Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ذكرى انتفاضة "أبريل 1985" في السودان... هل يعيد التاريخ نفسه وتُسقط التظاهرات الحكومة؟

عدد من العناصر التي أدت إلى نجاح تلك الانتفاضة متوافرة في التظاهرات الأخيرة

حددت المعارضة الرابع من أبريل (نيسان) المقبل موعداً لمسيرة نحو القصر الرئاسي مقر الحكم في الخرطوم (رويترز)

 

يبدو أن ذكرى انتفاضة أبريل (نيسان) العام 1985، التي يحتفي بها السودانيون سنوياً، ستأتي مختلفة هذه المرة، إذ تتجه المعارضة إلى تصعيد وسائلها الاحتجاجية، احتفاء بتلك المناسبة، أو ستتخذها لشحذ همم المحتجين حتى تبلغ غايتها في إسقاط النظام. وأصدر "تجمع المهنيين السودانيين" وثلاثة تحالفات معارضة، الأيام الماضية، للمرة الأولى جدولاً لأعمالهم الاحتجاجية يستمر أسبوعين بدلاً من أسبوع كما درجت العادة منذ أربعة أشهر، ويتضمن وقفات وتظاهرات في مختلف مدن البلاد، وتحدد المعارضة في تلك الجداول مسارات العمل وخريطة توجهه.

يمتد الجدول المعلن حتى السادس من أبريل المقبل، الذي يوافق تاريخه نجاح انتفاضة العام 1985 التي أطاحت حكومة المشير جعفر نميري. وحددت المعارضة، يوم الرابع من أبريل المقبل موعداً لمسيرة نحو القصر الرئاسي مقرّ الحكم في الخرطوم، وحددت في اليوم الموافق ذكرى نجاح انتفاضة العام 1985، مسيرات قالت إنها مركزية في العاصمة الخرطوم تتجه نحو القيادة العامة للقوات المسلحة وسط الخرطوم.

هل تتكرر تجربة أبريل؟

مع اقتراب ذكرى انتفاضة أبريل، يبرز تساؤل عن احتمال نجاح الاحتجاجات التي يشهدها السودان منذ أربعة أشهر، ويرى بعض المراقبين توافر عناصر نجاح التجربة السابقة حالياً، بينما يرى البعض الآخر أن موجة الرفض والمطالبة بتغيير النظام آخذة في الانحسار.

وبمقارنة الأحداث بتظاهرات العام 1985 والاحتجاجات الأخيرة، نجد أن تلك التظاهرات التي أطاحت حكومة المشير جعفر نميري آنذاك، قامت بها مجموعة من الطلاب خرجوا في تظاهرات في 26 مارس (آذار) من جامعة أم درمان الإسلامية واستمرت يومين قبل أن ينخرط فيها نقابيون ومواطنون، لتواجهها السلطات بالقمع ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص، وصاحبها انهيار مريع في قيمة العملة الوطنية وتدهور اقتصادي.

يتوافق ذلك مع ما تشهده البلاد في الاحتجاجات الأخيرة، إذ احتج مواطنون من ندرة الخبز في مدينة عطبرة شمال البلاد، وعمّت التظاهرات بعدها غالبية المدن مدعومة بحراك شبابي وطالبي، وأيضاً شهدت الأوضاع تدهوراً اقتصادياً وهبوطاً في قيمة العملة الوطنية.

دخول المهنيين على خط الاحتجاج

عقب مواجه المحتجين بالقمع المفرط من قبل سلطات المشير جعفر نميري، احتشد مئات الجرحى والمصابين في المستشفيات، ما دفع الأطباء إلى الدخول في إضراب احتجاجاً على القمع، كما شكلت نقابة المحاميين لجاناً للدفاع عن المحتجزين على خلفية التظاهرات. الأمر نفسه تكرر في الاحتجاجات الأخيرة، إذ أعلنت نقابة الأطباء المركزية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إضراباً عن علاج الحالات غير الحرجة، وقالت إن ذلك يأتي تعبيراً عن استخدام العنف المفرط لقمع المحتجين، الذي أدى إلى مقتل 32 متظاهراً وفق إحصاءات رسمية، و51 قتيلاً وفق "منظمة العفو الدولية".

وبعد إعلان الرئيس عمر البشير حالة الطوارئ في البلاد، وإنشاء محاكمها، أعلنت لجنة المحامين الديموقراطيين تكوينها لجاناً للدفاع عن المعتقلين على خلفية تلك القوانيين تطوعاً. ولتنظيم الاحتجاجات في العام 1985، كوّن المهنيون جسماً لتنسيق عمل التظاهر باسم "التجمع النقابي"، وحذا جيل من الموظفين وأصحاب المهن في الاحتجاجات الأخيرة الطريق نفسه، إذ استبق "تجمع المهنيين السودانيين" وهو تجمع نقابي، كُوّن قبل نحو عامين، الدعوة إلى التظاهرات وتنظيمها منذ أربعة أشهر وحتى الآن، بتنسيق مع القوى المعارضة.

