Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بادر- ماينهوف" نموذج الوجه الساحر والمضلل للعنف النضالي

نفذت قبل 50 سنة عمليات تفجير وخطف واغتيال بدعم واسع من المدنيين والمثقفين. ما الذي جعل ذلك الإرهاب أنيقاً ومقبولاً؟

لم تحل الأعمال الدموية المتطرفة دون مشاركة مثقفين وسياسيين في جنازة الصحافية التي أسّست "مجموعة الجيش الأحمر" (غيتي)

قبل 50 عاماً، أقدمت صحافية من أولدنبرغ في ولاية "ساسكونيا" تدعى أولريكه ماينهوف (35 عاماً آنذاك)، على كتابة بيان حددت فيه أيديولوجية المجموعة التي أسهمت في تأسيسها وأهدافها السياسية. وفي البيان طالبت ماينهوف بثورة يسارية للإطاحة بدولة ألمانيا الغربية الرأسمالية، ودعت إلى شن حملة من العنف لتحقيق تلك الغاية.

وعلى غلاف البيان الذي حمل عنوان "مفهوم حرب العصابات في المدن" The Concept of the Urban Guerilla، ظهر رسم يبرز فيه نجمة حمراء اللون، ويتوسطه مدفع رشاش من طراز "هيكلر أند كوخ أم بي 5"  Heckler and Koch MP5. وقد تبنت المجموعة ذلك الرسم شعاراً لها بعد أن تكفل أحد أعضائها بتصميمه ويدعى أندرياس بادر (36 عاماً)، وهو من ميونيخ، وعُرفت المجموعة آنذاك بـ "جماعة الجيش الأحمر" أو "عصابة بادر-ماينهوف" Baader-Meinhof Gang، وفق ما بات شائعاً في العالم الناطق بالإنجليزية. وتحت رايتها نفذت اغتيالات بحق 30 شخصاً، وشنت حملة واسعة من عمليات التفجير والخطف والسطو المسلح. 

ونادراً ما عمدت المجموعة إلى تسمية نفسها باسم "بادر-ماينهوف"، مفضلة المسمى الألماني "روته أرمي فراكتسيون" أو "جماعة الجيش الأحمر"، واختصاراً "آر إيه أف" RAF، إذ شكلت المجموعة بالفعل "فراكتسيون" بمعنى إنها لم تحزْ وفق التزامها الدوغمائي بالماركسية - اللينينية، بقيادات تكون كذلك بحد ذاتها، بل اعتبرت نفسها جزءاً من حركة ثورية عالمية النطاق، لكنها وجدت أن الاسم الألماني المختصر "آر إيه أف" سيحير الجماهير المتحدثة باللغة الإنجليزية، ويدفعها إلى الالتباس بين كلمتي "جزء" Fraction و"فصيل" Faction، فاتخذت قراراً باعتماد تسمية "عصابة بادر-ماينهوف" Baader-Meinhof Gang.

وبالنسبة إلى أعضاء المجموعة المولودين في معظمهم من رحم الاحتجاجات الطلابية التي اجتاحت ألمانيا الغربية في ستينيات القرن الـ 20، على غرار غودرون إنسلين وجان كارل راسبي وهولغر مينز، فقد أثاروا اهتمام السلطات منذ مشاركتهم في التظاهرات الشعبية وممارستهم النشاط السياسي أثناء دراستهم الجامعية، وحتى انخراطهم وتحريضهم على الأعمال التخريبية وإحراق الممتلكات. وبالفعل، اعتقل بادر وإنسلين للمرة الأولى في فرانكفورت بتهمة إشعال النيران في محال تجارية أثناء حركة احتجاجية ضد حرب فيتنام في 1968.

ومع حلول 1971، مضت "عصابة بادر-ماينهوف" قدماً نحو ارتكاب جرائم قتل، مع تعمدها إطلاق الرصاص على رقيب الشرطة نوربرت شميدت في هامبورغ، أثناء محاولته توقيف إحدى المنتسبات إليها وتدعى مارغريت شيلر في أكتوبر (تشرين الأول). ولم تكشف تلك العصابة عن نفسها للعالم الأوسع نطاقاً إلا بعد أن فجرت المقر الرئيس للفيلق الخامس التابع للـجيش الأميركي، وعاثت فوضى خلال احتجاجات رافضة في فرانكفورت لـ "إمبريالية الولايات المتحدة واحتلالها" في 11 مايو (أيار) 1972، يومها لقي العقيد بول بلومكويست حتفه في الانفجار ونجحت "عصابة بادر-ماينهوف" بإلقاء ثقلها على كاهل كل حكومة غربية، لا الحكومة الألمانية وحسب.

