Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حتى الخيول دخلت في الحجر الصحي

أضخم وأجمل إسطبلات أوروبا في شانتيي الفرنسية فرض العزلة على خيوله

فريق الفروسية في متحف شانتيي الفرنسي (من موقع المتحف)

لم تسلم الخيول في إسطبلاتها من ظروف الحظر الصحي التي فرضتها جائحة كورونا الراهنة، متقاسمةً المصير الصعب مع صديقها الحميم، الإنسان.

وفي مدينة شانتيي شمال فرنسا المحتضنة لأكبر وأجمل إسطبلات أوروبا التي تضمّ "متحف الخيل" المعني بتسليط الضوء على العلاقة الأزلية بين الإنسان والأحصنة من خلال مجموعة دراسات واستراتيجيات فنية وإثتولوجية، تعاني الخيول التأقلم مع نظامٍ جديد غيّر عاداتها اليومية من أجل ضمان سلامتها وسلامة المسؤولين عنها.

نظام حياة بديل وخطط مستقبلية مبهمة

في لقاء خاص مع "اندبندنت عربية"، تؤكّد Sophie Bienaime، مديرة الفنون والفروسية في المتحف وفي مؤسسة دومين دو شانتيي التي تدير الإسطبلات، أنهم واجهوا مشكلة كبيرة في بداية الحظر الصحي الطارئ في ما يتعلّق بالتغيير المفاجئ لنظام الخيول اليومي.

وتقول: "خيولنا معتادة على نمط حياة معيّن يتضمّن قواعد وتدريبات منتظمة منذ 30 عاماً. وكان علينا تدبّر الأمر بسرعة وإيجاد نظام بديل يمكّننا من تحقيق النتائج المرجوة من الخيول وتلبية حاجاتها، من جهة، وعدم خرق قوانين الحظر واتّباع طرق الوقاية والسلامة من جهة ثانية".

اقتضت الخطوة الأولى في النظام الجديد تقليل عدد الدارجين إلى النصف. إنّه أمر بغاية الصعوبة، لكنّه أفضل من لا شيء، ففي حين كان يشرف على جولات الخيول يومياً 8 دارجين، أصبحوا 4 فقط. الخطوة الثانية اقتضت تناوب الخيول في الجولات اليومية، إذ لم يعد بمقدورنا تدريج (تسيير) أكثر من 8 ـ 12 حصاناً يومياً فقط.

وتوضح أنّ الوضع قبل جائحة الفيروس، كان يقتضي جولات نهارية للخيول في مناطق شانتيي كافة ومحيطها، لكن وفي ظل الظروف الحالية، صارت الجولات تقتصر على تدريج الخيول ضمن أراضي القلعة فقط، أي بما يعادل مساحة 110 هكتارات. "هذا حظٌ جيد، لكان الوضع كارثياً لو لم تكن موجودة".

يمتدّ تأثير الجائحة داخل الإسطبلات الكبرى، محبطاً الخطط الحالية والمستقبلية كافة من أنشطة وعروض وفعاليات. فإلى جانب إغلاق المتحف، أُلغي موسم العروض المسرحية حتى 15 يوليو (تموز) على أقل تقدير لأنهم لا يعلمون كيف ستجري الأمور بعد ذلك الموعد.

وتبيّن بيانيميه وجود مخطط بديل يقترح أن تفتح حديقة القلعة في مدينة شانتيي أبوابها أمام الزوار للسماح بمشاهدة تدريبات الخيول، مع الحفاظ على المسافات الآمنة وأساليب الوقاية المطلوبة. لكن حتى هذا الكلام قد لا يبدو دقيقاً جداً ويخضع لمتغيرات متوقعة في الظروف المقبلة سواء سلباً أو إيجاباً.

