Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العمل المرن لن يحررنا بل سيبعد النساء عن أماكن العمل

ستُصبح الشمولية التي تُروِّج لها خانات وجوه المشاركين في الاجتماعات المباشرة عبر برنامج "زوم" في طي النسيان

العمل عن بعد قد يضر المساواة بين الجنسين (غيتي) 

ربما تُحذِّر الحكومة من "موجة ثانية" لفيروس كورونا، لكن فئةً كبيرةً من السكان تتطلع سلفاً إلى ما سيكون عليه الوضع في مرحلة ما بعد الأزمة؛ راسمةً في مُخيِّلتها صوراً لبريطانيا، وحتى لعالم، أكثر بُطئاً وهدوءاً وخضرةً وإنسانيةً.

ويُعدُّ هذا وضعاً محلياً أكثر منه عالمياً؛ وفيه يهتم الجيران ببعضهم بعضاً، ويحل الدرَّاجون السُّعداء محل أولئك الذين يتنقلون على عجل بين البيت والعمل، وتُستبعد المركبات الآلية من الطرقات ويلعب الأطفال في شوارع خالية من التلوث.

وتأتي التغيرات المتوقعة في الوظائف وأماكن العمل في صُلب هذه الرؤية المثالية للمستقبل، مع تحول المكاتب فجأةً إلى شيء من الكماليات الاختيارية أكثر منها حاجة مُلحَّة. فالأشهر التي قضاها كثيرون في العمل من المنزل والإجراءات التي تُتبع الآن لتحويل المكاتب إلى "بيئة عمل آمنة من كورونا"، تمخَّضت عن نظرة جديدة إزاء مزايا مقار العمل.

حالياً، نحن في وضعٍ حرج تُريد فيه الحكومة منا العودة إلى العمل، ما يعني بالنسبة للغالبية الذهاب من جديد إلى المكاتب لإنقاذ لندن ومراكز المدن الأخرى من الموت؛ وهذا أمر مرفوض تماماً بالنسبة لكثيرين، لكنه لن يبقى كذلك بعد نهاية فصل الصيف ودخول الخريف؛ ولا أُمانع في المُراهنة من الآن على أننا سنشهد اتجاهاً ينبغي بنا جميعاً حكومة وأرباب عمل وعمالاً وموظفين، الحذر منه.

وثمَّة دليل فعلي على أن الجائحة وتداعياتها ميَّزت بين النساء والرجال. ولا أعني هنا المرض في حد ذاته؛ إذ يتضح أن الرجال، لا سيما الكبار في السن بينهم، أشد تضرراً من النساء؛ بل أقصد الآثار الاجتماعية التي يُمكن أن تتفاقم على امتداد الأشهر، وحتى السنوات المقبلة، ولا أتوقع للمرأة أن تخرج منها مُنتصرة.

تركَّزت حتى الآن توقعات البارزين من خبراء الاقتصاد ومراكز البحوث المتخصصة، لمرحلة ما بعد الجائحة، على القضايا المشتركة بين الأجيال. وذهب الرأي السائد بينهم إلى القول إن عبء الوظائف والآفاق والثروة سيكون أشد وطأة على اليافعين بدلاً من الأكبر سناً، على المدى الأبعد. وهذا، بالمناسبة، استنتاج أرفضه. فلدى اليافعين، برأيي، ما يكفي من الوقت لتعويض ما فاتهم واللحاق بالركب؛ وبالتالي، فإن العمال الأكبر سناً سيكونون الأكثر تضرراً لأنهم سيجدون أنفسهم مرميين خارج سوق العمل إلى الأبد، وقد انخفضت معاشاتهم التقاعدية الخاصة سلفاً بشكلٍ اعتباطي جرَّاء طباعة الأموال اللازمة للحفاظ على استقرار البلاد وإبقائها واقفة على قدميها، ولكن هذه قصة مختلفة تماماً!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبغضِّ النظر عن السن، يُمكن للنساء أن يكن الطرف الأكثر خسارة وكبش فداء الجائحة. وقبل أن أدخل في التفاصيل، أود أن أكون صادقة وصريحة وأوضح بعض النقاط.