واستمرت الأمور على ذلك النحو، وواصلت المجموعة نشاطاتها المسلحة إيماناً منها بأن الطبقة الحاكمة لدولة ألمانيا الغربية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ليست سوى امتداد للنظام النازي الذي يفترض أنه انهار بعد الهزيمة النكراء التي مني بها في 1945. كيف لا وقد تولى الجيل نفسه، وضمنه نازيين سابقين أمثال كورت جورج كايزنغر الذي عين مستشاراً في 1966، مقاليد الحكم في ألمانيا وفق رؤية "عصابة بادر-ماينهوف"، واختلف مع شباب ما بعد الحرب المدفوع بمعارضته للرأسمالية والإمبريالية والعنصرية والوجود العسكري الأميركي في ألمانيا الغربية وسوى ذلك.

امتلكت المجموعة رغبة في تبديل الأعراف القديمة بقضايا الشباب الجديدة، واعتقدت بأن الوسائط الإعلامية تخضع لسيطرة المحافظين والقوات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة، خصوصاً الصحف الشعبية التي يديرها ويمتلكها قطب الإعلام أكسيل سبرينغر Axel Springer، المسؤول عن نشر الصحيفة اليومية المحافظة "بيلد" Bild التي شكلت هدفاً مميزاً صبّوا عليه جام غضبهم.

وفي ستينيات القرن الـ 20، عانت معظم الدول الديمقراطية الصناعية الأمرين جراء التحديات التي تسببت بها الحركات الطلابية الراديكالية، وشملت تلك التحديات التي طاولت نقاط ساخنة مختلفة ومتنوعة، موجة من الاحتجاجات الحاشدة وأعمال الشغب والإضرابات العامة من بينها حوادث فرنسا 1968، واحتجاجات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وحركة المعارضة المناهضة لحرب فيتنام في أنحاء العالم الغربي. واستلهمت عصابة "بادر-ماينهوف" تلك الانتفاضات، إذ حملت قناعة مفادها أنها جزء من حركة عالمية أوسع نطاقاً تمتد من التأثير الشيوعي لماو تسي تونغ في الصين، وثورة كوبا 1959، والتمرد المديد ضد الاحتلال البرتغالي في موزامبيق، و"منظمة التحرير الفلسطينية" التي تأسست عام 1964، وتكتيكات حرب العصابات للثوري الماركسي تشي غيفارا، وكلها أثرت في المنظور السياسي لتلك العصابة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

وإذا أخذنا في الاعتبار العنف الذي تُحرض عليه الجماعة، سيبدو لنا أنه ليس من السخرية أن يكتب ماينهوف "نحن نعمل من أجل كل من يحاول تحرير نفسه من قيود الرعب والعنف" أو تعبّر إنسلين عن شعور ضئيل بالذنب وكثير من التعاطف مع القضية، إذعاناً لتناقضاتها الخاصة في عبارتها "العنف هو السبيل الوحيد للرد على العنف".

وفيما تفشت الحركات الطلابية عالمياً أواخر الستينيات من القرن الـ 20، عمل إرث النازيين التاريخي في ألمانيا الغربية على وضع الصراع في سياق حقيقة أشد قتامة، إذ تلطخ جيل بأكمله بصعود أدولف هتلر وسقوطه واستعباده وإبادته أعراقاً وثقافات بأكملها. وقد عقد ذلك الجيل العزم على إزالة كل صلة مع ذلك الماضي.

وفي ذلك المنحى، يفرض الفكر الراديكالي اللاوفاق بين الأهداف الاجتماعية - الاقتصادية لـ "عصابة بادر- ماينهوف" وبين مؤسسات ألمانيا الغربية، إذ إن الأخيرة في نظر اليسار المتشدد والتيارات الفكرية التحررية والفوضوية المرتبطة به، صنعت معجزة اقتصادية بعد الحرب من دون أن تتخلى عن إرث ما قبل الحرب. واستطراداً، عقد أفراد "عصابة بادر-ماينهوف" العزم على النجاح حيث فشل آباؤهم في مقاومتهم للرايخ الثالث. "تجرأوا على الكفاح، تجرأوا على الفوز!"، كتبت ماينهوف.

