Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نوبل "المصطلحات السياسية" للبنانيين

وكأن الأحزاب والمؤسسات والوزراء والنواب والإعلاميين والمواطنين يعملون على تغطية ضمور السياسة بألقاب وشعارات فضفاضة

متظاهرون مناهضون للسطة اللبنانية يرفعون شعارات على طريق القصر الرئاسي في بعبدا (أ ف ب)

لو افترضنا أن المصطلحات السياسية والألقاب التي تُمنح للسياسيين وأسماء الأحزاب والكتل النيابية عبارة عن ألعاب موضوعة في مكان واحد، فإننا حين نحاول الدخول بينها ومحاولة تصنفيها وترتيبها وتأويلها، سندخل إلى مدينة من الألعاب القائمة على المصطلحات التي تُستخدم بين السياسيين وفي وسائل الإعلام وبين المواطنين، والتي في أكملها لا تحمل معنى واقعياً يوازي معانيها المثالية، أو هي مجرد غلاف لمّاع وملوّن لاهتراء السياسة اللبنانية "الجهنمية" والتي بلا شك يمكن وصفها بها، أو يمكن الركون إليه، كأن نقول إن النظام السياسي اللبناني يتبع القوانين "التالية"، أو يقوم على المبادئ والنظريات "هذه" المعينة والمحددة في أنظمة الدول والقوانين السياسية العالمية. لأن هذه المصطلحات والألقاب والأسماء التي تبدو ناصعة ساطعة طازجة، هي على الأغلب تستخدم لوصف مستنقع آسن.

وكأن اللبنانيين ساسة وأحزاباً ومؤسسات وجمعيات ووزراء ونواباً وإعلاميين ومواطنين عاديين، يعملون على تغطية ضمور السياسة المنطقية في لبنان بمصطلحات وأسماء وألقاب وشعارات فضفاضة وبلا قعر أو حدود، أو كالطبل الضخم ذو الصوت المرتفع بينما هو فارغ من الداخل.

ومع تكرار استعمال هذه المصطلحات واستخدامها فإنها تتكرّس في اللغة المستخدمة، وتتحوّل إلى مصطلحات حقيقية ذات قيمة أدبية ومعنوية، على الرغم من أنها ليست كذلك البتة.

أمثلة اصطلاحية

وعلى سبيل المثال، مصطلحات "العيش المشترك" و"السلم الأهلي" و"الديمقراطية التوافقية" و"الميثاقية" و"الطائفية السياسية" و"صراع الآخرين على أرضنا"، "حكومة الوحدة الوطنية"... "شعب، جيش، مقاومة"، "المنظومة الحاكمة"، "التشكيل قبل التأليف"... إلخ.

لو لجأنا إلى تفصيل كل واحدة من هذه المصطلحات وفكفكتها سنجد أنها في أكثرها مجرّد فذلكات بلا معنى دقيق ولا تشير إلى موضوع محدّد أو تؤسس لجملة منطقية وواقعية حين ترد فيها، وقد نحتها الساسة والإعلاميون والمثقفون اللبنانيون كي تتناسب مع اللامنطق السياسي، الذي لطالما كانت بلادهم تعيش فيه منذ تأسيسها في عام 1920.

فالعيش المشترك، المصطلح الأكثر شهرة لبنانياً، يُقصد به ارتضاء طوائف لبنان المختلفة العيش في وطن واحد على الرغم من اختلافاتها الفكرية والثقافية والدينية والتاريخية. وهذا المصطلح غالباً ما يضاف إليه "السلم الأهلي"، فهما توأمان في الخطب والشعارات والجُمل المستعملة في الحياة السياسية اللبنانية، فالسلم الأهلي وليد العيش المشترك والعكس صحيح أيضاً. ويستخدمهما اللبنانيون للاحتفاء بـ"التنوّع اللبناني" وفرادته وبلبنان "الرسالة"، ولكن اللبنانيين لم يشتركوا في العيش ولا أقاموا في سلم أهلي منذ تأسيس بلدهم، بل على العكس مارسوا حروباً نارية حارة وأحياناً باردة، كما هي الحال اليوم وفي فترات متقطعة خلال الأعوام الـ100 الماضية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما "الديمقراطية التوافقية"، فتبدو اصطلاحاً وتطبيقاً كأنها عبارة وفكرة مصنوعة خصيصاً للبنان، إذ إن هذا المصطلح في تركيبته اللغوية عجيبة من العجائب، فكيف الحال في تطبيقه الفعلي على الأرض. فالديمقراطية التي يعرفها سائر العالم تقوم على الاحتكام لخيار الأكثرية عبر الانتخابات الحرة. أما في لبنان، فالانتخابات ليست سوى وسيلة للمحاصصة وتقاسم السلطة، وقوانين الانتخاب تتم فبركتها بما يضمن وصول الطبقة السياسية نفسها. وتحقّق أكثرية نيابية في البرلمان، لا تعني نشوء فريق سلطة ولا فريق معارضة، بل يشترك الجميع في تشكيل الحكومة، التي يجب أن تضمن للفريق الأقلوي اختيار وزرائه وحقائبه الوزارية وكذلك "الثلث المعطّل"، أي الذي يضمن فرط عقد الحكومات عند اختلاف الرأي بين الفريقين.