أولاً: أنا لستُ ممن ينظرون إلى كل المسائل والمواضيع من منظور جندري.

ثانياً: لم أجادل يوماً بأن المرأة التي تختار المكوث في المنزل مع أطفالها الصغار بدلاً من العمل خارجه قد تخلت عن بنات جنسها.

خلافاً لذلك، أنا أعتقد أن لكل شخص الحق باختيار نمط عيشه، وليس هذا فحسب، بل على الحكومة أن تجعل ممارسة هذا حقاً أسهل مما هي عليه حالياً من خلال إعادة تطبيق خيار ضريبة الأسرة بدلاً من الفرد. فالضرائب على دخل الأسر هي الأعلى في المملكة المتحدة مقارنةً بمعظم الدول المتقدمة الأخرى؛ ولعل هذا هو أحد أسباب الارتفاع النسبي في معدل الفقر الشديد.

نعم، أريد وصول مزيد من النساء إلى المناصب المؤثرة ومراكز صنع القرار؛ نعم، أريد فرصاً متكافئة وأجوراً متساوية بين النساء والرجال عن العمل المتكافئ، مع درجة أكبر بكثير من الشفافية لتحقيق ذلك. ما أحاول قوله هنا هو أنني لستُ من النوع الذي ينتحب صارخاً "الويل لنا نحن النساء" عند كل صغيرة وكبيرة في سياسة الحكومة أو الدورة الاقتصادية؛ فبعض الأمور لا يدخل في إطار القضايا النسوية، ولكنني واثقة جداً أن تبعات جائحة عام 2020 هي قضية جندرية بامتياز، وستُمسي أكثر جندرية مع مرور الوقت، وسيكون نصيب "العمال الأساسيين"، أصحاب الأجور الدنيا إلى حد كبير، الذين استبسلوا في الذهاب إلى عملهم خلال فترة الجائحة، من التغيير أقل من المهنيين الأعلى أجراً ممن تمكنوا من العمل من المنزل. وفي هذا السياق، لا بد من التنويه إلى ملاحظة واحدة، وهي لا تزال إلى الآن مجرد ملاحظة جاءت من العالم الأكاديمي، ومفادها أنه على الرغم من إجماع معظم أرباب العمل في مختلف المجالات على أن الإنتاجية بمجملها لم تُمس بقدر ما كانوا يخشون، تبين أخيراً أن إنتاجية الأبحاث الأكاديمية ارتفعت بشكلٍ ملحوظ في صفوف الرجال، وانخفضت في أوساط النساء.

حسناً، حسناً، ما سبب ذلك يا تُرى؟ الأرجح أنه استمرار انعدام المساواة بين الجنسين في المنزل حتى القرن الحالي، فالنساء يتحملن الجانب الأكبر من المسؤوليات فيه، بدءاً بتغيير الحفاضات للصغار والتدريس لهم في البيت حين يكبرون قليلاً، وصولاً إلى التسوق والطهو والتنظيف. وتكاد المرأة تنفرد بمهام الرعاية، ولا سيما الرعاية غير مدفوعة الأجر.

وهذا ليس السبب الوحيد؛ إذ يُضاف إليه أن الوزراء والمعنيين، ممن كانوا يصنعون السياسات تحت وطأة ضغوط شديدة للغاية مثلما يعرف الجميع، تجاهلوا كما يبدو الدور الحاسم الذي تؤديه مرافق رعاية الأطفال ويُتيح للأهل عموماً، والأمهات خصوصاً، إمكانية العمل خارج المنزل. فقد بدأت الحكومة مناشدة الناس العودة إلى العمل في حين كانت المدارس لا تزال تصر على إبقاء أبوابها مغلقة في وجه التلاميذ معظم أيام الأسبوع. وظل معظم دور الحضانة، التي عانت من كونها تعتمد على مزيج من المخصصات العامة والخاصة تماماً كدور رعاية المسنين، مغلقاً. ويُحذر بعض دور الحضانة من احتمال عدم قدرته على استئناف عمله من جديد.