ومن ذلك المنطلق، شقت "عصابة بادر-ماينهوف" طريقها عبر أوروبا أوائل سبعينيات القرن الـ 20، عبر عمليات تفجير وخطف واغتيال، وأحياناً اكتفت باستغلال خوف الناس وقلقهم منها في الوصول إلى أهدافها. شمل ذلك بث أخبار عن تقارير الاستخبارات البريطانية تتحدث عن سرقتها "غاز الخردل" السام، أو أن مخبأً لها احتوى قوارير مملؤة بمادة "بوتولينيوم"botulinum السامة، ولم تكن تلك القصص والروايات صحيحة، لكنها لم تكن مستحيلة.

في ذلك الصدد، تستذكر ألموث بوتزنهاردت التي نشأت وترعرعت في "ورمرسدورف" Wormersdorf المجاورة لمدينة "بون"، إبان زمن "عصابة بادر- ماينهوف"، أن "المعرفة بوجودها تتكفل بنشر أجواء الخوف والذعر والتمهيد لمناخ سياسي مستقطب، ويعني ذلك بالنسبة إلى عامة الناس وجود حواجز في الطرقات وحضوراً مكثفاً للشرطة المسلحة، مع تحليق طائرات مروحية في الأجواء، واستهداف الشرطة منازل الطلبة في بلدتي".

في ذلك الصدد، حينما تنشط "عصابة بادر-ماينهوف" فإن أهدافها تتنوع وتشمل (معارضة) شرطة ألمانيا الغربية بصفتها مؤيدة للوضع السياسي الراهن، والمجمعات العسكرية الأميركية بصفتها طاغية إمبريالية، ومكاتب أكسيل سبرينغر بصفتها متحدثة بلسان أجهزة الدولة، أو أي طرف يعتبر نفسه مؤيداً للوضع السياسي الراهن أو مستفيداً منه. وفي بعض الحالات لم توفق المجموعة في عملياتها بقدر المجموعات الأخرى المشابهة، مثل "الخلايا الثورية" Revolutionary Cells أو "حركة 2 يونيو" 2 June Movement، ومع ذلك اعتُبرت دوماً نموذجاً ومعياراً للعنف النضالي، وبالنتيجة فقد اغتالت 34 شخصاً وفقدت 27 من أعضائها ومؤيديها.

في مقلب آخر، كلما استهدفت العصابة مستويات اجتماعية أعلى، زاد تصميم السلطات في القضاء عليها، وفي نهاية المطاف، نجحت دولة ألمانيا الغربية بالتقدم على العصابة بخطوة، ففي يونيو (حزيران) 1972، اعتقلت الشرطة بادر وماينهوف ومينز وإنسلين وراسبي الذين دينوا بعد محاكمة طويلة استمرت إلى العام 1977، وألقت بهم في "سجن شتامهايم" Stammheim الذي يخضع لحراسة أمنية مشددة، ومع نهاية المحاكمة ضمنت ماينهوف لنفسها موقعاً في رتل الشهداء المزيفين على مر التاريخ، إذ شنقت نفسها في مايو (أيار) 1976، شأنها شأن مينز الذي توفي جراء إضرابه عن الطعام في 1974. وأثار خبر انتحارها مئات نظريات المؤامرة وعشرات الشائعات، من بينها شعورها الكبير بالفشل وتعرضها للتنمر الشديد من قبل بادر وإنسلين.

وفي تطور متصل، وبينما مثُل أبطال الموجة الأولى أمام القضاء، عمد شركاؤهم والمتعاطفون معهم والمستلهمون أفعالهم إلى مواصلة الحملة العنيفة التي أطلقتها "عصابة بادر- ماينهوف"، والحقيقة أن أولئك الذين حملوا راية الموجة الثانية كانوا أكثر بطشاً من أسلافهم المشهورين والرابضين خلف القضبان، بل توجت أعمالهم بسلسلة حوادث "الخريف الألماني 1977"، إذ شملت تلك الأعمال قتل المدعي العام الفدرالي والنازي السابق، سيغفريد بوباك، مع سائقه وحارسه الشخصي، وإطلاق النار على المدير التنفيذي لـ"بنك درسدنر" يورغن بونتو، أثناء محاولة اختطافه، وخطف رئيس "جمعية أرباب العمل الألمان"، هانس مارتن شلاير، ومطالبة خاطفيه بإطلاق أفراد "عصابة بادر- ماينهوف" من "سجن شتامهايم"، ومصرع عدد كبير من عناصر الشرطة في معارك مسلحة، من ضمنهم مسؤولو جمارك هولنديون أصيبوا في سياق امتداد الحملة عبر الحدود.