أما في ما يخصّ البدائل الحالية للزوار، تؤكّد بيانيميه التفاتهم إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تفعيل الإسطبلات والمتحف والعروض المسرحية بينما هي مغلقة. وقد زُوّدت جميع الصفحات المرتبطة بها عبر الفيسبوك، بالمعلومات والصور التي تروي تاريخ وحياة هذه المباني المذهلة، وبفيديوهات عن عمليات الإنشاء والترميم، إضافةً إلى فيديوهات العروض التي لم تكن متاحة من قبل، وفيديوهات عن حياة الخيول والخيّالة ضمن الحظر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

متحف للخيل وسط تحفة معمارية يزيد عمرها على 300 عام

توصف الإسطبلات الضخمة في مدينة شانتيي بأنها تحفة معمارية من القرن الثامن عشر، بناها المهندس المعماري جان أوبيرت بين عامي 1719 و1740 تلبيةً لرغبة لويس هنري دي بوربون، أمير كوندي السابع وحفيد الملك لويس الرابع عشر. وهي عبارة عن قصور حقيقية بفخامتها وأناقتها تسكنها أهم سلالات الخيول في العالم، وأكثرها أصالةً. وقد صُمّمت هذه الاسطبلات لإيواء مئتي وأربعين حصان للصيد، إضافة إلى 400 كلب.

أما عن ظروف إنشاء متحفٍ للخيل ضمن الإسطبلات، تقول بيانيميه: "درس والدي Yves Bienaimé الفروسية في هذا المكان عام 1960. ولطالما فكّر في ضرورة الاستفادة من الإسطبلات بطريقةٍ تسلّط الضوء على الدور الفاعل الذي لعبه الحصان في حياة الإنسان عبر التاريخ. ولم يكن منصفاً ومنطقياً بالنسبة إليه أن يستحوذ مركز الفروسية على هذه المساحة الضخمة من الجمال من دون الاستفادة منها ثقافياً وفنياً. استغرقت المفاوضات مع معهد فرنسا حوالى 4 أعوام ليُنقل مركز الفروسية إلى مكان آخر. وأنشأ والدي المتحف وأضاف إليه عدداً كبيراً من المقتنيات النادرة التي تظهر الاستخدامات المختلفة للأحصنة على مر العصور، وذلك بعدما باع كل ما استثمره في مراكز الفروسية الخاصة به والتي بناها بنفسه".

وتشير إلى أن الأمير آغا خان اشترى المتحف عام 2006 وتبرّع به لمؤسسة دومين دو شانتيي التي يرأسها. في عام 2013، أُنشئ  museography جديد وتمت استعادة الإسطبلات بالكامل وحفظها من قبل الأمير الذي سيتنحّى عن الرئاسة، ليدير هذا العقار بدلاً منه معهد فرنسا.

يضمّ المتحف حوالى 200 قطعة تتنوع بين أعمال فنية ومقتنيات أثرية تدعو إلى التأمل والتفكير، من لوحات ومطبوعات ومنحوتات ومعدّات وأدوات الفروسية من أزمنة مختلفة ومن كل بلدان العالم، لتظهر كيف ساعدت الخيول الإنسان في بناء حضارته والتغلّب على عددٍ كبيرٍ من شروط الحياة الصعبة، ودورها الكبير في ما يتعلّق بالسلطة أو الحرب أو الصيد أو الترفيه.

تتوزّع المقتنيات على 15 غرفة مقسّمة وفقاً للموضوع، مثل: تاريخ تدجين الحصان، سلالات الخيول المختلفة في العالم، تطوّر أشكال التسخير في العالم عبر القرون والأدوات التي اخترعها الإنسان للسيطرة على الحياة في الجبل.

كما يعرض المتحف مجموعة نادرة من المزهريات الزجاجية البوهيمية المنقوشة في منتصف القرن التاسع عشر والتي تجسّد ما يمثّله الحصان في الفن وتحديداً في الفنون الزخرفية.

ثمة ست محطات تفاعلية تسمح بتصفّح الأعمال وقراءتها، من بينها مخطوطة فارسية من القرن السادس عشر، ومخطوطة فرنسية مخصصة للملك لويس الثاني عشر، ومخطوطة للأطفال نُشرت في أربعينيات القرن العشرين بعنوان "تاريخ الحصان الأزرق".

