"قراصنة" الميليشيات يهددون الحياة البرية في ليبيا

هناك تناقص ملحوظ في أعداد كثيرة من الحيوانات بسبب الصيد الجائر، وهي مهددة بالانقراض

مسلحون يقتلون آلاف الطيور بالبنادق الآلية ويتركونها في العراء (الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية)

ليس بسبب التصحر وانحسار الغطاء النباتي والتلوث البيئي تنقرض الحيوانات في ليبيا فحسب، بل كذلك بسبب السلاح الآلي، الذي تنتشر منه مليون قطعة في البلاد، وفق تقارير أممية.

يقول الصياد سعد سويسي "لم يكن يمنعنا القانون من استعمال السلاح فحسب، بل أخلاق الصيد التي توارثناها. وما نشهده اليوم فوضى كبيرة. فالمساحات البرية تحولت إلى مناطق نفوذ للميليشيات، التي تتنافس على الحيوانات النادرة"، واصفاً أمراء الميليشيات بـ "القراصنة". وبأسى يتابع "لم يعد هناك احترام لمواسم التوالد والتزاوج، التي كان الصياد الليبي يمتنع فيها عن الصيد للحفاظ على وجود الحيوانات"، بل "باتت السنة كلها موسماً لهؤلاء القراصنة".

قتل أكثر من 500 ألف طائر سنوياً

شكوى سويسي يبدو صداها عالياً في التحذيرات التي أطلقتها منظمات دولية ومحلية. ووفق تقرير سابق للجمعية العالمية للطيور (Bird Life International)، يُقتل في ليبيا 503000 طائر سنوياً. ويذهب أنس أبوالقاسم محمد، رئيس الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية، أبعد من ذلك "لا نستطيع الجزم بإنقراض بعض الأنواع البرية، لكن هناك تناقصاً ملحوظاً في أعداد كثيرة من الحيوانات بسبب الصيد الجائر"، مبيناً أن تحديد الأنواع المنقرضة يحتاج إلى بعض الوقت ومتابعة دقيقة في ظل غياب تام للدولة.

يشير التقرير الوطني الرابع للهيئة العامة للبيئة الليبية إلى أن في البلاد 455 نوعاً من الفقاريات و3958 نوعاً من اللافقاريات، بالإضافة إلى 76 نوعاً من الثدييات، 11 نوعاً منها مهدداً بالانقراض، و113 نوعاً من الزواحف، منها نوعان مهددان بالانقراض، و356 نوعاً من الطيور، منها 41 نوعاً مهدداً بالانقراض.

يتحدث محمد عن حالات انتهاك واسعة للمحميات الطبيعية، التي قال إن المسجل منها دولياً ومحلياً هما محمية الكوف المحاذية لبنغازي شرقاً ومحمية الهيشة شرق سرت وسط البلاد. أما المسجل منها محلياً فيفوق عددها الـ 15 موقعاً، موضحاً أنه "تم تجريف أكثر من ألف هكتار في محمية الكوف، وهذا ما أدى إلى تهديد الحياة البرية فيها، فتعرضت أشهر حيواناتها للانقراض، مثل الضبع والسلحفاة التي يتم تهريبها خارج الوطن. وغالبيتها تعرضت لعمليات صيد جائر بواسطة أسلحة آلية، لا سيما محمية الهيشة المعروفة بوجود الودان والغزال فيها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما محمية الشعافيين، شرق طرابلس، فتعرضت لحرائق متعمدة من مسلحين يسعون إلى ضم هكتارات منها إلى ملكياتهم الخاصة. ويؤكد محمد أن الثعلب الأحمر والقنفذ وصيد الليل والضبع والبوم، التي اشتهرت بها هذه المحمية، معرضة للانقراض. كما أن محمية صبراتة، غرب طرابلس بحوالي 70 كم، لا تزال تتعرض للتجريف من الميليشيات التي تسعى إلى استغلالها ملكيات خاصة للبناء عليها أو بيعها.

الأنواع البرية المهددة بالانقراض بسبب الصيد الجائر، يحددها محمد بأنها الفهد المرقط والودان وغزال دوركس والقط البري والسلحفاة المصرية. وعلى الرغم من ثناء محمد على مواد القانون الليبي الذي ينظم عمليات الصيد بتحديد مواسمه ومواقعه ويمنعه في المحميات الطبيعية، يؤكد أنه "مجمد" في الوقت الحالي بسبب الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد.

انتهاك تجار ومسؤولين لقانون الصيد

يتوافق تذمر سويسي مع حديث صياد ليبي آخر، وهو رحيل معافى من مدينة طبرق شرق البلاد، أكد أنه بالتعاون مع صيادين آخرين توقفوا عن ممارسة الصيد، الذي كانوا يستعدون إلى موسمه السنوي ابتداءً من منتصف شهر أغسطس (آب)، إذ تمر على المنطقة آلاف الطيور المهاجرة خلال سبتمبر (أيلول) من كل عام. وقال معافى "لم يعد الصيد ممكناً. فمناطق الصيد محجوزة طوال السنة للمجموعات المسلحة، وأصبحت إقطاعيات مقسمة بينها تنتظر مرور أصناف معينة من الطيور، ولها علاقة بتجار كبار في خارج البلاد"، مصوراً المشهد خلال سبتمبر من كل عام بـ "الدامي". ويضيف "يقتلون آلاف الطيور بواسطة البنادق الآلية ويتركونها في العراء، لأن هدفهم أنواع معينة من الطيور الباهظة الثمن". ويشير إلى زبائن دائمين من خارج البلاد لهذه المجموعات المسلحة، التي تجوب الوديان والسواحل والجبال لقنص بعض الطيور الجارحة مثل العقاب والصقر من دون رادع أو مراعاة للمواسم.

ويؤكد خطاب وجهته الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية إلى وزير الزراعة الليبي في يناير (كانون الثاني) 2012، انتهاك تجار ومسؤولين من خارج البلاد قوانين الصيد. إذ أظهر الخطاب وجود "أحد أمراء دولة قطر" برفقة وفد مرافق له، في ليبيا لممارسة الصيد بواسطة "صقور جلبها معه من خارج الوطن"، وهذا ما عدته الجمعية انتهاكاً لـ "معاهدات ومواثيق وقوانين دولية".

أما في الجنوب الليبي فيبدو الأمر أكثر خروجاً عن المألوف. ويصف حسين دية، وهو عسكري انضم إلى وحدات الجيش التي دخلت الجنوب أخيراً، مسلحي الميليشيات في مناطق الجنوب بـ "الجزارين". يقول "كانت تلك المشاهد اعتيادية. والأغرب أنهم يقتلون عشرات الحيوانات ويتركونها في العراء لأن غالبيتها يحرم الشرع أكلها". وعلى الرغم من انتشار وحدات الجيش وسرايا الاستطلاع في غالبية مناطق الجنوب الليبي، فإن دية يؤكد أن ظاهرة من يصفهم بـ "الجزارين" تراجعت، لكنها لم تنته.