وكان لا بد لخاتمة تلك الحوادث أن تكون مهولة، وقد كانت كذلك. فبعدما اختطف أفراد "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" الرحلة 181 لـ "طائرة لوفتهانزا"، ورفعوا مطالب خاطفي شلاير نفسها، حسمت القوات الخاصة في ألمانيا الغربية أمرها باقتحام الطائرة الموجودة في مهبط مقديشو بالصومال، وقتلت الخاطفين وحررت الركاب.

آنذاك، أصر المستشار هيلموت شميدت على عدم "مجالسة القتلة والحديث معهم" وقد كان أميناً لكلمته، أما السلطات الألمانية فأثنت على النجاح الذي حققته حتى وصلتها في الليلة التالية تقارير مفادها أن بادر وراسبي وإنسلين قتلوا أنفسهم في زنزاناتهم، مع التركيز بشكل خاص على إنسلين. وعلى غرار حال ماينهوف، أشعل موت المساجين الثلاثة مجموعة كبيرة من نظريات المؤامرة، لكن أياً من تلك النظريات لم يقنع الألمان جميعهم، إذ يصدق معظم هؤلاء حاضراً أن الهدف من وراء حلف الانتحار الجماعي كان إثارة انعدام الثقة في شميدت والدولة، وزاد الطين بلة تعرض شلاير المحتجز رهينة منذ أكثر من شهر، للقتل في اليوم نفسه.

 

ولغاية تلك اللحظة، ظهرت مناورات سياسية دامية كثيرة، وبالرغم من استمرار حملة "عصابة بادر- ماينهوف" حتى ثمانينيات القرن الـ 20 وتسعينياته، وإطاحتها الوشيكة بألكسندر هيغ، القائد الأعلى لـ "منظمة حلف شمال الأطلسي"، ووزير الخارجية المستقبلي للولايات المتحدة الذي كاد أن يذهب ضحية لغم أرضي في هجوم في بلجيكا، ظلت سيرة المجموعة وستظل مقترنة بمؤسسيها الاثنين. ويبقى صدى اسميهما يتردد في سجلات الإرهاب التاريخية حتى الآن.

في إطار صورة أوسع، يلاحظ أن الشباب الذين يقدمون على فعل الانتحار نتيجة حوادث وتطورات تحت سيطرتهم أو خارجة عنها، يضمنون لأنفسهم مكانة في التاريخ، لكن ماذا لو كان هؤلاء الشباب إرهابيين؟ أولن يكون موتهم وشهرتهم وصمة عار؟ إن ذلك ممكن وشائع. في المقابل ثمة ما يميز "عصابة بادر-ماينهوف" عن غيرها بعد مرور 50 عاماً، يتمثل في مستوى الدعم الخفي أو العلني الذي وفرته لها شريحة كبيرة داخل ألمانيا الغربية وخارجها.

وفي زمنٍ اعتبر فيه الإرهاب على اختلاف أنواعه سلوكاً منحرفاً عن السلوك الاجتماعي السائد لأسباب واضحة، بدت ألمانيا الغربية في سبعينيات القرن الـ 20 أشد غموضاً وإثارة للجدل. ففي تلك الآونة كان الشعور بالذنب جراء الحرب ما يزال مهيمناً بقوة على نفوس سكان المنطقة، خصوصاً لكن ليس حصراً، فئة الشباب و"غير النازيين أو غير الإمبرياليين"، وكل من ينتمي إلى "اليسار أو يعادي الدولة".