وللأطفال أيضاً، تُعرض مجموعة استثنائية من الألعاب الضخمة كتلك الموجودة في مدن الملاهي، إلى جانب عددٍ كبيرٍ من الخيول الخشبية المنحوتة والمطلية بألوان وزخرفات جميلة ومفرحة.

ويضيء المتحف بشكل خاص على سباق الخيل الذي تسبّب بشهرة شانتيي منذ عام 1834، وقد خُصّصت له غرفتان تستعرضان أهميته التاريخية والحيوية، وتطوّر الفرسان ومفهوم الفروسية في ثلاثة قرون.

العروض المسرحية حصيلة سنوات من التدريب والتعب

أسست صوفي بيانيميه فريق فروسية يتألف من الإناث فقط، وهو بمثابة شركة أو معهد فروسية يعلّم مبادئ ركوب الخيل في التقاليد الفرنسية، وقد رُشّح من قبل مؤسسة Le Cadre Noir المتخصصة في الفروسية،  ليكون على قائمة التراث غير المادي في اليونسكو، مع العلم أن ركوب الخيل في فرنسا أُدرج على القائمة منذ عام 2011.

ويقدّم فريق الفروسية ثلاثة عروض على مدار السنة، وهي جميعها من تأليف وإخراج صوفي بيانيميه وشقيقتها فيرجيني اللتين تعتمدان على فنون الاستعراض المسرحي والأكروبات وبعض تقنيات السيرك. وتهتم مصممة الأزياء مونيكا موتشا بإبراز اللمسة النهائية التي تضفي على العرض السحر والروعة.

تتنوع مواضيع العروض بين التاريخ والطبيعة وموضوعات أخرى تبعاً للموسم، وتُقام داخل المسرح الموجود ضمن المبنى وهو عبارة عن قاعة دائرية الشكل قطرها 13 متراً ترتفع فوقها قبة بمقدار 28 متراً، وتستوعب 600 متفرج.

وتحدثنا صوفي بيانيميه عن تقنياتهم المتبعة في تدريب الخيل وتجهيزه للعروض، فتقول: "ما لا يعرفه كثيرون أن الخيول كائنات حيّة تتميّز بالخوف الشديد، وبالحساسية الشديدة إزاء محفّزات عدّة مثل: الأضواء والتصفيق والأزياء وتجمع الحشود. لهذا السبب، يستغرق تعليمها وتدريبها على العروض الفنية التي نقدّمها وقتاً طويلاً. فأن تجعل حصانك شريكاً رائعاً على خشبة المسرح، عليك أن تبذل الكثير من الجهد والوقت".

ثم تضيف: "الأحصنة في إسطبلاتنا تتعلم طيلة حياتها. لا وجود لفترات انقطاع على الإطلاق. نقدّم لجماهيرنا الذين يأتون من جميع أنحاء العالم عروضاً مصمّمة خصيصاً. لكننا لا نعلّم الحصان تمريناً محدّداً لعرض معين، نحن نستعرض ما يعرفه ونستخدمه ضمن السيناريو. بعد أن ينال الحصان كفايته من التدريب والتعلّم، نجعله يشارك في أداءات بسيطة جداً ضمن عرض جماعي وسط غيره من الخيول، وعندما نرى بأنه بدأ يستقر نفسياً ويشعر بالراحة، ندرّبه بشكل مكثّف ليحظى بعرضٍ منفرد على المسرح. ولكن هذا لا يحدث إلّا مع الأحصنة التي تتراوح أعمارها بين 10 ـ 12 سنة".

كما تبيّن أن تدريب الحصان وتجهيزه ليتمكّن من الأداء على المسرح، يستغرق مدة 3 سنوات فما فوق تتخلّلها مراحل عدّة: الأولى، تمرينه على تحمّل وزن الإنسان على ظهره والمشي بينما هو يحمله. الثانية، تدريبه على جميع التمارين الأساسية والجمباز وجعله أكثر مرونة. وتتضمن الثالثة التمارين الأكثر تعقيداً ممتدة على سنوات. وفي الوقت ذاته، عليه تعلّم الجلوس والاستلقاء والنهوض وأداء الخطوات الإسبانية.