تحرك القوات النظامية

من أبرز عوامل نجاح التظاهرات في إسقاط حكومة النميري، التململ الذي أظهره منتسبو القوات النظامية "الشرطة والجيش"، الذين أعلنوا تمرداً ظهر وسط صفوفهم، وانتشر بيان لضباط شرطة يعلنون رفضهم القمع، وأنهم مع الشعب وإسقاط دكتاتورية النميري. وأخيراً، وبعد طول أمد الاحتجاجات، ظهر عدد من البيانات المعنونة باسم ضباط وجنود نظاميين، منتمين إلى أجهزة مختلفة، أعلنوا فيها تأييدهم دعوات تغيير النظام وضرورة إيجاد بديل ديموقراطي، إلا أن الحكومة الحالية لم تعلّق على تلك البيانات.

عناصر الانتفاضة

يقول المحلل السياسي محمد الفكي "عوامل الإطاحة بحكومة البشير تتخلّق الآن، بيد أنها لم تكتمل، فالتظاهرات والاعتصامات المستمرة توضح انسداد الأفق السياسي، وعدم استعداد المواطنين للاستمرار بنهج الحكم القديم، ومن هنا تبرز السيناريوات السياسية لتحقيق رغبة الجماهير التي ظلت في الشارع ومطلبها الوحيد ذهاب الرئيس البشير وتفكيك نظامه". وينادي الفكي "السياسيين والفاعلين النقابيين لطرح خطتهم لتنفيذ هذا الأمر، وهل ينتظرون حتى يأخذ الرئيس قراراً بمغادرة البلاد مثلما فعل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في العام 2011، أو يتنحى مثلما فعل نظيرهما حسني مبارك، أو حتى تصل البلاد إلى حالة من التقاتل والفوضى مثلما حدث في ليبيا؟".

لا يستبعد المحلل السياسي فكي، أيضاً "تدخّل المؤسسة العسكرية وفقاً لاتفاق سياسي لإدارة فترة انتقالية، مثلما فعل المشير سوار الذهب الذي أعلن تعطيل الدستور وحل مؤسسات الدولة استجابة لحراك السودانيين ف يالعام 1985"، ويعتبر "جدولة المهنيين هذه المرة الاحتجاجات مدة أسبوعين خلافاً للمعتاد، معناه أن قوى التغيير تسير في اتجاه التصعيد مستلهمة تاريخ أبريل".

مقاطعات اقتصادية

شملت دعوة الاحتجاجات الأخيرة مطالب بمقاطعات اقتصادية، ولم يكتفِ "تجمع المهنيين السودانيين" بالدعوة إلى المقاطعة، بل أعلن أسماء شركات ووسائط إعلامية وطبية مملوكة لرموز النظام الحالي، وتضمنت الدعوة مقاطعة منتجات شركة "سين للغلال" التي قال التجمع إنها تمارس نهجاً احتكارياً لطحين الخبز، كما نادت بعدم التوجه للعلاج في مستشفيين هما "الزيتونة" و"يستبشرون" المملوكين لوزير الصحة في ولاية الخرطوم، مأمون حميدة، إضافة لمستشفى "علياء" التابع للجيش السوداني.

وطالب المهنيون بمقاطعة محطات تلفزيون "أم درمان"، و"سودانية 24" إضافة إلى صحيفتي "المجهر السياسي"، و"ألوان"، وحددوا أشكال مقاطعة تلك الوسائط الإعلامية، بعدم التعامل معها ومتابعتها ومدها بالمعلومات والإفادات الصحافية، والنشرات الإعلانية من قبل الجميع، كما تضمنت حملة المقاطعة بنك أم درمان الوطني.

جدوى المقاطعة

ويعتبر الكاتب الصحافي أنور سليمان، أن "المقاطعة الاقتصادية محققة فعلياً نظراً لانهيار الأوضاع الاقتصادية محلياً، والسلطة لا تحتكم إلى أي وسائل إنتاج قادرة على إنعاش الوضع"، وذكر سليمان أن" دعوة المقاطعة تحمل أيضاً محاولات من القوى المعارضة لاختبار آلياتها وإمكاناتها في إحداث خلخلة لأركان النظام الحالي عبر آلية متقدمة مدنياً ومتسمة بالحضارة".

تجدد الاحتجاجات

وتجددت الاحتجاجات، الأحد 24 مارس (آذار) في الخرطوم، وأفادت المعارضة بأن المئات خرجوا من خمسة أحياء في مدينة أم درمان غرب العاصمة، في موكب واحد، وأطلقت الشرطة والقوات الأمنية الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، كما حاصرت حي "أبروف" في مدينة أم درمان، ما دفع تجمع المهنيين إلى توجيه نداء عاجل عبر صفحته على "فيسبوك" إلى المواطنين للخروج في تظاهرات بالقرب من المنطقة لفك الحصار الأمني المفروض عليها.

وجاءت الاحتجاجات تحت مسمى "مواكب العمال" التي تهدف المعارضة من خلالها إلى إشراك تلك الفئة الفاعلة في التظاهرات. ويعاني السودان أزمات اقتصادية متفاقمة وعجزاً في الميزان التجاري، وشحاً في الأوراق النقدية منذ سنة تقريباً، عدا أزمة وقود متكررة أضرّت بقطاع النقل والتصنيع، مع ارتفاع الدين الخارجي إلى نحو 56 مليار دولار في نهاية العام 2018.