وفي ذلك الصدد، مثّل الفيلسوف الفرنسي جان- بول سارتر واحداً من مفكرين كثيرين كانوا على أهبة الاستعداد للدفاع عن المجموعة في العلن، وذلك لا يعني بأن الحكومة والقوات الأمنية لم تكن عازمة على الإطاحة بالعصابة، أو أن الناس كانوا راضين عن المتعصبين السياسيين الذين لا يتوانون عن القتل عشوائياً، وفي المقابل يتجسد الأمر كله في أن "عصابة بادر- ماينهوف" مثلت قطيعة منهجية مع ماض غير مشرف وخياراً سياسياً بديلاً يروق للطلاب أو الشباب بقدر ما يروق لبعض أولئك الذين عاشوا الحرب العالمية الثانية، وشهدوا الإفصاحات غير المرحب بها عن الأمة والناتجة من النزاعات المحفزة سياسياً.

وما زاد العصابة سحراً وجاذبية هو تنوع خلفيات أفرادها وثقافاتهم، لنأخذ مثلاً غودرون إنسلين، الابنة المثقفة لوزير من المذهب اللوثري. لقد تمتعت إنسلين بإطلالة جميلة وفكر ثاقب، وبعدما عاشت عاماً كاملاً في الولايات المتحدة الأميركية وصدمت بالسياسات الراديكالية هناك، عانقت الفكر المتطرف الذي يؤدي إلى العنف وينادي به صديقها الحميم بادر، ويمكن القول إنها كانت العقل المدبر للحركة. وفي مسار موازٍ تبرز بترا شليم التي أمست أول بطلة راحلة للعصابة بعدما قتلت في عملية تبادل إطلاق نار مع الشرطة في 1971. وبفضلها، ترسخت شجاعة المجموعة وجرأتها وجسارتها الشيطانية في وعي الرأي العام الألماني. وعلى نحوٍ مماثل، يظهر هولغير مينز، الطالب في مجال صناعة الأفلام، وقد أصبح أيضاً بطلاً راحلاً للقضية بعد وفاته جراء إضراب مطول عن الطعام، وقد تعاطف الناس معه بسبب تفضيله الموت على التخلي عن معتقداته. في المقابل، قضى جان كارل راسبي في السجن بعد توقيعه على حلف الانتحار الجماعي مع بادر وإنسلين، فكان يعتبر ضمير الجماعة ووجدانها، وقد عارض اللجوء إلى العنف ما لم يكن "ضرورياً".

 

ومما لا شك فيه أن بادر وماينهوف شكلا الشخصيتين اللتين منحتا المجموعة هويتها العالمية. بدا بادر وسيماً وجذاباً وأنيقاً، لكنه في الوقت نفسه بدا عنيفا في سلوكياته ومواقفه، لاسيما السياسية منها. ويروج إنه لو لم يكن إرهابياً لصار من دون شك رجل عصابة مدجج بالأسلحة ومحاط بالفتيات والسيارات السريعة.

في المقابل، بدت ماينهوف أكثر هدوءاً وأكثر رصانةً ورزانة، إذ عملت مستشارة في أحد السجون، لذا كان قرارها اتخاذ خطوة إلى الأمام نحو المقاومة العنيفة بمثابة تجاوز لا رجوع منه، وقد اتضح في النهاية أنها انخرطت في وثبة إيمانية كبيرة تمثلت في التخلي عن وجهات نظرها السلمية، ربما في سياق قرار اتخذته في لحظة خاطفة، أثناء وجودها في مسرح إطلاق النيران المغلوط على موظف مكتبة أثناء هرب بادر من السجن عام 1970. في ذلك اليوم، كان يفترض بماينهوف أن تنهض بدورها كمراسلة صحافية تغطي ذلك الحدث، لكنها لم تفعل ذلك، بل انتهى بها الأمر أخيراً بالفرار مع العصابة. وعلى غرار إنسلين شكلت ماينهوف القوة الفكرية للحركة في أيامها الأولى.

وفي أحيان كثيرة، جرى تشبيه "بادر وماينهوف" بـ "بوني وكلايد"، وهما زوجان أميركيان شكلا عصابة لصوصية مسلحة، بل ظهرت صورتهما في ملصقات حملت عنوان "مطلوبين للعدالة" في مراكز المدن الرئيسة، لكن التشبيه بين الثنائيين لم يكن في محله، إذ لم يسع الثنائي الأميركي سوى لسرقة حصة من غنائم الرأسمالية، في الوقت الذي أراد فيه الثنائي الألماني مسح الرأسمالية عن بكرة أبيها.

