Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانسحاب الأميركي من أفغانستان هل يعيد سيناريو التسعينيات؟

بعد قرار ترمب الانسحاب الكامل وما يستتبعه من خروج بقية القوات الغربية يسود الاعتقاد بتجدد أعنف للحرب الأهلية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارة لقاعدة باغرام (أ.ب)

في 8 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، غرد الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً عن حتمية إعادة جميع القوات الأميركية الذين خدموا في أفغانستان بما في ذلك قاعدة باغرام الجوية الكبرى قبل نهاية العام 2020، قائلاً: "يجب أن نستعيد العدد الصغير المتبقي من رجالنا ونسائنا الشجعان الذين يخدمون في أفغانستان بحلول عيد الميلاد"، وسط صمت كامل داخل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وغياب التفاصيل حيال الأمر.

وبحسب تعليق مسؤول عسكري أميركي لإذاعة صوت أميركا، فإن تغريدة الرئيس الأميركي تعد "الكلمة الأولى" التي تبين لأي شخص الجدول الزمني للانسحاب السريع من أفغانستان، مضيفاً أن مكتبه بانتظار التعليمات من فريق السياسة في البنتاغون لتقديم المزيد من التوجيهات.

وعد انتخابي

على الرغم من أن الكثير من المحللين يربطون بين تغريدة ترمب والانتخابات الرئاسية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لكن سحب القوات الأميركية من منطقة الشرق الأوسط يمثل جزءاً أساسياً من الحملة الرئاسية الأولى للرئيس الأميركي في 2016، الذي وصف الاشتباكات القتالية الأميركية في الخارج بأنها "حروب خارجية سخيفة وغبية ولا نهاية لها". ومن ثم فإن تغريدته الأخيرة تعني سعيه للوفاء بوعد حملته بإخراج الولايات المتحدة من أفغانستان بعد نحو 19 عاماً، وهو الأمر الذي يدعمه فيه معظم الأميركيين بعد ما تكبدته البلاد من خسائر بشرية ومالية مهولة جراء حربي أفغانستان والعراق.

ويتهم الكثير من المنتقدين تحركات ترمب نحو الانسحاب الكامل من أفغانستان بأنها "مدفوعة سياسياً" مثل قراره السابق العام الماضي بسحب القوات الأميركية من شمال شرقي سوريا. وعلق برادلي بومان، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث في واشنطن، على تغريدة ترمب بالقول إن "اتخاذ قرارات تتعلق بالأمن القومي ذات دوافع سياسية في أسوأ حالاتها"، وتوقع أن أي انسحاب سريع على أساس جدول زمني في أفغانستان سيؤدي إلى عودة الجيش الأميركي إلى هناك "لاحقاً بتكلفة وتضحية أكبر".

وفي مقابلة من موقع أكسيوس أجراها مطلع أغسطس (آب) الماضي، قال الرئيس ترمب إنه سيكون هناك أقل من 5000 جندي أميركي في أفغانستان بحلول يوم الانتخابات في نوفمبر، ما يشير إلى أن الولايات المتحدة ستستمر في سحب قواتها من البلاد على الرغم من التقدم المحدود على صعيد مفاوضات السلام بين الحكومة الأفغانية وطالبان.

وسبق تغريدة ترمب الأسبوع الماضي، إعلان مستشاره للأمن القومي، روبرت أوبراين، أن الولايات المتحدة تعتزم خفض مستويات قواتها في أفغانستان من 5000 إلى 2500 بحلول أوائل عام 2021. كما أعرب وزير الخارجية مايك بومبيو عن جدول زمني مماثل لأوبراين في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، قائلاً إن الجيش في طريقه للانسحاب الكامل بحلول ربيع 2021، لكن يبدو أن هناك تسريعاً لعملية الانسحاب لتكون قبل نهاية العام الحالي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خطوات سابقة

خلال العام 2020، اتخذت الإدارة الأميركية خطوات عدة تتعلق بسحب قواتها من أفغانستان بما يشمل القوات في قاعدة باغرام التي تعرضت خلال العام الماضي لاثنتين من العمليات الإرهابية أسفرتا عن مقتل جنود أميركيين. ففي فبراير (شباط) الماضي، توصلت واشنطن وطالبان إلى اتفاق يقضي بسحب الولايات المتحدة جميع قواتها من أفغانستان بحلول منتصف عام 2021 مقابل تأكيدات من طالبان بعدم السماح للجماعات الإرهابية باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات دولية.

