثورة الفلسطينية، وهو منذ تلك اللحظة أسهم عبر عمل أكاديمي وتأليفي واسع ومتواصل في إعطاء القراء الأنجلوساكسون صورة مختلفة ومعمقة عن الوطن العربي وتراثه وفكره النهضوي. وفكره النهضوي، بخاصة أن ألبرت حوراني كان يعتبر نفسه، في المقام الأول، رجل نهضة وتلميذاً لذلك الرهط من المفكرين المناضلين المتنورين الذين أضاءوا ظلمات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بإشعاع فكري وجد انعكاساته في كتاب "الفكر العربي في عصر النهضة"، الذي كان من أبرز ما كتبه طوال حياته، التي وضع خلالها عشرات الكتب والدراسات وظل طوالها أميناً للفكر الليبرالي التنويري، قادراً على فهم الأحداث وتحليلها وربطها بأطرها الفكرية وأبعادها الذاتية والموضوعية، ولهذا اعتبر رحيله في 1993 خسارة حقيقية للفكر التاريخي النهضوي العربي.

المزيد من ثقافة