وفي سياق متصل، برع أفراد "عصابة بادر- ماينهوف" في التلاعب بالإعلام، وأظهروا وعياً لقدراتهم في الوصول إلى جمهور أكبر، سواء من طريق نشر الخوف والتعاطف السياسي أو من طريق الافتتان الفظيع. وقد عملت هاتان السمتان على جعلهما أسطورة في السيطرة والتحكم، أسطورة ما لبثت أن زادت بريقاً بعملية الانتحار المنسقة التي خططوا لها، وتقدموا بها أشواطاً عن الهيئات التابعة للدولة.

وفي سياق أوسع، فلو قدر لـ "الإرهابي الأنيق" أن يكون "شيئاً" في وقت ما، لكانت تلك الفترة زمنه المناسب، وفيما يصح القول بأن تبرير قرارات "عصابة بادر- ماينهوف" مستحيل في الظروف كلها، فإن الفظائع التي ارتكبتها العصابة بدوافع أيديولوجية تتناقض بحدة مع الفظائع التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية الرئيسة في القرن الـ 20، على غرار ما ارتكب انطلاقاً من فكر يميني عدمي، أو عبر ترميز ديني يشجع على كراهية "الآخر"، وتلك حروب ثقافية تهدف إلى التفكيك بدلاً من تكوين رؤية سياسية معينة. وعلى عكس ذلك، اعتقدت "عصابة بادر- ماينهوف" بأنها تعمل على بناء شيء ما، "لقد نظروا إلى أنفسهم على أنهم الجناح العسكري لحركة شيوعية عالمية"، وفق بوتزنهاردت.

وبوجه عام يبرر الإرهابيون أفعالهم من طريق إعلان شرعية أهدافهم، وقد تساوقت العصابة مع ذلك الميل، لكنها كانت تخادع نفسها بالمقدار نفسه. في المقابل، امتلك انتقاؤها لضحاياها من صفوف مصرفيين ورجال أعمال وقضاة وجنود أميركيين، جاذبية غامضة لدى قسم غير هين من الشعب، فبحسب استطلاع ذات صلة، تبين أن شاباً ألمانياً من أصل أربعة "تعاطف نوعاً ما" مع المجموعة، وشاباً واحداً من أصل عشرة أكد رغبته في حماية أحد أفرادها. وحتى الشرطة لم تكن منزهة عن ذلك الرأي. "أرى أنه من الإنصاف الإشارة إلى أن بعض الضباط الشباب كانوا من أشد المعجبين بالعصابة"، وفق ما يذكر مايكل شميدت، شرطي سابق من هامبورغ.

في تلك الحقبة من التاريخ، اعتُبر إشهار السلاح في وجه الطغاة الإمبرياليين "أخلاقياً" بشكل أو آخر، إذ لم يتقبل ألمان كثيرون من كبار السن وجود نازيين سابقين، على غرار المستشار كايزنغر، ووزير العدل في منتصف ستينيات القرن الماضي ريتشارد جاغر، في الحكومة، وربما تكون أكثرية السكان الملتزمة بالقانون أبقت موقفها طي الكتمان، لكن الاحتجاجات ما كانت لتكون بذلك الحجم لو كان ممثلو الحقبة السابقة أُبعدوا عن مقاليد الحكم ولو بطرق شنيعة، وقد أعطى ذلك وزناً وأهمية للحجة القائلة بأن تحدي "عصابة بادر- ماينهوف" الدولة لم يكن مفتقداً للحجج.

"بالفعل، تعاطف الشعب مع أهداف المجموعة بالرغم من مقته للأسلوب العنيف الذي ينتهجه أفرادها"، وفق ما ذهب إليه بوتزنهاردت. "كانوا أشبه بنجوم الروك في نظر الشباب الراديكالي، ونالوا انتقادات أقل ومعاملة أقل قسوة، ولم تكن عمليات القتل التي ينفذونها عشوائية، بل على العكس، ولو صدف لأحد الحراس الشخصيين وأشباهه أن لقي حتفه أثناء تبادل لإطلاق النار، فالأرجح أن ينظر إلى موته كمجرد ضرر جانبي، بمعنى النظر إليه كأحد أذناب النظام الرأسمالي. "هل مثل ذلك التصرف هوس عنيف أو تحرك مباشر؟ هل هو مرعب أو مثير للإعجاب أو ما بين الاثنين؟".