وفي منتصف يوليو (تموز) الماضي، كشفت وسائل إعلام أفغانية على لسان مسؤولين في البنتاغون عن إغلاق خمس قواعد عسكرية في مقاطعات هلمند وأوروزجان وباكتيكا ولاغمان بأفغانستان في إطار الاتفاق مع طالبان، بينما بقيت القواعد الأميركية الأكبر في باغرام الواقعة خارج كابول ومطار قندهار الجوي جنوب أفغانستان مفتوحة. ووفقاً للاتفاق، كان أمام الولايات المتحدة 135 يوماً للوفاء بتعهدها بخفض عدد القوات من حوالى 14000 إلى 8600.

التخلي عن تسوية سلمية

وبحسب تقرير سابق لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، فإن البنتاغون أعد بالفعل خيارات عدة لمزيد من التخفيضات في القوات، بما في ذلك الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من أفغانستان قبل يوم الانتخابات، وهي خطوة يرى مراقبون أنها تعني التخلي عن أي أمل في التوصل إلى تسوية سلمية تحت إشراف الولايات المتحدة في البلاد.

فعلى الرغم من تقليص عدد الجنود الأميركيين كجزء من الاتفاقية وفي حين وافقت حركة طالبان على عدم مهاجمة القوات الأميركية وقوات التحالف التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن القوات الأفغانية لا تزال مستهدفة، فقد تصاعد العنف بين طالبان والقوات الأفغانية في الأشهر الماضية، وفقاً للحكومة الأفغانية. وقصف الجيش الأميركي الحركة عشرات المرات دفاعاً عن القوات الأفغانية منذ توقيع الاتفاق، في حين ترفض البعثة التي تقودها الولايات المتحدة الاعتراف علناً بالضربات.

خطر الحرب الأهلية

وبحسب توماس باركر، أستاذ دراسات الأمن في جامعة جورج واشنطن والذي تنقل طيلة 30 عاماً بين العمل في البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية والكونغرس، فإن المتابعين كافة للشؤون الأفغانية يعتقدون أن الانسحاب الكامل للقوات العسكرية الدولية سيؤدي إلى نشوب حرب أهلية أفغانية أعنف مما هي عليه الآن. ومن المرجح أن مقاتلي طالبان المنتمين بشكل كامل إلى التنظيم والبالغ عددهم نحو 60 ألف مقاتل، والميليشيات المختلفة، وما تبقّى من الجيش الأفغاني، سوف يتنافسون كلهم على السلطة في الداخل وعلى السيطرة على كابول، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من النزاع في البلاد.  

وإذا سحبت الولايات المتحدة جنودها، من المرجح أن يُطلق هذا الانسحاب سلسلة تفاعلات لدى القوات الدولية التي لا تزال موجودة هناك، حيث حوالى 7 آلاف جندي آخرين من دول أوروبية ستغادر أفغانستان في حال مغادرة الولايات المتحدة.

ويحذر باركر، في مقال منشور لدى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن انهيار الحكومة الأفغانية الحالية شبه مؤكد في حال سحب المجتمع الدولي دعمه العسكري والمالي الراهن أو وجد صعوبة كبيرة في توزيعه بسبب مشاكل متعلقة بالسلامة. والملفت أن الحكومة الأفغانية السابقة المدعومة من الاتحاد السوفياتي صمدت عند الانسحاب العسكري السوفياتي عام 1989، لتعود وتنهار عام 1992 حين أوقفت موسكو دعمها المالي عنها.