"التوافق" و"الآخرون على أرضنا"

وهذا ما يُسمى "التوافق"، أي أن جميع الفرقاء يملكون زمام العقد والحل، وهذا هو نفسه سبب تأخر تكليف رئيس الحكومة، ومن ثم تأخر تشكيل حكومة أو عدم تشكيلها البتة، كما حصل أخيراً مع حكومة مصطفى أديب التي وضعت كل العراقيل لتشكيلها. وما يقوله رئيس الحكومة السابق سعد الحريري حول تشكيل الحكومة في لبنان يبدو صائباً إلى درجة كبيرة، إذ إنه كالسير بين الألغام برأيه، أي خطأ صغير سيؤدي إلى انفجار حقل الألغام بأكمله. وكان لغم حكومة أديب هو وزارة المالية، التي يريدها "الثنائي الشيعي" كمعبّر عن اشتراك الشيعة بالقرار إلى جانب المسيحيين والسنّة، لأن توقيع وزير المالية هو التوقيع الثالث على كل المعاملات والمشاريع والقروض المالية. وبالطبع هذه المطالبة تعبير عن معنى الديمقراطية التوافقية التي تحمل الضد في داخلها، أي لا هي ديمقراطية ولا توافقية، بل وتسمح لكل طائفة بإعادة صياغة "العُرف" و"الميثاق" و"اتفاق الطائف" بحسب ما تراه مناسباً لمصالحها ومصالح المحور الخارجي الذي تتبع له. وعبارات "سياسة المحاور" أو "الدخول في المحاور" هي أيضاً مصطلحات لبنانية تحيل إلى مصطلح آخر هو "حروب الآخرين على أرضنا". فهذا المصطلح الذي طالما تكرر في كل مناسبة يختلف فيها اللبنانيون بشكل عنفي في ما بينهم، هو وليد سياسة المحاور. ولكن في لبنان يراد القول إننا نحن اللبنانيين على أتم وفاق وفي أحسن أحوالنا، إلا أن الدول الأخرى هي التي تنقل خلافاتهم إلى داخل الساحة اللبنانية.

إنها عبارات تتكاثر من بعضها البعض، وهي ولادة لا يصيبها كلل، حتى لتبدو أجيالاً من المصطلحات تتوالد من بعضها في عالم اصطلاحي موازٍ للعالم السياسي الحقيقي. فيصبح المصطلح كلافتة مضاءة ومزيّنة منصوبة فوق الخراب.

أسماء الأحزاب والكتل

عدا المصطلحات والشعارات هناك أسماء الأحزاب اللبنانية القديم منها والحديث، والتي تبدو في أغلبها كما المصطلحات الواردة سابقاً، بلا معنى محدد ولا تشير إلى سياق حقيقي يمكن للمرء متابعته كي يقارن اسم الحزب مع ممارسته في الواقع الفعلي. بل وكأن في الأمر تقصداً بتسمية الأحزاب بأسماء معاكسة لما تمارسه على أرض واقع الحياة اللبنانية وسياستها و"ديمقراطيتها التوافقية". وأسماء الأحزاب مثلاً "حزب الله" و"حركة أمل"، و"الحزب التقدمي الاشتراكي"، و"الحزب القومي السوري"، و"حزب المردة" و"تيار المستقبل"، و"التيار الوطني الحر" و"الوطنيين الأحرار" (نستبعد القوات والكتائب لأن اسميهما يشيران إلى شيء محدد ومحسوس).

وهذه الأحزاب لا تكتفي بأسمائها، بل وتمنح كتلها النيابية في البرلمان أسماء خاصة بها، هي بنفسها فضفاضة وغير ذات معنى، بل وتبدو في مغالاتها المسرحية كما لو أنها مستلّة من مسرحيات "الرحابنة" الغنائية. فهذه "كتلة التحرير والتنمية" وتلك كتلة "التغيير والإصلاح" و"الجمهورية القوية" ولبنان القوي" و"اللقاء الديمقراطي"، و"كتلة المستقبل" و"الوفاء للمقاومة"... إلخ.

وهنا يأتي دور الألقاب، فأعضاء هذه الكتل من النواب يحملون لقب "سعادة"، أما وزراؤها فهم من "المعالي" أما الزعماء فهم إما "دولة" أو "فخامة"، ومن لن يحز منهم منصباً رسمياً، فهو إما "شيخ" أو "بيك". وهذا تنويع على الاختلاف واستنباط لما لا يمكن استنباطه.

أسماء هذه الكتل النيابية وألقاب أعضائها، في حال عُرضت على كائن فضائي قادم ليتعرّف إلى كوكب الأرض، ستجعله يختار لبنان ليعيش فيه. فهي أسماء تشي بأن أصحابها جعلوا بلدهم جنّة من جنان الأرض، قبل أن يفاجأ هذا الكائن بأنه اختار جهنم تحديداً، بحسب وصف رئيس تلك البلاد لها.