وفي القضية نفسها، لو شكلت الفنون الإبداعية مقياساً لمدى انغماس أحد الأشخاص في المجتمع الشعبي، فالأعمال الأدبية والسينمائية والموسيقية التي تناولت "عصابة بادر- ماينهوف"، حتى لو لم تمجدها بالضرورة، قد خلدت ذكراها ولا شك في سجلات التاريخ، وذلك قبل أن نبدأ بتعداد الجماعات التي حاولت تقليدها والحذو حذوها في أنحاء أوروبا الغربية وخارجها، ونحن لا نعني بذلك أن الرأي العام في شأن العصابة لا يزال على حاله بعد مرور 50 عاماً على تأسيسها، إذ لم يعد ذلك التقدير الذي حظيت به عملياتها في ما مضى موجوداً في عالم اليوم الذي غير نظرته تجاه العنف باعتباره وسيلة لتحقيق المآرب السياسية أو سواها، ولا يعتبر الهندسة الاجتماعية باستخدام الرصاص أمراً رائعاً.

وبرأي فولكر سومر (71 عاماً) من بيلفيلد، الذي كان طالباً جامعياً عندما بدأت العصابة تنظيم صفوفها، ووفق كلماته، "شكل مقتل شلاير نقطة تحول كبيرة، إذ توقفت كل أشكال الدعم والتعاطف السري حيال "عصابة بادر- ماينهوف" بعد تلك الواقعة".

لقد تغير وجه العالم والسياسة، وبات الإرهاب أكثر عدمية الآن، وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على الماضي، سيتهيأ لنا أن "عصابة بادر-ماينهوف" غريبة بعض الشيء، وأقرب ما تكون إلى الانعكاس الأيديولوجي. وسنتفهم بالتالي انقسام الآراء حول فيلم "بادر- ماينهوف كومبليكس"  Der Baader Meinhof Komplex الذي صدر عام 2008 بهدف توثيق نشاط المجموعة، فهل سعى الفيلم إلى تبجيل أفراد العصابة، إذ أظهرهم كوسيمين يرتدون أزياء رائجة في سبعينيات القرن الـ 20، أم أنه اكتفى بتوثيق وقائع قصتهم المهمة؟ الواقع أن الفيلم كان بمثابة حجة مثيرة للجدل، إذ سلط الضوء على ما مثلته العصابة في تاريخ ألمانيا، بمعنى أنها لم تكن ألمانيا الحديثة الميالة إلى التقدمية، وتحتضن الاتحاد الأوروبي وتتميز بفكر سياسي منفتح.

ولم تكن أيديولوجية المجموعة "نقية" دائماً، ذلك أن كثيرين من أفرادها كانوا يعادون السامية، ويطالبون الإطاحة بدولة إسرائيل، وفي طليعتهم المحامي السابق هورست مالر الذي لم يتوان يوماً عن إنكار جرائم الهولوكوست، وقد أدخل السجن بتهمة التحريض على الكراهية العنصرية. وفي ما يتعلق بالنسوية، مال أفراد العصابة، ومعظمهم من الجنس اللطيف، إلى اعتبارها شكلاً من أشكال السخافات البورجوازية. تصوروا أن بادر نفسه كان يتوجه للنساء في المجموعة بلفظة "لعوب"، بالألمانية "فوتزن". وبحسب المقربين منه، دأب بادر على التذمر والشكوى من دون توقف، إضافة إلى إلقاء اللوم على الآخرين لفشله، بل تمتع "بشخصية معادية للمجتمع".

وفي ذلك المعنى، أعرب شتيفان أوست، مؤلف الكتاب الذي استقي منه الفيلم عام 2008، عن قناعته بوجود رابط بين بادر وإرهابيي القرن الـ 20. "لم يكن بادر يختلف كثيراً عن محمد عطا، أحد منفذي اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية على نيويورك، إذ أراد كلاهما أن يكون شهيداً ويكسب الخلود بموته"، وفق تعبير أوست.

 

 

ولا يخفى على أحد أن "عصابة بادر- ماينهوف" كانت من أشد الرافضين للنهج الاشتراكي الذي يفرض نفسه على دول أوروبا الشرقية تحت مظلة الاتحاد السوفياتي، بحجة أنه شكل استبدادي مشوه من الشيوعية الأصيلة التي تحمل في ثناياها صفات إمبريالية خاصة بها. ومع ذلك، فقد أثبتت تحقيقات لاحقة أن العصابة قبلت في وقت من الأوقات الحصول على تمويل وملجأ من الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية، وقد اشتهرت باسم "ستازي" Stasi المخيف.