وفي الحرب الأهلية التي قد تنتج، سينشأ خط الصدع الرئيس بين طالبان التي يسيطر عليها البشتون، وما يُعرف بـ"التحالف الشمالي" ويتألف بالدرجة الكبرى من الطاجيك – الذين يتحدثون بلغة مشتقة عن الفارسية – في الغرب والشمال، ومن الأوزبك في الشمال، والهزارة الشيعة ذوي الروابط بإيران في وسط أفغانستان. ويعتبر "التحالف الشمالي" تجمّعاً ضعيفاً للقوى السياسية أكثر مما هو منظمة متماسكة، وهو يمثّل أكثرية بسيطة من السكان في حين أن البشتون يمثلون نحو 40 في المئة، وهم أكبر مجموعة عرقية في البلاد.

وتقول مجموعة الأزمات الدولية إنه من غير المحتمل أن تستمر مفاوضات السلام التي تقودها الولايات المتحدة في حالة تنفيذ انسحاب عسكري أميركي كامل قبل أن تبني المحادثات زخماً كبيراً على الأقل. إذ سيكون للحكومة الأفغانية نفوذ ضئيل نسبياً لجذب أو إجبار طالبان على البقاء على طاولة المفاوضات، بينما سيكون لدى الحركة حافز أقل للتفاوض إذا شعرت بأنها حققت بالفعل هدفها الأساس المتمثل في طرد القوات الأجنبية من أفغانستان. وقد تكون الحكومة الأفغانية قادرة على إبقاء طالبان على الطاولة إذا كانت مستعدة لتقديم شروط ميسرة للغاية، ولكن في الوقت الحالي يبدو مثل هذا العرض غير واقعي.

تكرار سيناريو التسعينيات

تعد أفغانستان وباكستان موطناً لما لا يقل عن 20 جماعة مصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة. وقال مايكل أوهانلون، زميل بارز في معهد بروكينغز، في تعليقات صحافية: "لا أعتقد أنه يمكننا الانسحاب من أفغانستان في الوقت الحالي"، منتقداً ما سمّاه خطاب ترمب بشأن أفغانستان باعتباره "استعداداً للرحيل بطريقة أعتقد أنها ستأتي بنتائج عكسية على المصالح الأميركية". وأضاف: "سيكون جزء كبير من البلاد معرضاً لخطر الاضطرابات وعدم الاستقرار، وبالتالي ستكون مكاناً مناسباً للقاعدة أو داعش، لترسيخ الجذور والتخطيط لهجمات مستقبلية".

وبحسب باركر فإن الانسحاب الدولي سيتيح لتلك التنظيمات الكلام عن انتصار، وهذا ما سيستقطب على الأرجح المزيد من المجندين. ويشار إلى أن الكلام نفسه تردد في أعقاب الانسحاب السوفياتي عام 1989، حين قالت الجماعات الإرهابية، وبقدرٍ كبير من التبرير، إنها هزمت قوةً عظمى، على الرغم من عدم اعترافها بالمساعدة الكبيرة التي حصلت عليها من الولايات المتحدة وأوروبا، في حينها. ومن المحتمل أيضاً أن ينشط الإرهابيون الذين يعيشون حالياً في مكان آخر في العالم الإسلامي وفي الغرب، إذ قد يروا في أفغانستان مكاناً جديداً يتهافتون إليه، ربما للانضمام إلى فرع "داعش" في أفغانستان (ولاية خراسان) أو للانتقال إلى المناطق الخاضعة لحكم طالبان من أجل تلقّي التدريب. وسيكون هذا السيناريو تكراراً لما حصل في أواخر تسعينيات القرن العشرين حين غادر أسامة بن لادن السودان وأنشأ معسكرات تدريب في جنوب أفغانستان في ظل حكم طالبان.

المزيد من تقارير