من الواضح أنه لا يُمكن توقع عودة الجميع إلى المكاتب ومراكز العمل ما دام مقدمو الرعاية والمدارس ودور الحضانة خارج الخدمة. ويظهر أن الحكومة فهمت الأمور بطريقة خاطئة. فهل كان هذا الخطأ ناجماً عن عدم وجود نساء في المراكز الحكومية العليا، كما جادل البعض؟ سؤال وجيه، وكان حرياً بأي من أعضاء مجلس الوزراء أن يُفكر فيه. والواقع أن أغلبية الذين يلبون دعوة العودة إلى المكاتب حالياً هم من الرجال.

ثمَّة سؤال أهم وهو ما إذا كان الأمر سيستمر على هذا النحو حتى بعد عودة المدارس وسواها من خدمات الدعم. والحقيقة أن الإجابة تعتمد جزئياً على عدد الأشخاص الذين سيحافظون على وظائفهم بحلول الخريف وكيفية توزيعهم. فبعض الشركات تسمح لموظفيها بالعمل من المنزل بشكلٍ شبه تام، والعديد منها مستعد لتقليص مساحة مكاتبه، مع استمرار جزء من موظفيه في العمل من المنزل لبعض الوقت أو دائماً.

والحال أن عدد الذين تأثروا بالأزمة يُقدر بـ20 مليون شخص. ويرى كثير منهم أن ثمَّة فوائد شتى للعمل من المنزل، ولا سيما إذا كان هذا مُريحاً وله مساحة خارجية. فمن شأن هذا النمط من العمل أن يوفر الوقت والمال، ما يُتيح للفرد تمضية مزيد من الوقت مع عائلته والتعرف على جيرانه وعيش حياة أكثر هدوءاً. إذن، وفيما تعيد الشركات اليوم النظر في مقارها ومكاتبها، كذلك يفعل الموظفون الراغبون في تحسين التوازن بين حياتهم الشخصية والعملية، وهذا كله يعني مزيدًا من التحسن، لكن لديَّ تحذيراً واحداً. شهدت تجربة الإغلاق الاجتماعية المهيبة توفير مزيد من الوقت للعائلات إلى جانب عودة الرجال والنساء السريعة إلى أدوارهم التقليدية، كما يبدو بشكل واضح استناداً إلى روايات أسر عديدة عاشت التجربة رغماً عنها. وبوسعنا أن نناقش إيجابيات النموذج البريطاني الذي يشجع الوالدين على العمل خارج المنزل حتى عندما يكون الأطفال صغاراً في السن وسلبياته. أما إذا تمخض النقص المرجح في عدد الوظائف بحلول الخريف، والإمكانية الجديدة للعمل من المنزل، عن عودة الرجال إلى المكاتب بأعداد أكبر من النساء، فعلى هؤلاء عموماً أن يحترسن مما قد يحصل.

فهنا ثمَّة خطر يكمن في تحول المساحات المكتبية من جديد إلى بيئة تقتصر على الرجال؛ وأن يصبح العمل في أحد المكاتب، التي بات فضاؤها محدوداً أكثر مما مضى، ذا أهمية جديدة على اعتبار أنها البؤرة التي تُطرح فيها الأفكار المهمة وتُصنع القرارات.

وهكذا، ستُصبح الشمولية التي تُروِّج لها خانات وجوه المشاركين في الاجتماعات المباشرة عبر برنامج "زوم" في طي النسيان؛ ويكون من الصعب على النساء أن يعُدن الى مركز صناعة القرار.

وبالنسبة إلى النساء اللاتي يرغبن حقاً في العمل من المنزل، لا بأس... أرجوكُنَّ، افعلن ذلك، ولكن إن لم تفعلنَ، ولم تشعرن بأن العمل المنزلي على طريقة النساء إبان خمسينيات القرن الماضي هو المهمة الأساسية التي ترغبن بأدائها، فلا تقبلن به، لا أمام شركائكن، ولا أمام مُديريكُنَّ. فلو صار عمل الرجال في المكتب وعمل النساء في المنزل أو من المنزل، هو العادة المألوفة من جديد، فهذا يعني بكل بساطة أن بعض المعارك القديمة حول الأجور والمراكز والآفاق عادت إلى الواجهة، ولا بد من خوضها مرة أخرى.

© The Independent