وفي النهاية، لم يتمكن بادر وماينهوف وزملاؤهما من تغيير العالم، والأغلب أنهم لطخوا سمعة اليسار الديمقراطي في ألمانيا حتى تبرأ منهم كل من تمتع بروح طيبة، وشعر بالإحراج من عالم متسامح بدوا كأنهم ينبذونه. وأثناء وجودها في السجن، اعترفت ماينهوف أن العصابة لم تكن عمياء إلى درجة "التخطيط لحوادث ثورة في ألمانيا، وبصراحة كانوا يخشون من أن يظن التقدميون أن الثورة لا تعنيهم"، وفق المستشار السابق للحزب الأخضر في هامبورغ، سيغفريد هوبت، الذي كان في الـ 18 من عمره حينما قُتل شلاير.

وبالرغم من أن شلاير وسواه من الذين اغتيلوا على أيدي العصابة كانوا من علية القوم، فقد أثار قتلهم بطريقة وحشية الغضب السياسي لدى خصومهم الديمقراطيين، وحرك شعوراً من التعاطف إزائهم وإزاء عائلاتهم. ويعني ذلك بصريح العبارة أنه حتى أولئك الذي آمنوا بأهداف العصابة وتفهموها، لم يكونوا مقتنعين بأن الغاية تبرر الوسيلة.

وثمة مفارقة أخرى أيضاً، فإذا أثار غضب أفراد "عصابة بادر- ماينهوف" وجود نازيين سابقين في الحكومة الألمانية بعد الحرب، فكيف لمؤيديهم السابقين، أمثال وزير الخارجية السابق جوشكا فيشر، أن يشغلوا مناصب رفيعة في قطاعات السياسة والإعلام والثقافة في يومنا ذلك؟ "هل هناك فارق بين الجماعتين؟" يسأل هوبت. "أولم ترتكب كلتاهما جرائم قتل بحق شرائح من المجتمع اعتبروها منحلة؟". من وجهة نظر بوتزنهاردت، "الجماعتان مختلفتان والظروف مختلفة، إذ لم يترجم التعاطف مع أهداف "بادر-ماينهوف" بالضرورة إلى عنف، ولكن العكس صحيح بالنسبة إلى النازية".

واليوم، توصّل معظم الألمان إلى تفاهم مع ماضي بلادهم السلبي بطريقة لم تقو عليها "عصابة بادر- ماينهوف". ويُمكن تلخيص ذلك التفاهم بالمصطلح الألماني Vergangenheitsbewältigung ومعناه "التغلب على الماضي" من طريق مجابهة التاريخ وعيش حياة خالية من ذنوب الحقبات السابقة وأحقادها، وبفضل ذلك التفاهم باتت أهداف "عصابة بادر-ماينهوف" عتيقة نسبياً.

ووفقاً لسومر، "فإرث العصابة اليوم ليس بمشكلة، فمن يأتي على ذكرها يكتفي بوصفها على أنها مجموعة شبابية انبثقت من أبناء جيل 68، وأرادت تغيير ما كانت تعتبره "نظاماً فاسداً"، لكنها في النهاية كانت مجرد عصابة عادية من القتلة والمجرمين".

وصحيح أن وجهة النظر التي تحدث عنها سومر شائعة جداً في ألمانيا اليوم، لكن بعد 50 عاماً هل تلاشى الإبهار الخاطئ بالكامل؟ في متحف نيويورك للفن الحديث، لا تزال الصور الفوتوغرافية لانتحار كل من بادر وماينهوف وإنسلين معروضة ضمن المجموعات الفنية الدائمة، وفي المتاجر لا تزال هناك قمصان مطبوع عليها رسم مسدس أندرياس بادر مع شعار النجمة، وأخرى مدموغة بعبارة "برادا- ماينهوف" [في إشارة إلى إنها موضة رفيعة المستوى]. هل لا يزال الإرهابي الأنيق موجوداً؟ الإجابة تعتمد على ما إذا كان ذلك النوع من الإرهابيين قد وجد أصلاً.

© The Independent